كيف بنت اليابان سلسلة إمداد للمعادن النادرة بعيداً عن الصين
استمع إلى الملخص
- التجربة اليابانية تقدم دروساً للولايات المتحدة وغيرها لتقليل الاعتماد على الصين، حيث يتطلب ذلك دعماً حكومياً وتعاوناً دولياً نظراً لقدرة الصين التنافسية في معالجة المعادن.
- في 2023، فرضت الصين قيوداً جديدة، مما دفع الدول لتسريع جهودها لبناء سلاسل إمداد محلية واتفاقات دولية لضمان استقرار الإمدادات.
تفاعل العالم بقلق هذا العام عندما فرضت بكين موجات من قيود التصدير على المعادن الأرضية النادرة، وهي معادن حيوية في تصنيع كل شيء تقريباً، من السيارات إلى الإلكترونيات المتقدمة. أما بالنسبة إلى اليابان، فقد بدا الأمر وكأنه إعادة لمشهد قديم. فالجهد الياباني استغرق 15 عاماً ليصبح نموذجاً للدول التي تُسارع اليوم إلى تقليص اعتمادها على معادن بكين الحيوية.
تحتفظ الصين عملياً باحتكار شبه كامل لإمدادات هذه المعادن، وقد اكتشفت اليابان ذلك بالطريقة الصعبة عام 2010، عندما قطعت بكين عنها الإمدادات فعلياً بسبب نزاع إقليمي بين البلدين. ومنذ ذلك الحين نسجت طوكيو بهدوء سلسلة إمداد أقل اعتماداً بكثير على الصين. فبالنسبة إليها، يُعد ذلك تحوطاً مهماً من المخاطر السياسية، كما يُظهره التوتر المتجدد أخيراً بين البلدين. فكيف بدأت القصة حتى اكتفت طوكيو ذاتياً بعيداً عن بكين.
دروس التجربة اليابانية
ومع سعي الولايات المتحدة ودول أخرى محمومة لتأمين معادن نادرة من خارج الصين وبناء إمدادات محلية، تقدّم التجربة اليابانية دروساً في كيفية القيام بذلك، إذ قال المسؤول في قسم المعادن بوزارة التجارة اليابانية، ناوكي كوباياشي لصحيفة فاينانشال تايمز، إن "إحساس الإلحاح بشأن المعادن النادرة بدأ يتبلور الآن فقط في الولايات المتحدة وأوروبا"، مضيفاً: "أما بالنسبة إلى اليابان، فقد جاء هذا الدرس المؤلم قبل 15 عاماً".
ويعتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أن الولايات المتحدة تحتاج نحو عام واحد لتأمين إمدادات كافية من المعادن النادرة. لكن التجربة اليابانية تظهر كم هو صعب الخروج من قبضة الصين، خصوصاً في ما يتعلق بمرافق معالجة المعادن النادرة في الصين شديدة القدرة على المنافسة من حيث التكلفة. ويقول الخبراء إن مثل هذا المسار يتطلب دعماً حكومياً مستمراً وتعاوناً دولياً واسعاً.
صدمة الإمدادات في اليابان
في سبتمبر/ أيلول 2010، تحوّل اصطدام بين قارب صيد صيني وسفينتين من خفر السواحل الياباني قرب جزر متنازع عليها إلى أزمة دبلوماسية واقتصادية. فقد احتجزت اليابان قبطان السفينة الصينية، وردت بكين بفرض حظر غير معلن استمر شهرين على صادرات المعادن النادرة.
في البداية، لم يُدرك بعض المسؤولين اليابانيين مغزى خطوة الصين، وفي هذا الصدد يروي مسؤول رسم السياسات الاقتصادية في وزارة التجارة اليابانية آنذاك، تاتسويا تيرازاوا، لصحيفة فاينانشال تايمز، ويقول إنه يتذكر جيداً كيف هرول المسؤول الأول عن ملف صناعة السيارات في الوزارة إلى مكتبه، محذراً من أن سلسلة إمداد صناعة السيارات برمتها قد تتوقف بسبب الانقطاع المفاجئ للإمدادات.
وأضاف تيرازاوا: "اضطررت إلى الاعتراف بأنني لم أكن أملك أي معرفة بالمعادن النادرة". وأوضح أن زميله شرح له أن هذه المواد مكوّن أساسي في المغناطيس المستخدم في المحركات عبر قطاع السيارات الياباني، وأن اليابان، مثل معظم الدول الصناعية، كانت قد تنازلت عملياً عن التحكم في هذه الإمدادات الحيوية للصين بالكامل تقريباً.
وقال تيرازاوا، مواصلاً سرد التجربة: "في تلك الفترة، وُجهت إليّ انتقادات بأنني أطالب بمبالغ أكبر من اللازم"، لكنه يضيف: "كنت مصمماً على ألا تكرر اليابان هذه الحادثة أبداً".
