لماذا يدفع المصريون قيمة مضاعفة لكيلو المانغو رغم توافره؟

19 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 08:03 (توقيت القدس)
مهرجان المانغو في مدينة الأقصر، مصر، 25 يوليو 2024 (أحمد سيد/الأناضول)

في بلد تنتج مزارعه نحو 1.4 مليون طن من المانغو كل عام، ويصدر جزءاً من محصولها إلى الخارج، أمسى شراء الكيلوغرام من بعض الأصناف قراراً يحتاج إلى حساب ميزانية الأسرة. إذ ارتفع سعر المانغو (الفص) في أسواق القاهرة من 90 جنيهاً العام الماضي إلى 320 جنيهاً (6.3 دولارات) يوم الاثنين، قبل أن ينخفض أمس الثلاثاء إلى نحو 250 جنيهاً، بينما يباع بنحو 200 جنيه في الأسواق الشعبية.

ويبلغ سعر الكيلو "العويس"، أحد أشهر الأصناف المصرية، نحو 200 جنيه للكيلو في سلاسل كبرى ونحو 180 جنيهاً في المحلات العادية. والمفارقة أن هذا الارتفاع يأتي في موسم لا تعاني فيه مصر نقصاً في المانغو، إذ تقترب المساحة المزروعة من 328 ألف فدان، ويدور الإنتاج السنوي حول 1.4 مليون طن وفقاً لأحدث بيانات وزارة الزراعة، لكن مقارنة الأسعار ما بين سوق الجملة والتجزئة يظهر بعض أسباب صعود السعر.

ففي سوق العبور للجملة الذي يغذي العاصمة والمدن المحيطة بها، التي تضم نحو 25 مليون نسمة، تراوحت الأسعار قبل وصول الثمرة إلى محلات التجزئة، بين نحو 40 جنيهاً للكيلو في بعض الأصناف الاقتصادية، و155 جنيهاً للفص والعويس في الحد الأعلى، لتتجاوز الفجوة بين سوقي الجملة والتجزئة سبعة أمثال عند مقارنة الحدود الدنيا للأسعار.

يلقي نقيب الفلاحين حسين أبو صدام بالمسؤولية عن زيادة الأسعار إلى ارتفاع تكلفة الطاقة والتي تشمل المياه بعد تشغيل طلمبات الري، والتبريد بعد حصاد الثمرة من الشجرة.

إذ وفقاً لجهاز تنظيم الكهرباء وحماية المستهلك المطبقة من إبريل 2026، بلغت تعرِفة الكهرباء للزراعة والري على الجهد المتوسط 2.55 جنيه للكيلووات/ساعة، مقابل 1.94 جنيه في التعرِفة السابقة، بينما بلغت على الجهد المنخفض 2.65 جنيه، وهي القيمة التي يدفعها ملايين المزارعين المصريين حالياً.

بحسب أبو صدام لا تعني هذه الزيادة أن تكلفة إنتاج كيلو المانغو ارتفعت بالنسبة نفسها، فالكهرباء بند واحد بين عشرات بنود التكلفة، التي تشمل إيجار الأراضي والعمالة والنقل والتسميد، لكن تعرفة الكهرباء ترفع تكلفة تشغيل طلمبات الري، خصوصاً في الأراضي التي تعتمد على الآبار والضخ الكهربائي، ثم تأتي الكهرباء مرة ثانية بعد الحصاد، ففاكهة المانغو لا تنتقل من الشجرة مباشرة إلى يد المستهلك، حيث هناك فرز وتعبئة وتبريد وتخزين ونقل وتوزيع، ومحطات التبريد ومراكز التعبئة تستهلك الكهرباء، ما يجعل ارتفاع التعرِفة يضيف تكلفة جديدة إلى رحلة الثمرة قبل وصولها إلى المتجر.

وبحسب أبو صدام، يضاف إلى تعرفة الطاقة زيادات تكلفة الأسمدة والمبيدات والعمالة والصيانة والنقل، لتصبح تكلفة إنتاج وتداول المانغو أعلى بكثير مما كانت عليه قبل سنوات، ويضاف إلى ذلك ندرة الصنف وجودته والطلب عليه الذي أصبح عاملاً حاسماً، فالمانغو المصرية ليست سلعة واحدة، فجودتها تعلو مع العويس والفص وتتراجع نسبياً مع السكري والزبدية والفونس والناعومي وغيرها التي لها أسواق مختلفة، وإنتاجية مختلفة، وقدرة مختلفة على تحمل الحرارة، وتكاليف مختلفة، كما أن بعضها مطلوب محلياً وتصديرياً أكثر من غيره، وبالتالي يمكن أن يكون إجمالي إنتاج مصر مرتفعاً، بينما تعاني السوق في الوقت نفسه نقصاً نسبياً في الصنف الذي يريد المستهلك شراءه.

وتجاوزت الصادرات الزراعية المصرية 5.8 ملايين طن منذ بداية 2026 وحتى منتصف يوليو، وبالنسبة إلى المانغو، فإن التقديرات تشير إلى أن الصادرات لا تتجاوز نحو عُشر الإنتاج، ما يعني أن الغالبية الساحقة من المحصول يفترض أن تبقى داخل السوق المصرية أو تدخل في التصنيع، مع ذلك، لا يشعر المستهلك بوفرة الـ 1.4 مليون طن.

وأكد مزارعون لـ"العربي الجديد" أن القرار في زراعة المانغو لم يعد مناخياً فحسب، وإنما أصبح اقتصادياً أيضاً، مشيرين إلى أنّ المزارع الذي يواجه محصولاً شديد الحساسية للحرارة، وتكاليف متزايدة للري والأسمدة والعمالة، يجد نفسه مضطراً إلى مقارنة عائد المانغو بمحاصيل أخرى يمكن أن تحقق عائداً أعلى، ومن بينها الفراولة ذات الطلب التصديري القوي، ما أدى إلى تحول بعض المساحات من المانغو إلى محاصيل أخرى، بما يعني أن المعروض من المانغو لا يتأثر فقط بما تفعله الحرارة بالشجرة، وإنما أيضاً بما يفعله حساب الربحية بالمزارع.