لا قاع لانهيار الليرة اللبنانية.. و"منصة المركزي" بلا جدوى

لا قاع لانهيار الليرة اللبنانية.. و"منصة المركزي" بلا جدوى

24 مارس 2021
الصورة
شراكات الصرافة تتأهب لدخول المصارف حلبة تداول العملات (جوزيف عيد/فرانس برس)
+ الخط -

تتوجّه الأنظار في لبنان إلى ما يُسجّله سعر الصرف في السوق الموازي بعد قرار البنك المركزي السماح للمصارف، بالتداول في العملات مثل الصرّافين الشرعيين وتسجيل العمليات بالسعر الحقيقي على المنصة الإلكترونية التابعة له.
ويأتي ذلك في الوقت الذي سجّل فيه سعر صرف الدولار في السوق السوداء أمس الثلاثاء، قفزة جديدة إلى أكثر من 14200 ليرة لبنانية في التعاملات المبكرة، بعدما كان انخفض إلى حدود عشرة آلاف ليرة قبل انهيار المفاوضات الحكومية أول من أمس، بين الرئيس ميشال عون ورئيس الوزراء المكلف سعد الحريري. ولم تترجم بعد مفاعيل اللقاء الذي جمع حاكم مصرف لبنان (البنك المركزي) رياض سلامة، ومستشار رئيس الجمهورية للشؤون المالية شربل قرداحي، يوم الجمعة الماضي، والذي أفضى إلى الإعلان عن قرارين لمصرف لبنان المرتبطين بالمنصة الإلكترونية والسماح للمصارف بالتداول بالعملات مثل الصرافين الشرعيين وتسجيل العمليات بالسعر الحقيقي على المنصة، وذلك بهدف لجم الارتفاع المستمرّ لسعر صرف الدولار، علماً أنّ الأجواء التي خرجت عن اللقاء كانت إيجابية بأنّ السعر سينخفض إلى ما دون 9 آلاف ليرة لبنانية.

خطوة مشكوك فيها
يرى خبراء اقتصاد أنّ خطوة مصرف لبنان لن تؤتي ثمارها طالما أنه لا دولار يُضخ في السوق، والطلب ما يزال يتخطى العرض بأشواط، منتقدين إقدام البنك المركزي على جعل الناس يشترون العملة الخضراء الصعبة من البنك فيما ودائعهم بالدولار الأميركي محجوزة ولا يمكن أن يسحبوها.

ويفقد اللبنانيون الثقة بخطوة مصرف لبنان في لجم ارتفاع سعر صرف الدولار، نتيجة التجارب السابقة التي لم تكن مشجعة على الإطلاق وعجزت عن تأدية دورها المنشود، ولا سيما لناحية ضخّ العملة الصعبة لدى الصرافين والتي سرعان ما تحوّلت إلى ملف لدى القضاء اللبناني عند الادعاء على حاكم البنك المركزي رياض سلامة، بالإهمال الوظيفي وإساءة الأمانة في عملية إدارة الدولار المدعوم.

وأصدر المكتب الإعلامي للرئاسة اللبنانية، يوم الجمعة الماضي، بياناً كشف فيه عن اجتماع عقد بين حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ومستشار رئيس الجمهورية للشؤون المالية شربل قرداحي، خرج منه قراران عن البنك المركزي، الأول يقضي بإطلاق المنصة الإلكترونية التابعة له حتى تسجَّل عليها كل العمليات، وتصبح مرجعاً أساسياً للسعر الحقيقي للسوق، كما تضمن قراراً ثانياً بالسماح للمصارف بالتداول في العملات وتسجيل العمليات بالسعر الحقيقي على المنصة، على أن تتابع لجنة الرقابة على المصارف حسن سير العمل.

شح الدولار
أصدر مصرف لبنان المركزي تعميماً أول من أمس، إلى مؤسسات الصرافة كافة المسجلة لديه يعلمها فيه بوجوب قيامها خلال مدة حدها الأقصى 16 إبريل/ نيسان المقبل بالاشتراك في المنصة الإلكترونية لعمليات الصرافة المنشأة من مصرف لبنان والتسجيل على التطبيق الإلكتروني العائد لهذه المنصة والالتزام بالشروط الواردة في القرار الأساسي رقم 13236 في 10 يونيو/ حزيران 2020 وذلك تحت طائلة شطب المؤسسات المخالفة. ويعزو حاكم مصرف لبنان في التعميم هذه الخطوة إلى الظروف الاستثنائية الحالية التي يمر بها لبنان والتي أثرت بشكل كبير على سعر صرف العملات الأجنبية النقدية، ولما يقتضيه تنظيم عمليات الصرافة لحماية استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية. يقول رئيس لجنة الرقابة على المصارف السابق، سمير حمود، لـ"العربي الجديد" إنّ مصرف لبنان لا بد من أن يتحرّك للجم تدهور قيمة الليرة اللبنانية بآلية معينة، لكن الذهاب باتجاه المنصّة في ظلّ أزمة الدولار وسوق القطع لن يحقق المعالجة المطلوبة.

