كسر فخ الديون... مصر تحشد أفريقياً لإصلاح النظام المالي وتقليل كلفة الاقتراض
- مشروعات للتحرر المالي وتقليل الاعتماد على الديون: تهدف مصر إلى بناء منظومة تمويل أفريقية مستقلة، عبر تعزيز المؤسسات المالية القارية، وتوسيع استخدام العملات المحلية، وتطوير منظومة المدفوعات الأفريقية.
- إصلاح النظام المالي الدولي وتعزيز التنمية المستدامة: تدعو مصر إلى تخفيف أعباء الديون وزيادة التمويل الميسر، وتعزيز دور المؤسسات المالية الأفريقية، والمشاركة في صياغة رؤية لإصلاح النظام الاقتصادي الدولي.
بدأت القاهرة تحركاً اقتصادياً ودبلوماسياً واسعاً لحشد موقف أفريقي مشترك يستهدف إصلاح النظام المالي للقارة، وتخفيف أعباء الديون، وتقليل كلفة الاقتراض، بالتوازي مع تعزيز التجارة البينية وتوسيع استخدام العملات المحلية في تسوية المعاملات التجارية. ويمتد التحرك المصري على ثلاثة مسارات متوازية، تبدأ بالاجتماعات الوزارية الأفريقية في أبيدجان خلال الأسبوع الأخير من يوليو/تموز الجاري، مروراً بمنتدى التجارة والاستثمار الأفريقي - الكاريبي "أكتيف 2026"، الذي أجل بعد أن كان مقرراً عقده في سانت كيتس ونيفيس بين 29 و31 يوليو/ تموز الجاري، قبل أن يتوج بقمة أفريقية تستضيفها مدينة العلمين في 4 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، في وقت تتفاقم فيه أزمة الديون والضغوط التمويلية على اقتصادات القارة السمراء.
وقالت مصادر رسمية لـ"العربي الجديد" إن مصر تشارك في هذه الاجتماعات بوفد يضم ممثلين عن البنك المركزي ووزارات المالية والاستثمار والتجارة الخارجية، إلى جانب عدد من المؤسسات الاقتصادية والمالية، في إطار تحرك يستهدف بلورة رؤية أفريقية مشتركة لإصلاح النظام المالي، ومواجهة أزمة الديون، وتوسيع أدوات التمويل، وتعزيز التكامل المالي والتجاري بين دول القارة. وأوضحت المصادر أن التحركات المصرية تتجاوز البحث عن قروض أو تسهيلات مالية جديدة، وتركز على بناء منظومة تمويل أفريقية أكثر استقلالاً، وتوسيع الاعتماد على المؤسسات المالية القارية، وتعزيز قدرة الدول الأفريقية على تعبئة مواردها المحلية وتمويل تجارتها وتنميتها بعيداً عن الاقتراض الخارجي مرتفع التكلفة.
تحركات لكسر فخ الديون
وتأتي هذه التحركات بعد سلسلة من الاجتماعات الفنية التي استضافتها القاهرة مع مسؤولي البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد (Afreximbank)، على مدار الأسبوعين الماضيين، وتركزت حول عدد من الملفات الاستراتيجية، أبرزها مشروع البنك الأفريقي للذهب، الذي يستهدف تعظيم القيمة المضافة للذهب المنتج داخل القارة، ودعم احتياطيات البنوك المركزية الأفريقية، وتقليل الاعتماد على مراكز التداول والتكرير خارج أفريقيا. ووفقاً لمصدر مسؤول في إدارة البنك الأفريقي بالقاهرة، أكد لـ"العربي الجديد" أن الاجتماعات ناقشت تطوير منظومة المدفوعات والتسويات الأفريقية (PAPSS)، التي تهدف إلى تسهيل التجارة بين الدول الأفريقية باستخدام العملات المحلية، وخفض تكلفة التحويلات العابرة للحدود، وتقليل الاعتماد على الدولار والعملات الأجنبية في تسوية المعاملات التجارية، إلى جانب بحث أدوات تمويل التجارة، والتصنيع، والبنية التحتية، وسلاسل القيمة الإقليمية.
