"لوك أويل" الروسية تسعى لبيع أصولها في العراق بسبب العقوبات الأميركية

02 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 13:33 (توقيت القدس)
خزانات شركة لوك أويل في بروكسل، 15 نوفمبر 2025 (تييري موناس Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تسعى شركة "لوك أويل" الروسية لبيع حصتها في حقل غرب القرنة 2 بالعراق بسبب العقوبات الأميركية، حيث تمتلك 75% من الحقل الذي ينتج 470 ألف برميل يومياً. تبحث الشركة عن مشترين غربيين لتجنب المخاطر القانونية والمالية.

- أبدت "إكسون موبيل" اهتماماً بشراء الحصة بعد إذن من وزارة الخزانة الأميركية، وتعتبر خياراً مفضلاً لدى وزارة النفط العراقية لتطوير الحقل بفضل خبرتها وقدرتها المالية.

- تأتي محاولة البيع في سياق ضغوط غربية متزايدة على قطاع الطاقة الروسي، وتسعى بغداد لجذب استثمارات غربية جديدة، مما يعكس تحولاً في الجغرافيا السياسية للطاقة.

تسعى شركة لوك أويل الروسية إلى بيع أصولها في العراق، في خطوة تعكس تداعيات العقوبات الأميركية التي فرضت عليها أخيراً وأدت إلى تعطيل تعاملاتها المالية وتعقيد إدارتها لعملياتها الخارجية. وتشمل هذه الأصول حصة تشغيلية ضخمة تبلغ 75% في حقل غرب القرنة 2، أحد أكبر الحقول النفطية في العالم، الذي ينتج نحو 470 ألف برميل يومياً، أي ما يعادل 9% من إجمالي إنتاج العراق ونصف نقطة مئوية من الإمدادات النفطية العالمية. وتمثل هذه الخطوة تحولاً استراتيجياً في خريطة استثمارات الطاقة الروسية خارج البلاد، إذ باتت الشركة تبحث عن مشترين غربيين لتجنب المخاطر القانونية والمالية التي فرضتها العقوبات.

وفي هذا السياق، كشفت خمسة مصادر عراقية رسمية لوكالة رويترز أن شركة إكسون موبيل الأميركية أبدت اهتماماً بشراء الحصة الكبرى من "لوك أويل" في حقل غرب القرنة 2، بعد حصولها على إذن من وزارة الخزانة الأميركية يسمح بالتفاوض مع الشركة الروسية حتى منتصف ديسمبر/ كانون الأول الحالي، على أن تخضع الصفقات النهائية لموافقات خاصة. وتعد هذه الخطوة بمثابة عودة قوية لـ"إكسون موبيل" إلى العراق بعد انسحابها من مشروع غرب القرنة 1 العام الماضي، لتواصل بذلك مسار توسّعها الأخير في البلاد بعد توقيعها في أكتوبر اتفاقاً غير ملزم لتطوير حقل مجنون النفطي العملاق وزيادة صادرات العراق.

ويُنظر إلى "إكسون موبيل" بوصفها الخيار المفضل لدى وزارة النفط العراقية لتولي إدارة الحقل بدلاً من "لوك أويل"، نظراً لخبرتها الطويلة في تشغيل الحقول المعقدة وقدرتها المالية والتقنية على إدارة مشاريع ضخمة. وقال مسؤول عراقي يشرف على عمل الشركات الأجنبية في الجنوب إن الشركة الأميركية تملك القدرة والخبرة اللازمتين لإدارة حقل كبير ومعقد مثل غرب القرنة 2، مؤكداً أن العراق دعا عدداً من الشركات الأميركية الأخرى للتفاوض حول الاستحواذ. ويمثل ذلك جزءاً من سياسة بغداد لتسريع وتيرة تطوير الحقول النفطية والغازية عبر تقديم شروط أكثر سخاء للشركات الدولية بعد سنوات من العقود المقيدة.

لكن رغم التفاؤل، يواجه مسار الصفقة تحديات معقدة تتعلق بضرورة الحصول على موافقات أميركية خاصة لكل عملية بيع، إلى جانب احتمال بروز اعتبارات سياسية داخل العراق وخارجه بشأن انتقال السيطرة من شركة روسية إلى أخرى أميركية. كما يثير هذا التحول حساسية في ظل تزايد المنافسة بين واشنطن وموسكو على النفوذ في قطاع الطاقة بالشرق الأوسط. ومع ذلك، يرى مراقبون أنّ نجاح الصفقة سيعزز استقرار إنتاج العراق ويؤمن تدفقاته المالية، في حين ستُعدّ رمزاً جديداً لفعالية العقوبات الغربية في إعادة رسم خريطة السيطرة على الموارد النفطية حول العالم.

