استمع إلى الملخص
- شركة الخليج العربي للنفط (أجوكو) اعتمدت بشكل كبير على هذه الآلية، مما يثير مخاوف بشأن الشفافية والالتزامات غير الواضحة وتأثيرها على السيطرة الحكومية.
- تواجه ليبيا تحديات مالية كبيرة مع عجز في ميزان النقد الأجنبي بلغ 6.7 مليارات دولار، وسط تراجع الإيرادات النفطية وارتفاع الإنفاق العام.
يتصاعد الجدل في الأوساط الاقتصادية والنفطية في ليبيا، بعد كشف تحقيق أجرته صحف محلية عن لجوء شركات تابعة للمؤسسة الوطنية للنفط خلال الأشهر الخمسة الماضية إلى آلية "الدفع بالإنابة"، وهي صيغة مالية غير تقليدية تسمح بالحصول على سيولة فورية من شركات محلية وأجنبية مقابل سداد لاحق عبر تخصيص شحنات من النفط الخام، في خطوة تعكس الضغوط المتزايدة على التمويل العام والإنفاق التشغيلي داخل القطاع. ووفق وثائق رسمية نشرتها صحف محلية ليبية، بلغ حجم المدفوعات التي جرت تسويتها عبر هذه الآلية نحو 200 مليون دولار، في أكبر توسع يسجل منذ سنوات في عمليات السداد العيني بالنفط.
وتظهر المستندات أن شركة الخليج العربي للنفط (أجوكو) كانت الأكثر اعتماداً على هذا الأسلوب، إذ تلقت سلفاً بالعملة الصعبة من شركات أجنبية مثل أو إم في (OMV) النمساوية وريبسول الإسبانية، إضافة إلى شركة محلية هي أركنوا، قبل أن تسدد هذه السلف عبر تخصيص شحنات من الخام. وبحسب البيانات، حصلت OMV، خلال العام الحالي، على 21.6 مليون دولار في مارس/آذار، و28.4 مليون دولار في يونيو/حزيران، و20.4 مليون دولار في أغسطس/آب، فيما حصلت أركنوا، وهي شركة محلية، على ما يقارب 80 مليون دولار بالنفط الخام بين مايو/أيار ويوليو/تموز.
وأكدت ثلاثة مصادر في المؤسسة الوطنية للنفط لـ"العربي الجديد" أن الميزانيات المخصصة لشركات القطاع تأخرت بشكل كبير، وأن المؤسسة لم تتسلم من مخصصات مشروعات التنمية هذا العام سوى 311 مليون دينار فقط (سعر الصرف 5.5 دنانير للدولار). وأوضحت المصادر أن البيانات المتعلقة بشركة الخليج العربي للنفط صحيحة، بينما امتنعت عن التعليق على بقية الشركات الأجنبية والمحلية التي وردت في وسائل إعلام محلية. ويرى المحلل الاقتصادي محمد الشيباني أن توسع الدفع بالإنابة يكرس ما يسميه البعض اقتصاداً موازياً داخل قطاع الدولة الأهم، إذ تتم عمليات تسوية قيمية خارج الدورة المالية الرسمية، بما يصعب مراقبة حجم الإيرادات والمصروفات الفعلية.
ويقول الشيباني لـ"العربي الجديد" إن هذه الآلية تخلق التزامات غير واضحة، وتفتح الباب أمام تقديرات غير دقيقة لقيمة النفط الذي يخرج من البلاد، بما يؤثر على مبدأ الشفافية. ويرى أن استمرار هذا النهج قد يحول السداد العيني إلى نمط ثابت، ما يربك الحسابات العامة ويضعف السيطرة الحكومية على إدارة العائدات. وقال المحلل المالي إدريس الشريف إن التقارير التي ظهرت مؤخراً حول لجوء شركات نفطية لآلية الدفع بالإنابة تمثل امتداداً لأساليب غير تقليدية للتصرف في جزء من إيرادات النفط بعيداً عن رقابة ديوان المحاسبة وسجلات الخزانة والمصرف المركزي. وأضاف الشريف لـ"العربي الجديد" أن آلية الدفع بالإنابة - إذا صحت المعلومات المتداولة بشأنها - تقوم على سداد الشركات المشاركة مصاريف تشغيلية نيابة عن الشركات التابعة للمؤسسة الوطنية للنفط، على أن تخصم لاحقاً من قيمة شحنات الخام، وذلك بقيم غير معلنة أو خاضعة للرقابة المالية المباشرة.
وأشار إلى أن هذه الممارسات تتعارض مع اللائحة المالية للدولة التي تمنع حجز أو استهلاك الإيرادات السيادية قبل توريدها إلى حسابات الخزانة العامة. ولفت الشريف إلى أن محافظ مصرف ليبيا المركزي سبق أن أكد أن ما يورد من الإيرادات النفطية يغطي 50% فقط من احتياجات الميزانية، ما يجعل أي اقتطاع إضافي خارج الإطار الرسمي عامل ضغط خطير على المالية العامة للدولة. ويقول الخبير النفطي حسين الصديق إن آلية الدفع بالإنابة حل عملي في بيئة مالية مضطربة، مضيفاً لـ"العربي الجديد": "التوقف عن الإنتاج لعدم توفر السيولة التشغيلية ستكون كلفته أعلى بكثير من سداد مستقبلي بالنفط. الشركات تحاول حماية الإنتاج بأي ثمن، وهذا مفهوم اقتصادياً". ودخلت ليبيا الربع الأخير من العام الجاري دون إقرار موازنة موحدة للدولة، في ظل استمرار الخلاف بين الحكومتين المتنازعتين على السلطة، وعدم التوصل إلى توافق بشأن إدارة الإنفاق العام.
وظهرت بيانات حديثة لمصرف ليبيا المركزي تظهر تسجيل عجز في ميزان النقد الأجنبي بلغ 6.7 مليارات دولار حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2025، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المالية العامة نتيجة تراجع الإيرادات النفطية وارتفاع فاتورة الإنفاق العام. وتعتمد ليبيا، المعفاة من قرار منظمة أوبك خفض الإنتاج، على مبيعات النفط الخام لتغطية 90% من ميزانيتها، فيما يبلغ إنتاجها الحالي أكثر من 1.3 مليون برميل يومياً، بحسب إحصائية نشرتها المؤسسة سابقاً. وذكر صندوق النقد الدولي في آخر تقرير له عن ليبيا أن ارتفاع الإنفاق العام بالتوازي مع انخفاض أسعار النفط عالمياً ساهم في اتساع عجز المالية العامة والحساب الجاري، فيما لا تزال الانقسامات السياسية تحول دون اعتماد ميزانية موحدة، ما يبقي الإنفاق في مستويات غير مقيدة، ويزيد الضغط على سعر الصرف والاحتياطيات الأجنبية لدى مصرف ليبيا المركزي.