وبين المصدر أن هذه التحركات لا تنفصل عن المبادرات التي طرحتها مصر خلال اجتماعاتها الأخيرة مع الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، والتي دعت إلى تخفيف أعباء الديون عن الدول الأفريقية، وزيادة التمويل الميسر، وتعزيز دور المؤسسات المالية الأفريقية، وربط إعادة هيكلة الديون بخطط التنمية المستدامة وخلق فرص العمل. ووفقاً للمصدر المطلع على الاجتماعات، تكتسب هذه الجهود أهمية متزايدة في وقت تواجه فيه القارة واحدة من أعقد أزماتها الاقتصادية منذ عقود. وأضاف أنه منذ جائحة كوفيد-19 تعرضت الاقتصادات الأفريقية لضربات متلاحقة، شملت اضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وتشديد السياسات النقدية العالمية، وارتفاع تكلفة الاقتراض، وتراجع تدفقات المساعدات والاستثمارات، فضلًا عن التداعيات المتزايدة للتغيرات المناخية والصراعات الإقليمية، وهو ما صعّب على الدول الأفريقية بناء نموذج تنموي يقلل الاعتماد على الديون، ويمكنها من الحد من الزيادة المتسارعة في مديونية القارة.
ووفقاً لتقرير حديث للبنك الأفريقي للتنمية، ارتفع إجمالي الدين العام في أفريقيا بنحو 170% خلال الفترة بين عامي 2010 و2024، ليصل إلى أكثر من 1.8 تريليون دولار، مع تحول متزايد نحو الاقتراض التجاري الأعلى تكلفة، في حين يتوقع البنك استمرار الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار الفائدة العالمية وتراجع تدفقات المساعدات الخارجية. وتشير تقديرات حديثة للبنك إلى أن أفريقيا تواجه فجوة سنوية في تمويل التجارة تراوح بين 74 و92 مليار دولار، بينما تمثل التجارة البينية الأفريقية نحو 34% من التجارة التي تمولها البنوك داخل القارة خلال الفترة 2020-2024، بما يعكس تحسناً ملحوظاً، لكنه لا يزال أقل من الإمكانات الاقتصادية الحقيقية للسوق الأفريقية الموحدة.
مشروعات للتحرر المالي
في المقابل، يدفع البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد (Afreximbank) نحو مواصلة توسيع حضوره المالي، إذ ارتفع إجمالي أصوله والتزاماته إلى 48.5 مليار دولار بنهاية عام 2025، بينما بلغت محفظة القروض 33.5 مليار دولار، كما أنشأ صندوقاً بقيمة 10 مليارات دولار لدعم تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية، ومساعدة الدول على التكيف مع متطلبات التكامل الاقتصادي. وقالت رئيسة مجلس أعمال مجموعة دول "الكوميسا" أماني عصفور، لـ"العربي الجديد"، إن مصر تتحرك بسرعة عبر مختلف المسارات لمواجهة التحديات المالية، التي لا تتطلب قروضاً جديدة فحسب، بل تستلزم أيضاً بناء مؤسسات مالية أفريقية أكثر قوة وقدرة على التعامل مع الأزمات المالية، ومعالجة التحديات التنموية على مختلف المستويات.
وتشير مصادر رفيعة في مجلس أعمال "الكوميسا" إلى سعي مصر لتوسيع استخدام العملات المحلية في التجارة، والاستفادة من مبادرات مثل البنك الأفريقي للذهب ومنظومة المدفوعات والتسويات الأفريقية (PAPSS)، بما يقلل الاعتماد على العملات الأجنبية، ويعزز قدرة القارة على تمويل تنميتها اعتماداً على مواردها الذاتية، بدلاً من استمرار الدوران في حلقة الديون مرتفعة التكلفة. ووفقاً لتصريحات مسؤولين في البنك المركزي المصري، تسعى مصر إلى دفع عدد من المبادرات التي ترى أنها يمكن أن تشكل نقطة تحول في الاقتصاد الأفريقي، وفي مقدمتها مشروع البنك الأفريقي للذهب، الذي يستهدف تعظيم الاستفادة من الثروات المعدنية داخل القارة، ودعم احتياطيات البنوك المركزية، وتقليل تصدير الذهب الخام إلى الخارج قبل تكريره وتصنيعه.