ويرى حمود أنه لا يجوز استخدام ودائع اللبنانيين في أي عملية والتصرف بها للخروج من الأزمة، بل يجب إعطاؤها لأصحابها فهي ليست ملك المصارف أو البنك المركزي، لافتاً إلى أنّ مصرف لبنان سيطلق عملية التداول بالعملات الأجنبية ورقياً أو نقدياً، لكن الحركة ستكون مقيّدة ومحصورة بكمية معينة من السيولة النقدية، وبعض النشاطات الاقتصادية والتجارية والفردية المحددة، ومن غير المفيد تقييد السوق الحرّ وهذا الإجراء لن يؤدي إلى لجم السوق السوداء.

ويشير حمود إلى أن تحديد سعر ثابت للصرف يضرب محاولات البنك المركزي تماماً، وهذا ما حصل عند ضخّ الدولار بسعرٍ محدد لدى الصرافين المرخصين من خلال المنصة التي أطلقها مصرف لبنان وطلب وضع هامش معقول بين البيع والشراء، إذ لا يمكن تحديد السعر في وقتٍ يعتبر فيه العرض قليلاً جداً والطلب كبيراً، مشدداً على أنّ الأهم أن يوازي العرض الطلب على الدولار وهنا العملية الأساس ونقطة الفصل.

خطوات المعالجة الحقيقية
يرى رئيس لجنة الرقابة على المصارف السابق في ذلك نوعاً من التلهّي، رغم ترحيبه بالمنصة، لكن المعالجة الحقيقية للأزمة تكمن في تحريك العرض للدولار لمواجهة ارتفاع الطلب عليه، وضخ العملة الصعبة في السوق، وإضفاء خطاب سياسي مستقرّ ومريح ومالية عامة تساعد على استقرار سعر الصرف. من جهته، يعتبر الخبير الاقتصادي باتريك مارديني أنّ هناك غموضاً وعدم وضوح في خطوة مصرف لبنان وتحديداً لناحية أي سعر سيعتمد في المنصة. ويشرح مارديني، لـ"العربي الجديد"، أنه إذا كان سعر الصرف أقلّ من السعر المعتمد في السوق الموازي فلن تؤدي المنصة أي دور، باعتبار أن الناس سيبقون يلجأون إلى السوق السوداء ليحصلوا على صرف أعلى لأموالهم الدولارية، علماً أنها ستلقى تهافتاً من الذين يملكون أموالاً بالعملة الوطنية ويريدون تحويلها إلى الدولار.

ويضيف: "إذا قرّر مصرف لبنان أن يضخ الدولار بنفسه في المنصة عندها سنكون أمام استنزاف لاحتياطي مصرف لبنان ومسّ بأموال المودعين". أما إذا كان سعر الصرف المحدد في المنصة التابعة للبنك المركزي يعادل أو يُحدَّد تبعاً لأرقام السوق السوداء، يقول مارديني، "فعندها ستكون المنصة إيجابية، إذ بهذه الطريقة نزيد عدد اللاعبين في السوق الموازي أو سوق القطع وندخل إليها المصارف والصرافين الشرعيين، ما من شأنه أن يخفف التقلّبات الحادة في سعر الصرف وإمكانية التلاعب بالسوق، لكن هذا لا يعني أن سعر الصرف سينخفض، بل اتجاهه سيبقى تصاعدياً".

شح السيولة
على صعيد الأزمة وطرق المعالجة، يقول كبير الاقتصاديين في مجموعة بنك بيبلوس، نسيب غبريل، لـ"العربي الجديد"، إن هناك مشكلة شح في السيولة والعملات الأجنبية بالاقتصاد اللبناني سببها أزمة الثقة التي بدأت في أواخر عام 2017 وتوسعت تدريجياً في سبتمبر/ أيلول 2019 حيث كان التراجع الكبير في تدفقات رؤوس الأموال إلى لبنان وتوقفت بشكل شبه كامل بعد قرار الحكومة في مارس/ آذار 2020 بالتعذر عن تسديد سندات "اليوروبوندز" إضافة إلى ظهور السوق الموازي، وقد أصبحنا اليوم أمام نحو 5 أسعار للصرف. ويشدد على أن تشغيل الاقتصاد من جديد وبشكل طبيعي يحتاج إلى توحيد أسعار الصرف ضمن خطة إصلاحية متكاملة وشاملة للنهوض تضعها الحكومة الجديدة، تتضمن إعادة هيكلة القطاع العام، وتصحيح الاختلالات بالمالية العامة، ومعالجة الوضع النقدي والمصرفي والمعيشي وإعادة النمو للاقتصاد اللبناني، وإعادة تأهيل البنى التحتية وغيرها من الخطوات، إلى جانب ضرورة العودة إلى طاولة المحادثات مع صندوق النقد الدولي للوصول إلى اتفاق تمويلي إصلاحي معه. ويضيف غبريل: "التوقيع على اتفاق مع الصندوق من شأنه أن يعطي مصداقية للمشروع الإصلاحي وانضباطاً في تطبيقه، على أن يبدأ الصندوق بعد 3 أشهر من توقيعه بضخ السيولة ليتبع ذلك تدريجياً عند تطبيق الإصلاحات بمهل زمنية ووفق أوليات محددة، واتفاقات مع مصادر أخرى مثل مؤسسات متعددة الأطراف وصناديق تنمية وفي مراحل لاحقة مع القطاع الخاص، وبالتالي، نحن بحاجة لتدفق رؤوس أموال بشكل كافٍ إلى لبنان، ولن يحصل ذلك من دون اتفاق مع صندوق النقد".

المساهمون