ماذا تغير في مصر بعد عام على صفقة بيع رأس الحكمة للإمارات؟

26 فبراير 2025   |  آخر تحديث: 27 فبراير 2025 - 13:51 (توقيت القدس)
إطلاق مشروع رأس الحكمة في مصر، 4 أكتوبر 2024 (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- وقعت مصر والإمارات صفقة لتطوير مشروع رأس الحكمة بقيمة 150 مليار دولار، بهدف تحقيق استقرار نقدي وكبح التضخم وتحسين الأوضاع الاقتصادية.
- تم ضخ 35 مليار دولار من الإمارات، مما ساهم في استقرار مؤقت لسوق الصرف الأجنبي، لكن لم يتحسن الوضع المعيشي للمواطنين مع استمرار ارتفاع الأسعار.
- رغم وصول الأموال، استمرت الحكومة في سياسة التقشف وزيادة الديون، مما أدى إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية دون تحقيق فوائد ملموسة للمواطنين.

في مثل هذا الأسبوع من العام الماضي، وتحديداً يوم 23 فبراير 2024 ، وقعت مصر عقداً مع الإمارات يقضي بتطوير مشروع رأس الحكمة الواقع على سواحل البحر المتوسط. يومها خرجت علينا الحكومة المصرية قائلة إن المشروع يستقطب استثمارات تزيد قيمتها عن 150 مليار دولار، وإنه بمثابة أكبر صفقة استثمار أجنبي مباشر في تاريخ مصر، وإن للمشروع تأثيرات إيجابية عدة على الأنشطة الاقتصادية والحياة المعيشية، حيث يحقق الاستقرار النقدي للبلاد، ويساهم في كبح جماح التضخم والقضاء على السوق الموازية للدولار، كما أن قيمة الصفقة الضخمة ستحل جزءاً كبيراً من الأزمة الاقتصادية الحالية وتخفف من أزمة سوق النقد الأجنبي. ببساطة فإن الصفقة ستنقل مصر واقتصادها ومواطنيها إلى مكان أفضل بكثير، وستساهم في حل كل المشاكل العالقة بما فيها الأسعار الملتهبة والدولار الجامح وأزمة الديون الخارجية.

ووفق بنود الاتفاق الموقع بين الحكومتين في فبراير الماضي فإن الإمارات ستضخ استثماراً أجنبياً مباشراً لمصر بقيمة 35 مليار دولار خلال شهرين من التوقيع تم سدادها على دفعتين، الأولى بشكل عاجل وبواقع 15 مليار دولار (تحويل 10 مليارات دولار سيولة نقدية من الخارج مع التنازل عن خمسة مليارات دولار من ودائع الإمارات لدى البنك المركزي المصري). وقد تسلمت الحكومة المصرية بحلول أول مارس/آذار الماضي 10 مليارات دولار قيمة الدفعة الأولى من الصفقة، وبعدها بشهرين تم سداد الدفعة الثانية بواقع 20 مليار دولار (14 مليار دولار سيولة تحولت من الخارج مع التنازل عن ستة مليارات دولار من ودائع الإمارات لدى البنك المركزي المصري).

توقيت الصفقة وحجمها الضخم والتسليم السريع للأموال الإماراتية وتحويلها في غضون أيام فاجأت الجميع، الرأي العام في مصر، الأسواق والمستثمرين حول العالم، المانحون والدول المتابعة للشأن المصري ومنها أوروبا والخليج، وحتى المؤسسات المالية، ومنها صندوق النقد الدولي، التي كانت تفاوض مصر على قروض جديدة.

المواطن المصري لم يستفد شيئاً من صفقة بيع مدينة رأس الحكمة للإمارات مقابل 35 مليار دولار، وبالطبع لن يستفيد شيئاً من بيع رؤوس أخرى منها رأس جميلة

لكن بغض النظر عن التوقيت والحجم يمكن النظر إلى الصفقة على أنها جاءت في إطار دعم النفوذ السياسي للإمارات في الحياة السياسية المصرية، وتقوية محاولات أبوظبي المتواصلة زيادة نفوذها داخل شرايين الاقتصاد، والمشاركة في حزمة الإنقاذ الاقتصادي التي وضعها المجتمع الدولي لأسباب جيوسياسية في ذلك الوقت، والحفاظ على استقرار مصر التي كانت تشهد في ظل الوقت اضطرابات عنيفة في سوق الصرف الأجنبي، وتراجع مستمر للعملة المحلية، وتضخم جامح وغلاء غير مسبوق للأسعار، ونضوب وجفاف للعملة الأجنبية، وهذا كله أدى إلى زيادة حدة الغضب داخل الشارع المصري.

