ما هي مكاسب دول الخليج من قفزات أسعار الذهب؟

23 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 03:33 (توقيت القدس)
متجر ذهب في السعودية (فايز نور الدين/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت أسعار الذهب ارتفاعاً تاريخياً متجاوزة 4000 دولار للأونصة في أكتوبر 2023، مدفوعة بتوقعات خفض الفائدة من بنك الاحتياط الفيدرالي، التوترات الجيوسياسية، وضعف الدولار، مما جعل الذهب ملاذاً آمناً للمستثمرين.
- في دول مجلس التعاون الخليجي، زادت احتياطيات البنوك المركزية من الذهب، مما يعزز استقرار الأصول الخارجية والنشاط الاقتصادي، مع تباين في الطلب الاستهلاكي بين الإمارات والسعودية.
- يُعتبر الذهب خياراً استثمارياً آمناً وموثوقاً، مع توقعات بارتفاع سعر الأونصة إلى 5000 دولار، مما يعزز مكانته كأصل يجمع بين الأمان وحفظ القيمة.

 

سلّط تجاوز الذهب حاجز أربعة آلاف دولار للأونصة لأول مرة بالتاريخ في شهر أكتوبر/تشرين الأول الجاري، الضوء على العوامل التي تدفع بالمعدن النفيس إلى مستويات غير مسبوقة، والاستراتيجيات الاستثمارية المثلى في هذا التوقيت لمن أراد الاستثمار من الأفراد في دول مجلس التعاون الخليجي.
فمنذ مطلع العام، ارتفع سعر الذهب بنسبة أكثر من 50%، وهي أعلى زيادة منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، وذلك نتيجة تضافر عوامل متعددة، أبرزها التوقعات المتزايدة لخفض أسعار الفائدة من قبل بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي، حسبما أورد تقرير نشرته وكالة "رويترز".
فالأسواق ترجح احتمالية خفض الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في الاجتماع المقبل للبنك المركزي الأميركي، وفي هذا السياق أشارت بيانات بنك أوف أميركا إلى أن الذهب لم ينخفض أبداً تاريخياً عندما قام بنك الاحتياط الفيدرالي بخفض الفائدة مع بقاء التضخم مرتفعاً، ما يعزز من جاذبية الذهب بوصفه أصلاً استثمارياً، حسبما أورد تقرير نشرته شبكة CNBC.
كما تلعب التوترات الجيوسياسية المتزايدة، خاصة التوترات التجارية المتجددة بين الولايات المتحدة والصين، دوراً محورياً في دفع المستثمرين نحو الأصول الآمنة، بحسب التقرير ذاته، لافتاً إلى أن ضعف الدولار، الذي تراجع بأكثر من 10% في عام 2025، أدى إلى جعل الذهب أكثر جاذبية للمستثمرين الذين يستخدمون عملات أخرى.
وبالنسبة لاقتصادات دول الخليج، يحمل الارتفاع الحاد في أسعار الذهب تأثيرات متباينة، فعلى مستوى البنوك المركزية شهدت زيادة قوية في احتياطاتها الذهبية، ما يعكس استراتيجية تنويع واضحة للاحتياط من عدم الاستقرار المالي العالمي، حسب تقرير نشرته "غلف نيوز".

ومن جهة أخرى، يظهر التقرير ذاته تبايناً في أنماط الطلب الاستهلاكي على الذهب في المنطقة، ففي الإمارات ارتفعت الاستثمارات في السبائك والعملات الذهبية بنسبة 25% على أساس سنوي في الربع الثاني من عام 2025، بينما انخفض الطلب في المملكة العربية السعودية بنسبة 19%.
ومع ذلك، يحذر بعض المحللين من مخاطر التصحيح قريب المدى، فقد أشار تقرير لشركة "آي إن جي" إلى أن الذهب قد يحافظ على متوسط 4150 دولار للأونصة في عام 2026، مع احتمال بقاء الأسعار حول مستوى 4000 دولار بحلول نهاية عام 2025، وفقاً لما أورده تقرير نشرته "إيكونوميك تايمز".