وأشار المسؤولون إلى أن تطوير منظومة المدفوعات والتسويات الأفريقية (PAPSS) يعد أحد أهم الملفات المطروحة خلال الاجتماعات المقبلة، التي ستُعقد داخل مصر وخارجها حتى نهاية العام، إذ تتيح المنظومة إجراء المبادلات التجارية بين الدول الأفريقية بالعملات المحلية، بما يخفض تكلفة التحويلات، ويحد من الاعتماد على العملات الأجنبية، ويعزز التجارة البينية، التي لا تزال تمثل نسبة محدودة من إجمالي تجارة القارة مقارنة بالتكتلات الاقتصادية الأخرى. ويرى المسؤولون أن نجاح هذين المشروعين قد يوفر للقارة أدوات مالية أكثر استقلالاً، ويمنحها قدرة أكبر على مواجهة التقلبات التي تشهدها الأسواق العالمية.
ثلاثة مسارات لحماية أفريقيا
وتتزامن التحركات المصرية مع نقاش اقتصادي واسع يسبق انعقاد المؤتمر الاقتصادي الأفريقي، المقرر قبيل نهاية عام 2026، والذي ينظمه البنك الأفريقي للتنمية بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في وقت يجمع فيه خبراء الاقتصاد والقانون والتنمية على أن أفريقيا وصلت إلى نقطة فاصلة، إذ لم تعد أزمة القارة تتمثل في نقص التمويل فقط، وإنما في خلل هيكلي في النظام المالي والتجاري العالمي، واعتماد كثير من اقتصاداتها على الاقتراض الخارجي لتمويل التنمية. وتتوافق المبادرات التي طرحتها القاهرة بشأن تخفيف أعباء الديون، وزيادة التمويل الميسر، وتعزيز دور المؤسسات المالية الأفريقية، مع عدد من الدراسات التي نُشرت خلال الأسابيع الماضية، وقدمت خريطة طريق للخروج من الأزمة.
ويرى الباحث في جامعتي أوسلو وكيب تاون، هافتي غبريسيلاسي غبريهيت، بالاشتراك مع البروفيسور دان بانيك، مدير مبادرة أهداف التنمية المستدامة في جامعة أوسلو، في دراسة نشرها موقع "ذا كونفرزيشن" بجنوب أفريقيا، أن القارة دخلت مرحلة لم يعد فيها الاعتماد على المساعدات الخارجية خياراً مضموناً، بعد الانخفاض الحاد في المساعدات الإنمائية الرسمية، في وقت تتزايد فيه أعباء خدمة الدين. ويقترح الباحثان أن يكون البديل هو إصلاح الإدارة المالية، وتوسيع القاعدة الضريبية، ومكافحة الفساد، وتعبئة المدخرات المحلية، وتسريع تنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، حتى تصبح التنمية معتمدة بدرجة أكبر على الموارد الأفريقية.
وفي دراسة أخرى، يرى البروفيسور جوناثان مونيمو، أستاذ الاقتصاد في جامعة ساليسبري بالولايات المتحدة، أن التجارة العالمية لم تعد مجرد وسيلة للنمو، بل تحولت إلى أداة تستخدمها القوى الكبرى في المنافسة الجيوسياسية، وهو ما جعل الاقتصادات الأفريقية الأكثر اعتماداً على الخارج أكثر عرضة للصدمات. ويقترح مونيمو ثلاثة مسارات لحماية القارة، تشمل تنويع الشركاء التجاريين، وتطوير التصنيع المحلي، وتسريع التكامل الاقتصادي الأفريقي، حتى تصبح الأسواق الأفريقية هي المحرك الرئيسي للنمو، بدلاً من الاعتماد على تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات المصنعة.
