مؤشرات الربع الثالث تضع تركيا أمام تحديات اقتصادية واسعة

25 أكتوبر 2020
الصورة
كورونا يفرض سطوته على الاقتصاد (Getty)
+ الخط -

تراجعت الآمال بتحسن المؤشرات الاقتصادية التركية خلال الربع الرابع من العام الجاري، إثر التوترات السياسية وما يقال عن موجة ثانية لوباء "كورونا" بعد استمرار الانكماش والتباطؤ خلال الربع الثالث وإن شهدت الأشهر الثلاثة الماضية أداء أفضل قياساً بالربعين الأول والثاني.
ولم تصب توقعات المحللين بتحسن السياحة والصادرات كما خابت آمال البنك المركزي التركي، الذي أعلن سابقاً أنه لن يزيد سعر الدولار نهاية العام عن 6.99 ليرات تركية ونسبة التضخم عن حدود 9.54 %. في حين اقترب الدولار من 8 ليرات تركية اليوم ووصل التضخم إلى عتبة 12%، مشفوعين بزيادة نسب عجز الموازنة والميزان التجاري، ليكون عام 2020 وفق مراقبين الأسوأ على تركيا منذ سنوات.
وبحسب محللين أتراك، طغت الأحداث السياسية والتوترات العسكرية في القوقاز وشرقي البحر المتوسط، على الإجراءات الحكومية التي اتخذتها تركيا، لحماية سعر الصرف ودعم القطاعات الإنتاجية وزيادة نسبة النمو، ما عزز المخاوف بالأسواق وزاد من الإقبال على العملات الأجنبية والذهب، رغم تراجع المصرف المركزي عن سياسة تخفيض سعر الفائدة، ورفعها أخيراً من 8.25 إلى 10.25، بالتزامن مع إعلان وزير المالية التركي، براءات البيرق، عن خطة مالية جديدة للحكومة التركية، تنطلق من "التوازن الجديد" و"الاقتصاد الجديد" و"التكيف مع الوضع الطبيعي الجديد". 

 

ويرى مراقبون إن كان تنوع الإنتاج هو سر متانة الاقتصاد التركي، فإن السياحة والصادرات هما درعه الواقي لتأمين القطع الأجنبي وتوازن الأسواق، ما يعني برأي هؤلاء أن تراجع عائدات كلا القطاعين زاد من تباطؤ الاقتصاد وبالتالي من التضخم وزيادة أسعار المنتجات الاستهلاكية.
وتزايدت الصادرات التركية بشكل مضطرد منذ أعوام، لتسجل عام 2016 نحو 142 مليار دولار وتزيد عام 2017 عن 160 ملياراً، وتستمر بالتدفق كمية وقيمة خلال العامين الأخيرين، لتسجل عام 2018 نحو 170 ملياراً وتزيد العام الماضي ولأول مرة بتاريخ تركيا عن 180 مليار دولار.

 لكن الصادرات تراجعت هذا العام حتى نهاية الربع الثالث لتسجل بحسب هيئة الإحصاء التركية 109 مليارات و18 مليون دولار، مع تراجع قيمة الواردات بنسبة 1% على أساس سنوي، من 136.5 مليار دولار حتى الربع الثالث من العام الماضي إلى 135 مليار دولار هذا العام، ليزيد العجز التجاري من 23.87 مليار دولار نهاية النصف الأول إلى 32.9 مليار دولار حتى نهاية أيلول/ سبتمبر من العام الجاري.
وأما السياحة التي يعول عليها الأتراك، كرافعة للاقتصاد ومولدة للقطع الأجنبي، ويحملون عليها خطط صناعية وتسويقية، فقد منيت هذا العام، بسبب شلل قطاع الطيران وإغلاقات كورونا، بصفعة، إذ لم يصل عدد السياح الأجانب لتركيا، حتى نهاية آب/ أغسطس إلى 10 ملايين سائح، ويشير بيان وزارة الثقافة والسياحة إلى 9 ملايين و271 ألفا و660 سائحا، منهم مليونان و16 ألفا و553 سائحا لأتراك مقيمين بالخارج.
لتكون نسبة تراجع السياحة عن العام الماضي بنحو 73.94 بالمائة وتخيب الآمال التي كانت تعول على 57 مليون سائح هذا العام، بعد جذب 52 مليون سائح العام الماضي والتخطيط لاستقطاب 75 مليون سائح و65 مليار دولار من إيرادات السياحة بحلول عام 2023.

