مافيا الاحتكار تلتهم ثلثي إنفاق أهالي غزة

10 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 01:36 (توقيت القدس)
سوق شعبي في مخيّم النصيرات، 20 يناير 2026 (معز صالحي/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، تعرضت الأسر لأزمة اقتصادية حادة، حيث تضررت البنية التحتية ومصادر الدخل، مما أدى إلى تضخم غير مسبوق في الإنفاق بسبب الاحتكار ونقص السلع وأزمة السيولة.

- ارتفعت تكاليف المعيشة بشكل كبير نتيجة لارتفاع الأسعار وندرة السلع، مما أجبر الأسر على استنزاف مدخراتها، حيث خسرت نحو 1.21 مليار دولار بسبب ممارسات الاحتكار.

- أفرزت الحرب أنماطاً جديدة من الاستغلال الاقتصادي، مثل فرض ضرائب غير قانونية وارتفاع عمولات التكييش، مما أدى إلى تشوه الاقتصاد وزيادة الفجوة الاجتماعية.

منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، دخلت الأسر الغزية في واحدة من أكثر المراحل الاقتصادية قسوة وتعقيداً في تاريخها، فلم تكن الحرب مجرد تدمير للبنية التحتية وتعطيل للحياة اليومية، بل تحولت سريعاً إلى حرب اقتصادية شاملة استهدفت قدرة الأسر على البقاء، عبر تقويض مصادر الدخل وشلّ حركة الأسواق والتحكم بتدفق السلع والنقد.

وفي هذا السياق، شهد إنفاق الأسر تضخماً غير مسبوق، لا نتيجة تحسّن في مستويات المعيشة أو زيادة في الدخول، بل بفعل مزيج خطير من الاحتكار والاستغلال ونقص المعروض السلعي، إلى جانب أزمة سيولة خانقة دفعت المواطنين إلى دفع عمولات مرتفعة للحصول على أموالهم.

وأمام سياسة تجويع ممنهجة فرضتها إسرائيل عبر تقييد دخول البضائع، أصبح الإنفاق اليومي عبئاً مضاعفاً يلتهم المدخرات ويستنزف أي دعم نقدي يصل إلى الأسر.

استنزاف قسري

خلال فترة الحرب وما بعدها، وجد الغزيون أنفسهم مضطرين إلى إنفاق مبالغ أكبر بكثير لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم الأساسية، في وقت لم يكن هذا الارتفاع في الإنفاق انعكاساً لزيادة الاستهلاك، بل نتيجة مباشرة لارتفاع الأسعار وندرة السلع وفرض هوامش ربح احتكارية على الغذاء والدواء ومستلزمات الحياة اليومية. ومع تدمير مصادر الدخل، باتت الأسر تنفق من مدخراتها أو من مساعدات نقدية مؤقتة لا تعكس قيمتها الحقيقية في السوق.

وتجدر الإشارة إلى أن سياسات الحصار المشدّد وإغلاق المعابر والتحكم الإسرائيلي بكميات وأنواع السلع الداخلة إلى القطاع، أسهمت في خلق فجوة حادة بين العرض والطلب، هذه الفجوة لم تُترك لتوازنات السوق، بل استُغلت من فئات محدّدة تحكمت بالاستيراد والتوزيع، ما جعل كل عملية شراء تمثل استنزافاً مضاعفاً للقوة الشرائية.

إلى جانب ذلك، لعبت أزمة السيولة النقدية دوراً محورياً في تضخيم إنفاق الغزيين، فمع تعطل البنوك وشح النقد الورقي وتلف جزء كبير منه، اضطرت العائلات إلى اللجوء إلى ما يعرف محلياً بـ"التكييش"، إذ تُفرض عمولات قاسية للحصول على النقد، تراوحت بين 15% و55%، ما يعني أن جزءاً كبيراً من دخل الأسرة أو مساعداتها يضيع قبل أن يصل إلى يدها فعلياً.

خسارة 1.21 مليار دولار

في هذا الإطار، تُبرز نتائج ورقة سياسات صادرة عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية (مستقلة)، أعدها الباحث سيف الدين عودة، الحجمَ الحقيقي للخسارة التي تكبدتها الأسر الغزية، إذ أشارت الورقة إلى أنّ ما أنفقته الأسر خلال فترة الحرب بلغ نحو 1.8 مليار دولار بالقيمة الاسمية، إلّا أن القيمة الحقيقية لهذا الإنفاق لا تتجاوز 604.8 ملايين دولار.