غير أنه وبغض النظر عن الأسباب التي دفعت أبوظبي لتوقيع مثل تلك الصفقة الضخمة وفي ذلك التوقيت، فإن السؤال المطروح هنا هو: ما الذي تغير في مصر بعد مرور عام على صفقة الإمارات وضخ 35 مليار دولار في موازنة واحتياطيات واقتصاد مصر؟ وما الذي عاد على المواطن من مبلغ الـ 35 مليار دولار؟ وما الذي تحقق على أرض الواقع بعيدا عن وعود الحكومة المبالغ فيها كالعادة؟

الواقع يقول لا شيء تغير للأفضل على المستوى المعيشي للمواطن، صحيح أن الصفقة دعمت استقرار سوق الصرف الأجنبي، وحدت بشدة من الاضطرابات العنيفة في سوق العملة، وأوقفت مؤقتا تهاوي سعر الجنيه مقابل الدولار، لكن هذا الاستقرار لم يؤدِّ مثلاً إلى حدوث تحسن مستمر في قيمة الجنيه، ووقف زحف الدولار إلى أعلى، بل العكس هو ما جرى حيث زاد سعر الدولار ليكسر حاجز الـ 50 جنيها، ولم ينعكس تحسن الجنيه المؤقت عقب توقيع الصفقة إيجاباً على أسعار السلع والخدمات التي واصلت قفزاتها، كما استمر اعتماد الحكومة على الأموال الساخنة في تقوية الجنيه وسد الفجوة التمويلية، صاحب ذلك زيادة سعر الفائدة بمعدلات قياسية، وهو ما أرهق الموازنة العامة للدولة لصالح المستثمرين الأجانب، وفاقم أزمة الدين العام المحلي، وأرهق المستثمرين.

وعقب توقيع الصفقة الإماراتية مباشرة وفي السادس من مارس/آذار 2024 أعلنت مصر عن تحرير كامل لسعر صرف الجنيه واجراء تعويم ثالث للجنيه خلال فترة تقل عن ثلاث سنوات، وفي اليوم نفسه أعلن صندوق النقد الدولي توصله إلى اتفاق بشأن زيادة قيمة القرض الممنوح للقاهرة من ثلاثة إلى ثمانية مليارات دولار، كما واصلت الحكومة سياسة التوسع في الاستدانة الخارجية رغم ضخ أموال الإمارات.

وفي العام الأول من توقيع صفقة مشروع رأس الحكمة ارتفع معدل التضخم إلى مستويات قياسية في الأسواق المصرية، وزادت أعباء الديون المحلية والخارجية، وأصبحت مصر أكبر مدين للصندوق بعد الأرجنتين، وواصلت الحكومة سياسة الحصول على قروض جديدة لسداد قروض قائمة وقديمة، وتفاقم نقص العملات الأجنبية بسبب فقدان نحو ستة مليارات دولار من إيرادات قناة السويس في أعقاب هجمات الحوثيين على الشحن في البحر الأحمر.

وخلال العام أيضاً، شهد الشارع المصري انقطاعات غير مسبوقة في التيار الكهربائي، وزيادة في الاعتماد على الغاز الإسرائيلي في مواجهة أزمة العتمة وتوفير الطاقة للمصانع ومواقع الإنتاج.

ورغم وصول مليارات صفقة رأس الحكمة، إلا أن الحكومة واصلت سياسة التقشف الشديد بحق المواطن، حيث واصلت خفض الدعم وزيادة أسعار السلع الرئيسية والخدمات من أدوية ووقود وكهرباء ومياه ونقل ومواصلات عامة واتصالات وغيرها. كما زادت تكاليف المعيشة ومعها تكاليف الإنتاج في مختلف القطاعات الاقتصادية من الزراعة والصناعة وصولاً إلى العقارات والإنشاءات.

ببساطة، المواطن المصري لم يستفد شيئاً من صفقة بيع منطقة رأس الحكمة الاستراتيجية للإمارات مقابل 35 مليار دولار، وبالطبع لن يستفيد شيئاً من بيع رؤوس أخرى منها رأس جميلة ورأس بناس وغيرها من الرؤوس السياحية المتميزة ما دامت بلاعة أعباء الديون الخارجية مفتوحة وقائمة، وهناك إهدار في المال العام، وتنفيذ مشروعات لا علاقة للمواطن بها، وبيع أصول الدولة.

المساهمون