لبنان وصندوق النقد...اختبار جدية الإصلاح المالي والاقتصادي

19 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 02:36 (توقيت القدس)
أسواق لبنان، بيروت في 29 مارس 2025 (الأناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- شهدت بيروت مفاوضات حاسمة مع صندوق النقد الدولي، ركزت على إعادة هيكلة القطاع المالي وضبط العجز في الميزانية، في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي وتفاقم ظروف المعيشة.
- الاتفاق مع الصندوق لا يقتصر على التمويل، بل يمثل شهادة ثقة في الاقتصاد اللبناني، ويتطلب التزاماً بشروط واضحة لدعم التعافي الاقتصادي، خاصة مع تحديات الودائع المصرفية المجمدة.
- يمثل الاتفاق تحدياً فنياً وسياسياً لتحقيق التوازن المالي وحماية الفئات الهشة، مع الحاجة لتعزيز الحوكمة، ويعد أقصر الطرق لاستعادة الثقة والنمو الاقتصادي.

شهدت بيروت الأسبوع الماضي جولة من المباحثات مع صندوق النقد الدولي جاءت بعد تردد طويل وخلاف على طبيعة الملفات التي سيبحثها وفد المؤسسة الدولية مع المسؤولين اللبنانيين، المباحثات تعتبر مفصلية في مسار الأزمة الاقتصادية المتواصلة منذ عام 2019. وفي حين أكد وزير المالية ياسين جابر وحاكم مصرف لبنان المركزي كريم سعيد أن المفاوضات إيجابية، لم يخرج صندوق النقد عن النمطية في رسالته التي أكدت ان عقد اتفاق مرحلي وانتقالي لضمان تدفق التمويل مرة ثانية إلى لبنان يرتبط بعدد من الشروط التي تتضمنها اتفاقيات الإصلاح التي يوقعها الصندوق مع الدول التي تختار مسار التفاوض والالتزام مع الصندوق مثلها في ذلك مصر والأردن وتونس والمغرب وغيرها، تلك الشروط تتضمن انعدام إمكانيات التمويل من قبل الصندوق واذرعه المختلفة قبل إعادة هيكلة شاملة للقطاع المالي المصرفي وضبط العجز في الميزانية العامة والتوصل إلى تسويات مقبولة مع أصحاب الودائع.

أهمية الاتفاق مع الصندوق لا تكمن فقط في المبالغ التي سيوفرها مباشرة إلى لبنان يصفته دولة عضواً، بل يمثل الاتفاق ما يشبه شهادة حسن سلوك وثقة في المسار الاقتصادي الذي ستتخذه الدولة اللبنانية من خلال ما يعرف بالترتيبات ممتدة الأجل ( 3-4 سنوات)، والسياسات والإجراءات التي ستتبع، ومدى الالتزام بهذا المسار الذي يعرف باتفاقيات الاستعداد الائتماني، وفي العادة هناك شروط مرجعية واضحة وخطوات لا بد من تنفيذها عبر كل مرحلة للاستمرار بالعمل وفقا لتلك الترتيبات التي تلتزم بها الدولة الراغبة بتنفيذ بنود اتفاقيات الاستعداد الائتماني التي سيقرأها بعناية وزير المالية اللبناني الأسبق جهاد أزعور، مدير منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في صندوق النقد الدولي الذي تحبذ مؤسسته التوصل إلى اتفاق مع لبنان لبدء مسيرة التعافي.

وواقع الحال يشير إلى أن هذه المفاوضات تأتي في توقيت حساس وفي سياق اقتصادي دقيق، فالاقتصاد اللبناني لا يزال يعاني من تباطؤ في نمو الناتج المحلي الإجمالي، وتفاقم ظروف المعيشة جراء التضخم المرتبط بتذبذب أسعار الليرة اللبنانية، وتدنّ في مستوى الخدمات العامة لا سيما النقل والكهرباء ومرافق البنية التحتية، فيما تستمر أزمة الودائع المصرفية المجمدة دون حل جذري. وفي الوقت نفسه هناك بوادر تحسن واستعادة ثقة في بعض قطاعات الخدمات التي تأتي في مقدمتها السياحة، وتسعى الحكومة إلى تعزيز ذلك الزخم المفقود منذ خمس سنوات، أي منذ توقف لبنان عن الوفاء بالتزاماته المالية تجاه الدائنين لأول مرة في تاريخه.