بمعنى آخر، فإنّ الأسر خسرت فعلياً نحو 1.21 مليار دولار من أموالها المنفقة، نتيجة ممارسات الاحتكار والابتزاز السعري وعمولات التكييش والتشوهات الحادة في آليات التسعير، "هذه الأرقام تعني أن المواطن الغزي فقد نحو 66.7% من قيمة إنفاقه الحقيقي، أي أنّ ثلثي ما دفعه لم يتحول إلى سلع وخدمات حقيقية، بل إلى أرباح احتكارية".

وخلصت الورقة البحثية، إلى أنّ هذه النتيجة تنسحب أيضاً على المساعدات النقدية التي تلقتها الأسر، سواء من المؤسّسات الدولية أو من التحويلات العائلية من الخارج، "فكل 100 دولار حصلت عليها الأسرة خلال الحرب، لم تكن تعادل في قيمتها الفعلية سوى 33 دولاراً تقريباً، بينما تبخر الباقي في حلقات الاستغلال والعمولات والاحتكار".

استغلال وسياسات ممنهجة

بدوره، أكد المختصّ في الشأن الاقتصادي، محمد الدريملي، أن الحرب أفرزت أنماطاً جديدة وخطيرة من الاستغلال الاقتصادي، لم تكن معروفة من قبل، مشيراً إلى أنّ أحد أبرز هذه الأنماط تتمثل في فرض ما يشبه ضرائب غير قانونية على عمليات التنسيق لإدخال البضائع، فرضتها إسرائيل عبر عدد محدود من التجار.

وقال الدريملي لـ"العربي الجديد" إنّ هذه الضرائب وصلت إلى مبالغ باهظة تراوحت بين 300 ألف و900 ألف شيكل (الدولار= 3.1 شواكل) للشاحنة الواحدة، وهو ما حوّل عملية الاستيراد إلى امتياز محصور بفئة قليلة قادرة على الدفع، ثم جرى تحميل هذه التكاليف كاملة على أسعار السلع النهائية التي يدفعها المواطن"، ولفت إلى أن عمولات التكييش بلغت ذروتها في الشهور الأخيرة من الحرب، لتصل في بعض الأحيان إلى أكثر 50%، ما يعني عملياً اقتسام المال بين صاحب السيولة وصاحب الرصيد، "هذا الواقع حوّل النقد نفسه إلى أداة استغلال، لا مجرد وسيط للتبادل".

اقتصاد الناس
التحديثات الحية

وأضاف: "كما برزت ممارسات أخرى، مثل بيع العملة بأقل من قيمتها بحجة تلفها أو اهترائها، وبيع الفكة بأسعار أعلى من قيمتها الحقيقية، إلى الحد الذي أصبحت فيه العملة سلعة قائمة بذاتها، تباع وتشترى، في أحد أخطر مظاهر تشوه الاقتصاد خلال الحرب".

تعميق الحرب الاقتصادية

من جهته، يرى المختص في الشأن الاقتصادي، سمير أبو مدللة، أن ارتفاع إنفاق الأسر خلال الحرب لا يمكن فصله عن سياسة إسرائيلية ممنهجة لتعميق الحرب الاقتصادية على الغزيين، "فمنذ الأيام الأولى للحرب، جرى استهداف قدرة السكان على الصمود عبر تدمير مصادر الدخل وتعطيل الإنتاج وخنق الأسواق".

وقال أبو مدللة لـ"العربي الجديد" إنّ الأسر الغزّية لم تكن تنفق أكثر لأنها تملك فائضاً، بل لأنها أُجبرت على ذلك في ظل ارتفاع الأسعار ونقص البدائل، فالإنفاق في هذه الحالة كان دفاعياً يهدف إلى البقاء، وليس لتحسين مستوى المعيشة أو الادخار.

وأضاف أن "تشوه آليات التسعير وأزمة السعرَين بين الدفع النقدي والإلكتروني واحتكار السلع الأساسية، كلها عوامل دفعت الأسر إلى استنزاف مدخراتها بسرعة غير مسبوقة، ما عمّق الفجوة الاجتماعية وأعاد توزيع الدخل لمصلحة فئات احتكارية محدودة"، وخلص أبو مدللة إلى أن ما جرى خلال الحرب لا يمثل أزمةً مؤقتة في إنفاق الأسر، بل هو تحوّل بنيويّ خطير في الاقتصاد، ستكون له آثار طويلة الأمد على الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي وقدرة المجتمع الغزي على التعافي بعد الحرب.