 

ويعلق الأكاديمي فراس شعبو أن ما تعانيه تركيا حتى الآن، من تراجع بالمؤشرات الاقتصادية، هو دون التوقع وأقل مما أصاب اقتصادات كبرى، فحتى ما يروّج عن الديون وتراجع الصادرات هو أقل مما تعانيه دول صناعية كبرى وأقل من نسبها إذا ما قيس لحجم الناتج الإجمالي، بل تركيا ورغم الإغلاق وتراجع الصادرات، تعتبر أسرع الدول تعافياً في قطاع الصناعة الذي نما بأكثر من 10% وهو أعلى أداء منذ عامين.
ويرى أستاذ المالية بجامعة باشاك شهير بإسطنبول، خلال حديثه لـ"العربي الجديد" أن تراجع الصادرات والسياحة لا يعود لأسباب اقتصادية تركية، بل بسبب الإغلاق الذي أصاب العالم فشلّ النقل والطيران وبدل من أولويات الشعوب والدول هذا العام.
ولفت شعبو إلى آخر تقرير لصندوق النقد الدولي الذي أكد أن لدى تركيا قوة اقتصادية وإنتاجاً قادرين على تعدي أزمة كورونا بأقل الخسائر، نافياً ما يقال عن ضعف الاقتصاد التركي أو القياس وفق مؤشرات محددة كسعر العملة، لأن تركيا برأيه ستكون الأسرع تعافياً وستعاود السعي لحلمها بدخول نادي العشرة الكبار بعد تخطي آثار وباء كورونا.
ولم تنجح السياسات الحكومية في تحسين سعر الليرة، سواء من تدخل مباشر من المصرف المركزي وضخ دولار بالأسواق أو رفع سعر الفائدة المصرفية وتخفيض الضريبة على المعاملات بالعملات الأجنبية وضريبة الاستقطاع على الودائع المصرفية، واستمرت العملة التركية بتراجعها أمام الدولار والعملات الرئيسية، لتخسر أكثر من 23% من قيمتها هذا العام، بعد أن تراجعت من 5,9465 ليرات مقابل الدولار مطلع العام الجاري، إلى 7.9320 اليوم.
وارتفع التضخم بحسب هيئة الإحصاء التركي بنسبة 2.35 في المائة بالنسبة لمؤشر أسعار المنتجين المحليين ويصل معدل التضخم السنوي نحو 12 بالمائة في أسعار المستهلك و11.53 بالمائة في أسعار المنتجين المحليين.
ووصلت زيادات الأسعار بحسب مشاهدات "العربي الجديد" إلى مستويات كبيرة كما شهدت بعض السلع تخفيضاً للأوزان كالزيت والجبن كحل تكتيكي من المنتجين لعدم رفع الأسعار بمعدل مرتفع.

 

