ما درجة واقعية التهديد الحوثي لآخر شريان لتصدير النفط السعودي؟
- الحصار الحوثي يهدد ليس فقط صادرات الطاقة، بل أيضًا الإمدادات اللوجستية والواردات الحيوية للسعودية، مما قد يؤدي إلى صدمة طاقة عالمية. السعودية مستعدة لاتخاذ إجراءات لحماية سفنها، بينما يعتبر الخبراء التهديدات رمزية.
- التصعيد الحوثي يُنظر إليه كتحريك إيراني للضغط على السعودية، مما قد يستدعي تدخلًا دوليًا وإقليميًا لحماية المصالح الاستراتيجية، مع تحالفات إقليمية قيد التشكل واحتمال استفادة الشركات الأميركية من إعادة الإعمار.
تصاعدت التوترات الأمنية في البحر الأحمر بشكل غير مسبوق، إثر إعلان جماعة الحوثي في اليمن فرض حصار بحري على السعودية، لضرب الملاحة المتجهة من الموانئ السعودية وإليها عبر مضيق باب المندب، مبررة ذلك بأنه خطوة مقابلة لما اعتبرته حصاراً مفروضاً عليها وإثر استهداف مطار صنعاء، ما يضع ممر صادرات الطاقة الأخير للمملكة تحت التهديد، تزامناً مع تعطّل خطوط الملاحة في مضيق هرمز.
ويمثل الإعلان الحوثي سلاحاً اقتصادياً يهدد بتغيير حسابات التأمين البحري ومسارات الناقلات. وفي ما يتعلق بقدرة البنية التحتية النفطية السعودية على تفادي الاضطرابات، تظهر البيانات الملاحية اعتماد الرياض المكثف على خط أنابيب شرق-غرب (بترولاين) لنقل الخام برياً إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، للالتفاف على إغلاق مضيق هرمز، ما حوّله إلى شريان الحياة الرئيسي والوحيد لصادراتها، ومع ذلك فإن هذا الاعتماد المطلق يخلق نقطة ضعف استراتيجية لوقوع الميناء والناقلات المغادرة منه ضمن المدى الجغرافي للصواريخ الحوثية؛ حيث أوضحت مصادر وبيانات تتبّع السفن أن شحنات الخام اليومية في ميناء ينبع وصلت إلى حوالي 4.7 ملايين برميل يومياً، وهو ما يقترب من الحدود التشغيلية القصوى للميناء، ما يعني غياب أي قدرة احتياطية لاستيعاب أي اضطرابات لوجستية جديدة، حسب تقدير نشرته منصة مودرن دبلوماسي (Modern Diplomacy)، في 15 يوليو/ تموز الجاري. وكانت بيانات تتبع السفن التي جمعتها وكالة بلومبيرغ قد أظهرت أن صادرات الخام من ميناء ينبع ارتفعت إلى 4.19 ملايين برميل يومياً خلال يونيو/حزيران الماضي.
ولا تقتصر مخاطر تهديد الحصار الحوثي على صادرات الطاقة، بل تمتد لتلقي بظلالها على الإمدادات اللوجستية والواردات الحيوية للمملكة، وخاصة قطاع الإنشاءات والبنية التحتية الذي يعتمد على المواد الأولية المستوردة. وفي حال تطور الوضع لتعطيل صادرات النفط، ترجح التوقعات أن تكون التداعيات كارثية؛ إذ ستؤدي إلى صدمة طاقة عالمية نتيجة الإغلاق المتزامن لأهم مضيقين نفطيين بالمنطقة (هرمز وباب المندب)، ما يدفع الأسعار لمستويات قياسية تضر بالاقتصاد العالمي واقتصادات الخليج في غياب بدائل شحن برية كافية، حسب تقرير نشرته منصة واشنطن إكزامينر (Washington Examiner)، المتخصصة في الشؤون السياسية والدفاعية، في 20 يوليو الجاري.
ورداً على إعلان الحوثيين، قالت وزارة الخارجية السعودية، في بيان، أول من أمس، إن السعودية "ستتخذ الإجراءات اللازمة كافة لحماية سفنها بما يتوافق مع القانون الدولي، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982". وفي ظل هذه التطورات قالت شركة كبلر لتحليل بيانات الشحن إن دخول الحوثيين الصراع ينقل المخاطر من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر، ويهدد باب المندب الذي أصبح مساراً لنقل الخام السعودي والمنتجات المكررة وحركة التجارة بين أوروبا وآسيا. وأضافت أن خط أنابيب شرق-غرب والبنية التحتية للتصدير في ينبع أُنشئا لضمان استمرار تصدير النفط السعودي عند تعطل هرمز، قبل أن يتحول ينبع إلى مركز رئيسي للتكرير وتصدير المنتجات. وكانت وزارة الطاقة السعودية قد أعلنت في إبريل/نيسان الماضي استعادة الطاقة الكاملة لخط شرق-غرب، البالغة 7 ملايين برميل يومياً، منها نحو 5 ملايين للتصدير، بعدما تسببت هجمات في فقدان نحو 700 ألف برميل يومياً من طاقة الضخ عبر الخط.