كان تيرازاوا مسؤولاً عن إعداد الحزمة التالية من السياسات الاقتصادية للوزارة، فجمع رزمة من الإجراءات بقيمة تزيد قليلاً على مليار دولار في ذلك الوقت، تستهدف تقليص هشاشة سلسلة الإمداد اليابانية في ما يخص المعادن النادرة. وشملت الحزمة دعماً كبيراً لمجموعات يابانية بغرض تنويع مصادر المعادن النادرة.
العثور على "ليناس"
جاء التوقيت مواتياً إلى حد ما، فمجموعة "سوجيتس" اليابانية (Sojitz) وهيئة "جوجميك" الحكومية (Jogmec) المسؤولة عن أمن الموارد المعدنية، كانتا تبحثان عن بدائل غير صينية للمعادن النادرة. وفي المقابل، كانت شركة "ليناس" الأسترالية للتعدين (Lynas) تواجه صعوبات مالية. وبينما كانت "ليناس" تحاول إنشاء أول سلسلة إمداد متكاملة للمعادن النادرة في العالم من دون الاعتماد على الصين، من خلال استخراج الخام في أستراليا ومعالجته في ماليزيا، كانت تُكابد لتجميع رأس المال اللازم لزيادة الإنتاج في موقع التكرير الخاص بها في ماليزيا.
وكان على "سوجيتس" أن تعثر على مصادر للمعادن النادرة من خارج الصين. وفي هذا الصدد أوضح الرئيس التنفيذي لمجموعة "سوجيتس"، كوسوكي أومورا، أنه "من دون إمدادات مستقرة، كان على مصانع كثيرة في أماكن متعددة أن تتوقف عن العمل". وأضاف: "في ذلك الوقت، كانت ليناس هي الخيار الوحيد".
وفي عام 2011، أبرمت "جوجميك" و"سوجيتس" صفقة قدّمتا بموجبها قروضاً واستثمارات رأسمالية بقيمة 250 مليون دولار لصالح "ليناس". وقد ضمنت هذه الصفقة لليابان إمدادات طويلة الأمد من المعادن النادرة من مصدر خارج الصين.
اليوم، في ولاية أستراليا الغربية، يُنقل العمال جواً من مدينة بيرث على شكل نوبات منتظمة إلى بركان "ماونت وِلد" الخامد لاستخراج خام المعادن النادرة من منجم مفتوح تملكه "ليناس"، ثم تُشحن المركزات نصف المنقاة لمسافة 5 آلاف ميل إلى منشأة الشركة في كوانتان بماليزيا، التي كانت حتى هذا العام منشأة الفصل واسعة النطاق الوحيدة للمعادن النادرة العاملة خارج الصين. وهناك، تُنقى المواد عبر عملية كيميائية إلى أكاسيد معادن نادرة منفصلة ومحضّرة بما يكفي لاستخدامها في التصنيع، ثم تنقل هذه المعادن من ماليزيا لمسافة ثلاثة آلاف ميل إضافية إلى اليابان، حيث تتولى "سوجيتس" إدارة توزيعها على مُصنعي المغناطيس المحليين. وفي اليابان، تستخدم هذه المغناطيسات في عدد كبير من المنتجات، بينها السيارات التي تنتجها شركات مثل تويوتا.
تحديات اليابان الأولى
عزّزت اليابان بشكل كبير متانة سلسلة إمدادها. فبينما قدّرت الصناعة في 2010 أن الواردات اليابانية من المعادن النادرة القادمة من الصين تمثّل 90% أو أكثر من إجمالي وارداتها، يُقدّر هذا الرقم اليوم بما بين 60% و70%.
وتلقت "سوجيتس" أولى الشحنات الكبيرة من المعادن النادرة من منشأة ماليزيا في 2012، وظلّت توسّع تدريجياً أنواع المعادن التي تستوردها. وفي أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أضافت إلى محفظتها نوعاً من مكونات المغناطيس المقاومة للحرارة العالية.
وبحسب أومورا، الرئيس التنفيذي لـ"سوجيتس"، تمثّل عنق الزجاجة الأصعب في عملية التكرير بماليزيا. فالفصل الكيميائي للمعادن النادرة ينتج أحجاماً كبيرة من النفايات الحمضية وآلاف الأطنان من المخلفات المشعّة منخفضة المستوى، وإدارة هذه النفايات والتخلّص منها بصورة سليمة عملية مكلفة وتتطلب وقتاً طويلاً.
وبين عامي 2011 و2012، واجهت منشأة "ليناس" في ماليزيا أشهراً من التأخير بسبب معارضة محلية شرسة وطعون قانونية، ولم تبدأ المنشأة العمل إلا بعد أن عدّلت خطتها لإدارة المخلفات مرات عدة. في المقابل، غالباً ما تكون المصانع الصينية المتخصصة في المعالجة قليلة الرقابة، وبعضها يعمل بطريقة غير قانونية، ما يخلّف مواقع ملوّثة بالمواد السامة.