تأتي محاولة الشركة الروسية بيع حصتها في حقل غرب القرنة 2 في سياق دولي شديد التعقيد، حيث تتزايد الضغوط الغربية على قطاع الطاقة الروسي منذ اندلاع الحرب على أوكرانيا عام 2022، وتوسّعت العقوبات الأميركية لتشمل شركات النفط الكبرى التي تمثل العمود الفقري للعائدات الروسية. فقد فرضت وزارة الخزانة الأميركية في الأشهر الماضية قيوداً على التعاملات المالية لـ"لوك أويل"، ما جعل من شبه المستحيل على الشركة تلقي مدفوعات بالدولار أو تصريف أرباحها من مشاريعها الخارجية، بما في ذلك العراق. ودفعت هذه الظروف الشركة إلى البحث عن مخارج قانونية وتجارية لبيع أصولها أو تجميدها مؤقتاً عبر إعلان "القوة القاهرة" في بعض الحقول.

أما في العراق، فتأتي هذه التطورات في وقت تسعى بغداد إلى إعادة تنشيط قطاعها النفطي عبر جذب استثمارات جديدة من الشركات الغربية الكبرى، بعد سنوات من اعتمادها على شركات آسيوية وروسية بسبب القيود السياسية والمالية. ويُعتبر حقل غرب القرنة 2 أحد أهم مشاريع النفط العراقية الحديثة، إذ بدأت عمليات تطويره في عام 2014 بقيادة "لوك أويل" وبالتعاون مع شركة نورنكو الصينية، وحقق منذ ذلك الحين زيادة كبيرة في الإنتاج تجاوزت 400 ألف برميل يومياً. وتُعد هذه الكمية حيوية لموازنة العراق المالية، إذ يموّل النفط أكثر من 90% من الإيرادات العامة للدولة، ما يجعل أي اضطراب في إدارة الحقول الكبرى مصدر قلق للحكومة.

وفي المقابل، تسعى شركات مثل "إكسون موبيل" و"شيفرون" إلى استغلال الفرصة للعودة إلى السوق العراقية، مدفوعة برغبة الحكومة في تحقيق توازن جديد في علاقاتها النفطية بين الشرق والغرب. فبعد انسحاب "إكسون موبيل" من حقل غرب القرنة 1 في 2023 بسبب خلافات مالية وتنظيمية، تحاول الشركة استعادة موقعها من خلال الدخول في مشاريع أكثر وضوحاً من حيث الشروط القانونية والعائدات. كما تأتي هذه العودة ضمن استراتيجية أميركية أوسع تهدف إلى تقييد النفوذ الروسي في الشرق الأوسط، لا سيما في الدول المنتجة للطاقة التي تُعد ساحة تنافس أساسية بين واشنطن وموسكو.

اقتصادياً، يحمل التحول المحتمل في ملكية حقل غرب القرنة 2 انعكاسات مزدوجة؛ فمن جهة، قد يساهم في استقرار تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى العراق وتحسين إدارة الحقول الكبرى من خلال إدخال التكنولوجيا والخبرة الأميركيتين، ومن جهة أخرى، يُنذر بخسارة روسيا لأحد أهم أصولها الخارجية التي كانت تدر أرباحاً ضخمة وتؤمّن لها حضوراً استراتيجياً في قلب المنطقة النفطية العربية. ومع أن بيع الحصة سيُخفف جزئياً من أعباء "لوك أويل" المالية، فإنه يُكرّس تراجع الدور الروسي في سوق الطاقة العالمية، في وقت تسعى موسكو إلى تعويض ذلك من خلال تعزيز تعاونها مع الصين والهند ودول آسيا الوسطى.

في الخلاصة، تعكس هذه التطورات تحولاً أعمق في الجغرافيا السياسية للطاقة، حيث لم تعد العقوبات الاقتصادية مجرد أداة ضغط، بل أصبحت عاملاً يعيد توزيع السيطرة على الموارد والحقول. وإذا اكتملت صفقة بيع "لوك أويل" لحصتها في غرب القرنة 2، فسيكون ذلك مثالاً واضحاً على كيف يمكن للعقوبات أن تعيد رسم مسارات الاستثمار والهيمنة في أسواق النفط العالمية، وتجعل من العراق ميداناً جديداً لتنافس اقتصادي وجيوسياسي بين القوى الكبرى.

المساهمون