كما ارتفعت أسعار السيارات المستعملة بنسبة اقتربت من 100% وأسعار العقارات بمعدل 30% مع استمرار تباطؤ هذا القطاع القاطرة والذي ذكّرت به تركيا خلال اليوم العالمي للإسكان الذي صادف في الخامس من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، مشيرة إلى بيع 7 ملايين منزل خلال خمس سنوات بينها 154 ألفا و871 للأجانب، وتصدرت إسطنبول مبيعات العقارات للأجانب بنسبته 39.8%
ويقول الاقتصادي التركي، أوزجان أويصال لـ"العربي الجديد" بأنه وفق المؤشرات حتى نهاية الربع الثالث تعيش تركيا أسوأ أداء اقتصادي لها منذ عشر سنوات، والسبب لا يعود لعطب بالاقتصاد أو سوء بالتخطيط، بل الأهم هو نتائج وباء كورونا الذي أثر على التصدير وخفض إيرادات معظم القطاعات، الإنتاجية والخدمية، فضلاً عن التوترات السياسية التي تترك مخاوف إضافية على الأسواق والعملة وجذب الاستثمارات.
ويؤكد أويصال أن تراجع إيرادات السياحة والتصدير، إضافة إلى زيادة الدين الخارجي عن 430 مليار دولار وتراجع الاحتياطي الأجنبي بالمصرف المركزي إلى نحو 80 مليار دولار، كلها عوامل زادت من تراجع سعر الصرف وجمود بالأسواق وتباطؤ نمو الاقتصاد التركي، متوقعاً بعض الانفراج وتحسن الأداء خلال الربع الأخير.
ويختم الاقتصادي التركي أن المخاوف ليست بسعر الصرف، لأنه لا يدلل على قوة الاقتصاد، بل الأخطر بمعدل البطالة التي زادت عن 13% بنهاية الربع الثالث، رغم الحرص الحكومي بالدعم الاجتماعي ودعم المؤسسات المنتجة ومنع تسريح العمال.
وفي الوقت الذي بدأ خلاله البرلمان التركي مناقشة الموازنة العامة لعام 2021 تشير التوقعات إلى زيادة العجز للعام الحالي عن 150 مليار ليرة بعد أن وصل العجز، بحسب بيانات وزارة الخزانة والمالية، إلى 139.1 مليار ليرة خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، في حين لا يزيد العجز وفق موازنة عام 2020 عن 138 مليار ليرة تركية ولم يزد عجز الموازنة العامة العام الماضي عن 123.7 مليار ليرة.
وكانت تركيا قد أقرت موازنة عام 2020، بزيادة في الإنفاق الدفاعي والإنفاق على الصحة والتعليم وتوقعات بزيادة الإيرادات، متوقعة أن يصل العجز في الميزانية إلى 12 مليار دولار بحلول نهاية العام الجاري.

 

ويقول المحلل التركي يوسف كاتب أوغلو إن عجز الموازنة جاء بسبب زيادة النفقات الحكومية، خاصة بالشق الاستثماري لتضمن تنفيذ المشروعات المخطط لها بعد تراجع الاستثمارات الخارجية وزيادة الدعم الاجتماعي، سواء للأتراك خلال وباء كورونا أو للشركات الإنتاجية والمالية، ليبلغ الدعم المباشر خلال العام الحالي 484 مليار ليرة.

ويشير إلى أن تركيا لم تشهد إفلاساً بالمصارف أو الشركات كما حدث بمعظم دول العالم خلال العام الجاري. ويضيف كاتب أوغلو لـ"العربي الجديد" أنه قياساً بالظروف الدولية العامة بسبب وباء كورونا والتوترات السياسية واستهداف تركيا من بعض دول الخليج والحصار والتلويح بالعقوبات، أميركياً وأوروبياً، كان أداء الاقتصاد جيداً وتوقعات النمو أن تزيد عن 5% نهاية هذا العام.
ويلفت المحلل التركي إلى أن بلاده نجحت في تخطي معظم العقبات التي ولدتها السياسة أو تراجع روافد القطع الأجنبي "سياحة وصادرات واستثمار" معولاً على أرقام أفضل خلال نهاية العام بعد البرنامج الاقتصادي الذي طرحه وزير المالية براءت البيرق.
ويلفت إلى أن البرنامج الذي يستمر حتى عام 2023، سيجعل تركيا في المقدمة بسباق الاقتصاد العالمي بعد وباء كورونا، وسيساهم بحسب كاتب أوغلو في حملة الانتعاش التي بدأت بعد عودة الحياة إلى طبيعتها، لأنه يولي أهمية خاصة لتوظيف اليد العاملة التي تعد عنصرا أساسيا من عناصر نمو الاقتصاد، إضافة لإصلاحات استراتيجية في الأسواق المالية ودعم فاعلية توزيع الموارد ورفع مستوى الوعي المالي.

ويشرح أن البرنامج الجديد، عبر محاوره الثلاثة "التوازن الجديد" و"الاقتصاد الجديد" و"التكيف مع الوضع الطبيعي الجديد"، يشكل تأكيداً على تصميم حلم تركيا بدخول نادي العشرة الكبار بالتزامن مع احتفالها بمئوية تأسيس الجمهورية في 2023 .

المساهمون