وفي هذا الصدد أوضح أومورا أن هذا الواقع يعني أن "سوجيتس" و"ليناس" تتحملان تكاليف أعلى من منافسيهما الصينيين، وتحتاجان إلى دعم عام. وأضاف: "لو كنا ننافس الصين في ظروف سوق عادية، لكنا نلعب على ملعب مختلف تماماً"، معتبراً أن "هذه الفجوة غير قابلة للجسر إطلاقاً".
قيود التصدير
وفرضت الصين هذا العام قيوداً واسعة على صادرات المعادن النادرة، أولاً في إبريل/ نيسان، ثم في أكتوبر/ تشرين الأول، شملت المواد نفسها وتقنيات معالجتها. واستهدفت إجراءات بكين جميع الصادرات، وليس تلك المتجهة إلى اليابان فقط.
وعلى الرغم من أن القيود الأوسع التي طُبّقت في أكتوبر عُلِّقَت مؤقتاً بموجب هدنة مع الولايات المتحدة في نوفمبر/ تشرين الثاني، فإن الدول تسارع اليوم إلى تقليل اعتمادها على الصين.
وبدأت إدارة ترامب في ضخ أموال اتحادية لبناء سلسلة إمداد محلية داخل الولايات المتحدة، وتشمل الجهود دعم عملية التعدين الأميركية الوحيدة للمعادن النادرة في منجم "ماونتن باس" في كاليفورنيا، إلى جانب منشآت المعالجة وتصنيع المغناطيس في ولايتي كارولاينا الشمالية وتكساس.
كذلك وقعت الولايات المتحدة اتفاقات دولية تهدف إلى تنويع سلاسل الإمداد بعيداً عن الصين. فقد أُبرمت اتفاقات مع أستراليا والاتحاد الأوروبي واليابان، والأخير وُقّع خلال زيارة ترامب لطوكيو في أكتوبر/تشرين الأول.
وقال الكاتب المقيم في طوكيو لدى شركة "يارديني ريسيرتش" للاستشارات ويليام بيسيك إن جهود اليابان منذ 2010 تُظهر كيف يمكن أن ترتد تهديدات الصين التصديرية عليها في النهاية، إذ تدفع الدول إلى تقليص اعتمادها على المعادن النادرة الصينية، وأشار إلى اليابان مثالاً على ذلك، لافتاً إلى أن الصين رفعت قيودها التصديرية على اليابان بعد بضعة أشهر في 2010، لكن طوكيو واصلت تنويع خطوط إمدادها، وخلص للجزم بأن مثل هذه التهديدات التصديرية تعد بمثابة "جرس إنذار يصعب إسكاته، لأنها تتحول إلى مشكلة ثقة".
لحظة الحقيقة
يرى مسؤولون في اليابان أن الوضع الراهن يشكل فرصة للتكاتف مع دول أخرى لحل مشكلة الكلفة، وهي المشكلة التي عانت اليابان من معالجتها بمفردها على مدى 15 عاماً الماضية.
وقتال كوباياشي إنه إذا اتفقت الدول على شراء مزيد من المعادن النادرة من خارج الصين، فسيكون بإمكانها خلق حجم إنتاج كافٍ لتخفيض الكلفة تدريجياً. ويمكن لمزيد من التنسيق أن يترجم إلى روابط أعمق بين اليابان، التي تمتلك خبرة في بناء سلاسل إمداد من المنجم إلى المغناطيس، والدول المستعدة لاستضافة منشآت المعالجة وتمويلها.
لكن تيرازاوا، الذي يرأس الآن مركزاً بحثياً للطاقة في طوكيو، يعتقد أن أي دفعة نحو تعاون دولي ستكون اختباراً لمدى الالتزام الحقيقي، وقال: "السؤال الذي نحتاج إلى طرحه هو: لماذا لم يحدث ذلك خلال الأعوام 15 الماضية؟"، وأوضح أنه خلال وجوده في الحكومة، حاول التشديد على معادن الأرض النادرة بوصفها مجالاً حرجاً للتعاون الثنائي، بما في ذلك خلال إدارة ترامب الأولى، وأضاف: "ما زلنا عرضة للهشاشة، خصوصاً الولايات المتحدة، فهي لا تزال هشة للغاية".
وختم تيرزاوا حديثه بالتأكيد أن الولايات المتحدة، رغم قوتها، إلا أنها لا تملك القدرة الكافية على التعامل مع الصين بفعالية بمفردها، ويرى أن الاتفاقات الأخيرة للتنسيق تُشكّل الأساس، لكن "الآن تأتي لحظة الحقيقة: هل الولايات المتحدة ملتزمة حقاً بالعمل مع حلفائها؟".