هلال خطير
في هذا الإطار، يؤكد الخبير في الاقتصاد السياسي، رائد المصري، لـ"العربي الجديد"، أن احتمال وصول التداعيات إلى إغلاق كامل وشامل لمضيق باب المندب يعد دخولاً في المحظور العالمي الذي يستدعي تدخلاً دولياً واسع النطاق، وهو ما يدركه الحوثيون جيداً، ما يجعل تهديداتهم الحالية "ذات طابع رمزي بحت"، حسب توصيفه، بهدف إظهار الوقوف إلى جانب إيران في حربها المستمرة، وليس تنفيذاً فعلياً. ويوضح المصري أنه لا يوجد أي رضا دولي أو عربي أو خليجي أو إسلامي لاستحواذ إيران بشكل كامل على مضيق هرمز، نظراً للتأثير الكارثي لذلك على الاقتصاد الدولي والخليجي، لافتاً إلى أن التصعيد الحوثي يأتي بعدما أصبحت ورقة مضيق هرمز بعيدة عن متناول طهران، بعد الضربات الكبيرة والحصار البحري والجوي الأميركي، ما أفقدها قدرتها على استخدامها أداة ضغط قوية للمساومة مع الولايات المتحدة. واعتبر المصري أن قدرة الحوثيين على تهديد ممر بحري بحجم باب المندب، الذي يشكل شرياناً بديلاً لأزمة هرمز وملاذاً للاستقرار الاقتصادي والاستثماري العالمي، قد تعني نهاية مشروعهم السياسي والعسكري، وهو ما تستشعره الجماعة اليمنية، ولذا تتعامل بـ"برود نسبي" تجاه المناصرة المفتوحة لإيران، حسب تعبيره.
وفي حال تحول التهديد الحوثي إلى اعتداءات، يرى المصري أنه يمكن استيعاب أي تعطيل بسيط أو مؤقت لبعض صادرات النفط على المستويين السعودي والدولي، لكن العبث بأمن المملكة، سواء عبر مضيق هرمز، أو باب المندب والبحر الأحمر، يشكل "هلالاً خطيراً" يحكم طوقاً حول المملكة، وهو أمر لا تقبل به دول العالم ولا الدول العربية ولا حتى قوى كبرى مثل الصين وروسيا، ما يفرض حماية دولية وإقليمية لهذا العمق الاستراتيجي الحيوي. ويخلص المصري إلى شبكة تحالفات إقليمية باتت قيد التشكل لتكون بديلاً سريعاً وفعالاً يطرح نفسه في المنطقة رداً على تهديدات إيران وحلفائها، عبر محور لبنان وسورية والعراق من الخليج، الذي يمثل بديلاً لمضيق هرمز، بينما يبقى القوس الآخر، المتمثل في باب المندب والبحر الأحمر، تحت حماية مشتركة بين السعودية ومصر وربما تركيا، لمنع أي إفشال لسلاسل التوريد أو ضرب لمصادر الطاقة، وهي قضية أكبر من قدرة الحوثي على تعطيلها، لأنها تتعلق بمستقبل الاقتصاد العالمي بأكمله، حسب تقديره.
الورقة الحوثية
من جانبه، يشير الخبير المختص بالاقتصاد السياسي، زيان زوانه، لـ"العربي الجديد"، إلى أنه في ظل استمرار الضربات النوعية التي تشنها الإدارة الأميركية، والتي تحقق أهدافها المعلنة في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية بشكل متصاعد، تجد طهران نفسها محشورة في زاوية ضيقة وتعتبر المواجهة حرباً وجودية، ما يدفعها للبحث عن خيارات غير تقليدية للرد، ومنها التصعيد الحوثي. ويرى زوانه أن لجوء إيران لتحريك الورقة الحوثية بكامل إمكانياتها، بما في ذلك التهديد بإغلاق مضيق باب المندب، وضرب خطوط التصدير السعودية وموانئ دول الخليج الأخرى، يأتي لإضعاف قدراتها الاقتصادية، والنيل من صورتها بوصفها دولاً مؤثرة إقليمياً، وهو ما يضعف المنظومة العربية عموماً، ويرفع كلفة الحرب على المنطقة والعالم، ويدخل الصراع في منعطفات كارثية. ويلفت زوانه، في هذا الشأن إلى وجود تيار أميركي يعتقد أن تدمير البنى التحتية الخليجية سيكون في صالح الشركات الأميركية التي ستقود عملية إعادة الإعمار بعد الحرب، ما قد يفتح الباب أمام احتمال تدخل بري أميركي للسيطرة على السواحل الإيرانية المطلة على الخليج العربي، لتكون بداية مرحلة جديدة من الصراع تبقي مضيق هرمز مغلقاً والمنطقة تحت الحصار ونزيف الموارد وضعف الماليات العامة. ومن شأن معطيات كهذه أن تجر الخليج ومصر ودولاً أخرى في حال إغلاق باب المندب إلى ما يصفها زوانه بـ"دوامة شيطانية عسكرية وأمنية واقتصادية" تلقي بظلالها الثقيلة على الجميع لسنوات طويلة قادمة، حيث يصبح البحث عن حلول من الناحيتين الاقتصادية والأمنية هو الهاجس الرئيسي للحكومات في المنطقة. ولا يرى زوانه مخرجاً من هذا المأزق إلا عندما يشتد الضغط الداخلي الأميركي على ترامب، ما قد يدفعه للوقوف على أرض وسط مع إيران التي تعتقد بدورها أنها لن تخسر كثيراً أكثر مما خسرته بالفعل، وهو ما قد يفرض تسوية سياسية تنهي حالة الاستنزاف الاقتصادي المستمرة للمنطقة.