إصلاح النظام الدولي
أما أستاذ قانون الأعمال بجامعة دالهوزي الكندية، أولابيسي دي. أكينكوجبي، والباحثة في كلية ستراثمور للقانون في كينيا، جانيت ماشاريا، فيعتبران في الدراسة التي نشرها موقع ذا كونفرزيشن أن القارة لن تحقق تحولاً اقتصادياً حقيقياً ما لم تحصل على قواعد تجارة دولية أكثر عدالة. ويدعو الباحثان إلى إصلاح قواعد منظمة التجارة العالمية بما يمنح الدول الأفريقية مساحة أوسع لحماية صناعاتها الناشئة، وتعظيم القيمة المضافة لمواردها الطبيعية، وتوحيد الموقف التفاوضي الأفريقي في المحافل الدولية، حتى تتحدث القارة بصوت اقتصادي واحد. ويرى البروفيسور دانيال دي برادلو، أستاذ القانون الدولي بجامعة بريتوريا، أن أزمة الديون كشفت قصوراً في النظام القانوني والمالي الدولي، وأن الدول النامية تحتاج إلى آلية أكثر عدالة وشفافية لإعادة هيكلة ديونها، بما يحافظ على حقها في مواصلة التنمية، ولا يجعل شعوبها تتحمل وحدها كلفة الأزمات المالية.
ويتناول أستاذ القانون بجامعة أستون البريطانية، دانيال كاش، والباحثة في قضايا الديون السيادية، نيكول غولدين، ، في دراسة نشرها موقع ذا كونفرزيشن، جانباً آخر من الأزمة يتمثل في تأثير وكالات التصنيف الائتماني على قرارات الحكومات. ويرى الباحثان أن تعديل وكالة فيتش للتصنيف الائتماني بعض معايير تقييم الدول التي تلجأ إلى وقف مؤقت لسداد الديون أو إعادة هيكلتها يمثل خطوة إيجابية، لكنه لا يحل المشكلة بالكامل، إذ لا تزال كثير من الحكومات تتردد في طلب إعادة الهيكلة خشية خفض تصنيفها الائتماني وارتفاع تكلفة الاقتراض مستقبلاً. ويؤكدان أن إصلاح منظومة الديون يتطلب قواعد أكثر توازناً، تمنح الدول المدينة فرصة لاستعادة استقرارها المالي من دون أن تتعرض لعقوبات تلقائية من الأسواق المالية.
ولا تقف تداعيات الأزمة عند المؤشرات الاقتصادية، إذ يحذر برونو فيريرا، أستاذ الاقتصاد بجامعة كيب تاون، وباتريسيا جوستينو، أستاذة اقتصاد التنمية بجامعة ساسكس، من أن استمرار تراجع التمويل التنموي واتساع الفقر والبطالة قد يؤدي إلى زيادة النزاعات والهجرة القسرية وعدم الاستقرار، خاصة في الدول الهشة. ويؤكد الباحثان أن الإنفاق على التعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية، وخلق فرص العمل، لا يمثل عبئاً على الموازنات العامة، بل يعد استثماراً مباشراً في الأمن والاستقرار والسلم الاجتماعي.
وفي سياق متصل، تشير التحركات المصرية الأخيرة إلى أن القاهرة لا تسعى فقط إلى حشد دعم مالي جديد للقارة، وإنما أيضاً إلى المشاركة في صياغة رؤية أفريقية لإصلاح النظام الاقتصادي الدولي، عبر تخفيف أعباء الديون، وتعزيز دور المؤسسات المالية الأفريقية، وتوسيع أدوات التمويل، ودعم التجارة البينية، وتسريع التكامل المالي، والاستفادة من الثروات الطبيعية لتعزيز التنمية. وتكسب الاجتماعات المرتقبة في أبيدجان، ومنتدى التجارة والاستثمار الأفريقي - الكاريبي، والتحضيرات الجارية لاستضافة قمة أفريقية في مدينة العلمين، أهمية خاصة، باعتبارها محطات متكاملة ضمن تحرك سياسي واقتصادي يهدف إلى بلورة موقف أفريقي أكثر تماسكاً تجاه قضايا الديون والتمويل والتنمية.