تزايد الطلب

من جانبه، يعزو الخبير الاقتصادي، نهاد إسماعيل، التصاعد التاريخي لسعر الذهب إلى تزايد الطلب على المعدن الثمين وسط حالة من عدم اليقين والتقلبات التي تشهدها أسواق الأصول الأخرى كالأسهم والسندات، إضافة إلى الاضطرابات في الأسواق المالية.
ويوضح إسماعيل أن عوامل عدة دعمت تزايد الطلب على الذهب، أبرزها المخاوف من حرب تجارية أشعلها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في أوائل العام وأعلن عنها رسمياً في الثاني من إبريل/نيسان، عبر فرض تعرفات جمركية مرتفعة تؤجج التضخم وتبطئ النمو الاقتصادي، ما يجعل أصولاً أخرى كالدولار وسندات الخزينة أقل جاذبية للمستثمرين.
كما تدعم الحروب والتوترات الجيوسياسية أسعار الذهب، حتى في ظل تصاعد التضخم، إذ تضغط هذه الظروف على الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) لخفض أسعار الفائدة، حسب إسماعيل، لافتاً إلى أن الفيدرالي خفض أسعار الفائدة فعلاً بمقدار 25 نقطة أساس الشهر الماضي، ومن المتوقع أن يُجري تخفيضين إضافيين بحلول نهاية العام.
ولذا يرى إسماعيل أن المستثمر يبحث اليوم عن ملاذ استثماري آمن وموثوق، ويعتبر الذهب المخزن الأمثل للقيمة بسبب ندرته وديمومته، إذ لا يتعرض للتآكل، ويحافظ على رونقه وقيمته، ويصمد أمام التقلبات الاقتصادية، خلافاً للدولار الذي يتذبذب وفقاً للظروف الاقتصادية.
وتشير تقارير مجلس الذهب العالمي إلى أن الطلب على الذهب ارتفع بشكل كبير، حتى بات يتفوق على الدولار واليورو باعتباره مخزناً للقيمة، ففي العام الماضي، امتلكت البنوك المركزية سندات حكومية بقيمة 1.9 تريليون دولار، مقابل 3.86 تريليونات دولار من الذهب، وهو رقم تجاوز اليوم حاجز 4 تريليونات دولار.

ويخلص إسماعيل إلى أن أي شخص يرغب في الاستثمار في الذهب يمكنه اليوم شراء سبائك بنقاوة 99.95%، بفئات تتراوح بين 100 غرام و1 كيلوغرام، من مصدر معروف وموثوق مثل مصرف متخصص في هذا النوع من الاستثمارات، لافتاً إلى أن المستثمر عادة ما يحتفظ بذهبه لسنوات عدة مخزناً للقيمة، ليبيعه لاحقاً حين يرى أن السوق تتيح له تحقيق ربح جذاب.

احتياطيات كبيرة

في السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي، حسام عايش، لـ"العربي الجديد"، أن الدول الخليجية تستفيد بشكل عام من الارتفاع القياسي في أسعار الذهب لأسباب متعددة، فبنوكها المركزية تمتلك احتياطيات كبيرة ومتنامية، ما يعزز استقرار أصولها الخارجية، كما أن أسواقها تشهد تداولاً واسعاً للمعادن الثمينة، لا سيما الذهب، الذي يحتفظ به المواطنون والمقيمون بكميات كبيرة وسيلة للادخار والاستثمار.
ويوضح عايش أن هذا الارتفاع يزيد من الدخل الشخصي غير المباشر لهؤلاء الأفراد، ما ينعكس إيجاباً على الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري والإنفاق على الرفاهية بأشكالها المختلفة، وبالتالي يساهم في تحفيز النشاط الاقتصادي عبر قطاعات التجارة والخدمات.
ويلفت عايش إلى أن هذا المشهد يترافق مع حيوية متزايدة في حركة البيع والشراء على مستوى الأسواق المحلية، ما يولد إيرادات إضافية ويدعم النشاط التجاري والاقتصادي، كما أن امتلاك احتياطات ذهبية كبيرة يعزز ثقة الأسواق بالعملات الوطنية الخليجية، ويقلل من تأثير التقلبات في السياسة النقدية الأميركية، خاصة في ظل ضبابية الاقتصاد الأميركي، واتجاهات رفع أو خفض أسعار الفائدة.
ويؤكد عايش أن ارتفاع أسعار الذهب وزيادة احتياطات البنوك المركزية منه يمنحان تنويع الاحتياطات أبعاداً استراتيجية جديدة، خاصة في ظل تراجع جاذبية بعض الأصول التقليدية مثل السندات الأميركية، بعد تخفيض الفائدة وانخفاض عوائدها، وفي ظل هذه الظروف، يتجه المستثمرون نحو الأصول الأكثر أماناً، ومن بينها الذهب، الذي يلعب اليوم دوراً استثمارياً مزدوجاً فهو ملاذ آمن وأداة لحفظ القيمة، بالرغم من أنه لا يدر فوائد مباشرة.
وعلى الرغم من أن بعض المستثمرين قد يفضلون العوائد المرتفعة من الأسهم، فإن كثيرين يختارون الأمان على المخاطرة في البيئات الاقتصادية غير المستقرة، بحسب عايش.
ويضيف أن الذهب يكتسب أهمية خاصة بوصفه وسيلة للادخار، في ظل المخاوف من عودة التضخم، وانخفاض القوة الشرائية للدولار والعملات المرتبطة به، ولذا فعلى المدى المتوسط والطويل، يظل شراء الذهب خياراً ذا عائد مضمون، خاصة بعدما سجل سعره ارتفاعات هائلة عبر العقود: ففي عام 1925، بلغ سعر الأونصة نحو 20.6 دولاراً، بينما نتجاوز اليوم عتبة 4000 دولار، مع توقعات بأن يلامس 5000 دولار قريباً.

المساهمون