محطة وقود في العاصمة اللبنانية بيروت (حسين بيضون/ العربي الجديد)
اقتصاد عربي
التحديثات الحية

ولا يزال موضوع الودائع مفصليا رغم بعض الحلول التجميلية التي تم اتباعها، وبات الموضوع مصدر قلق متزايد لدى أصحاب الودائع، الذين يتطلعون إلى المفاوضات الجارية بين السلطات اللبنانية والصندوق على أنها اختبار لجدية الحكومة اللبنانية ببدء معالجة أحد أعقد الملفات، حيث إن ضحايا الأزمة حتى اليوم هم المودعون لا المستثمرون والمساهمون في قطاع المصارف، وهو أمر يثير الكثير من التساؤلات حول من يستوجب حمايتهم، هل هم المودعون الذين وثقوا بالنظام المصرفي، أم أصحاب المصالح الذين أساءوا استخدام تلك الودائع، وهنا تحديدا يبرز دور الصندوق فيما يخص طبيعة الاتفاق الذي يمكن التوصل إليه، ومضمون مشاريع قوانين الإصلاح المالي التي يجري الحديث عنها بحيث تضمن التوازن في توزيع الخسائر والقدرة على إقرار مشاريع القوانين الجديدة وإمفاذها لاحقا.

وتمثل إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتجاوز التداخل في الأدوار بين السلطات النقدية والمالية والأهم السياسية، أبرز الأولويات خلال المرحلة الحالية، إذ نتيجة تراكم الدين العام الحكومي واتباع سياسات نقدية مكلفة تمثلت بارتفاع غير منطقي في أسعار الفائدة في سبيل الحفاظ على استقرار ثبت زيفه لاحقا، لم تتمكن المؤسسات اللبنانية من الوفاء بالتزامها، وهو ما قاد إلى إعلان الدولة عدم القدرة على السداد نتيجة الانكشاف الكبير في الأرصدة على مختلف المستويات. وهذا الملف في غاية الحساسية لأنه يمس قطاعا عريضا من المواطنين، وهناك توازنات سياسية واجتماعية مرتبطة به، لذا يبدو الاتفاق مع الصندوق فنيا وتقنيا ولكنه سياسي اجتماعي في جوهره، ويعكس توازنات سياسية قائمة أو قيد التشكل. ويكمن التحدي في كيفية تحقيق التوازن المالي وحماية الفئات الأكثر هشاشة، إذ إن أي إصلاح ضريبي أو رفع للدعم في ظل ضعف منظومة الحماية الاجتماعية قد ينجم عنه اضطرابات اجتماعية ومزيد من التحديات لتنفيذ برنامج الصندوق المنتظر.

كذلك هناك حاجة لتعزيز منظومة الحوكمة وإنفاذ القانون لضمان عدم تكرار ما جرى خلال السنوات الأخيرة، وهذا تحد من نوع أخر يتطلب هو الآخر توافقات سياسية وثقة بين الأطراف المختلفة تكاد تكون معدومة حاليا، وهو الأمر الذي يصعّب المفاوضات الجارية. والخطوات اللاحقة تشكل اختبارا لقدرة الدولة اللبنانية على صياغة عقد جديد لإدارة الملف الاقتصادي، الأمر الذي يعكس صرامة الدولة اللبنانية بكامل مكوناتها السياسية في الولوج إلى مرحلة جديدة تستند إلى مقاربة مختلفة، فالثقة اليوم بين "الفرقاء" منسوبها منخفض، والصورة ضبابية، ويتعين أولا إقرار حزمة قوانين لإعادة هيكلة القطاع المالي والمصارف، وإعلان بنود الاتفاق مع صندوق النقد ومراحله بشكل واضح وصريح.

ليس هناك الكثير من الخيارات الاقتصادية أمام لبنان في مسار استعادة الثقة سوى التوصل إلى اتفاق الحد الأدنى مع فريق الصندوق للمضي قدما رغم التحديات، وسوف تبرز العديد من العقبات والمطبات إلا أن هذا المسار يبقى أقصر الطرق لاستعادة الثقة، ورسم سياسات جديدة في لبنان الذي يمر بمرحلة انتقالية حرجة بين استمرار الوضع غير المستدام، أو إيجاد ديناميكية إيجابية تستعيد مستويات النمو المفقودة منذ سنوات.