قيظ أوروبا يحرق النمو: أزمات زراعية وطاقوية وخسائر تفوق 200 مليار دولار
- تسببت الظروف المناخية القاسية في تراجع الإنتاج الزراعي وانخفاض إنتاجية العمالة، مما أثر سلباً على الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي، مع توقعات بخسائر اقتصادية كبيرة في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا.
- تأثرت حركة الملاحة في الأنهار الأوروبية مثل الراين والدانوب، مما يهدد بتوقف حركة الشحن وارتفاع تكاليفه، مع تحديات في إنتاج الطاقة ونقل البضائع وزيادة تقلبات التضخم.
جزء كبير من نهر الراين الألماني لم يعد صالحاً للملاحة أمس الاثنين، بعد انخفاض منسوب المياه في هذا الممر التجاري الحيوي الأوروبي إلى مستويات غير معهودة، ما أوقف حركة الشحن في جزء أساسي من النهر. عشرات آلاف الوفيات في عدد من الدول الأوروبية بسبب موجات الحر، دفعت موازنات الصحة إلى الارتفاع.
انقطاعات للكهرباء وتراجع منسوب المياه، أجبرت الحكومات على ترشيد التغذية والطلب من المواطنين التنبه لمستويات الاستهلاك. تراجع تاريخي في المواسم الزراعية في عدد من دول الإنتاج بسبب الجفاف. إذ تسبب موجة حر وجفاف تاريخية في أوروبا فوضى في إنتاج الطاقة والشحن وأنظمة الصحة العامة، في حين أن موسم حرائق الغابات من المتوقع أن يكون الأكبر في أوروبا على الإطلاق، ومن المرجح انخفاض الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي بنحو 208 مليارات دولار في 2026، نتيجة موجات الحر، وبالنظر إلى أنه من المتوقع أن ينمو اقتصاد منطقة اليورو بنسبة 1% فقط هذا العام، فإن الضربة ستكون كبيرة.
وشهدت أوروبا الغربية أدفأ فترة يونيو/حزيران ويوليو/تموز على الإطلاق، حسب ما ذكرت خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ التابعة للاتحاد الأوروبي أمس الاثنين. وتشير بيانات من وكالات حكومية ومؤسسات بحثية في إسبانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وسويسرا وهولندا إلى أن حصيلة الوفيات المرتبطة بالحرارة والحرائق في المنطقة تجاوزت 25000 حالة، بحسب بيانات جمعتها وكالة "بلومبيرغ"، ما يرفع تكاليف الاستشفاء والاستجابة للطوارئ، مثل مكافحة الحرائق أو الحد من استخدام الطاقة، تزيد من الضغط على الميزانيات. وأكد بنك تريودوس الهولندي إن موجة الحر الشديد والجفاف التي تضرب أنحاء واسعة من أوروبا هذا الصيف يمكن أن تبدد جزءاً كبيراً من النمو الاقتصادي المتوقع في المنطقة.
ويقدر البنك، أن الأثر الناجم عن ارتفاع درجات الحرارة يمكن أن يقلص الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي بنحو 1%، بما يعادل خسائر اقتصادية تبلغ نحو 180 مليار يورو، ويعزى ذلك أساساً إلى تراجع إنتاجية العمالة. ويمكن أن تؤدي خسائر إنتاجية العمالة وحدها إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي للتكتل بنحو 0.6%، وتشير التوقعات إلى تراجع الناتج الزراعي بما تتراوح من 3% إلى 7%. قال البنك إن "ارتفاع أسعار المواد الغذائية، ومحدودية توليد الطاقة وارتفاع أسعار الكهرباء وتعطل أو تباطؤ حركة المرور على الطرق والسكك الحديدية والممرات المائية الداخلية، كلها عوامل تزيد من حجم الأضرار".
من المتوقع أن تكون فرنسا الأكثر تضررا، حيث ستؤدي موجات الحر المتكررة إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي بنحو 1.4%، ويمكن أن يدفعها إلى انكماش سنوي بنسبة 0.6%. وتواجه إيطاليا وإسبانيا وبلجيكا خسائر واضحة في حين أن من المتوقع أن تكون دول مثل بولندا أقل تأثراً لأنها شهدت عددا أقل من الأيام شديدة الحرارة. بينما تشير تقديرات بنك ING إلى أن توقف حركة المرور على نهر الراين وحده سيؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا، ثالث أكبر اقتصاد في العالم، بنسبة 0.3% هذا العام، بينما يتوقع بنك MBH المجري انخفاضًا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.1% لكل أسبوع يتوقف فيه أكبر مولد نووي في البلاد عن العمل.
تقدر شركة التأمين الألمانية أليانز أن موجة الحر التي استمرت أسبوعين في يونيو وحدها ستخفض الناتج المحلي الإجمالي لأوروبا بنسبة 0.3%، وأن تغير المناخ سيقلل النمو بنسبة 5-7% بحلول عام 2030 بالنسبة للاقتصادات الأكثر عرضة للخطر مثل إسبانيا وفرنسا وإيطاليا. وتُعدّ إيطاليا مثلاً، أكبر منتج للأرز في أوروبا، ويُزرع أكثر من 80% من المحصول في مقاطعات بافيا وفيرتشيلي ونوفارا الشمالية، التي لطالما ازدهرت زراعتها على ضفاف نهر بو. إلا أن هيئة حوض نهر بو أصدرت هذا العام تحذيراً من مستوى عالٍ من الجفاف، مشيرةً إلى انخفاض مخزونات المياه في بحيرات جبال الألب.
وقال فرانكو بولانو، مدير إدارة المياه في اتحاد ري إيست سيسيا، الذي يزود معظم مناطق زراعة الأرز: "اضطررنا هذا العام إلى تطبيق نظام التناوب". وبموجب هذا النظام، تتلقى مناطق مختلفة المياه بالتناوب أسبوعياً، مما يسمح بتوزيع الموارد الشحيحة على مستوى المنطقة. وبحسب الفرع المحلي لجمعية المزارعين، فإن قطاع الأرز في مقاطعة بافيا وحدها قد يخسر أكثر من 100 مليون يورو (116 مليون دولار) بسبب مزيج من الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج وانخفاض أسعار أرز الحقول وسط منافسة من مصدرين من خارج الاتحاد الأوروبي.
وفيما تسجل منطقة كاتالونيا أبكر موسم حصاد للعنب على الإطلاق بسبب حرارة الصيف الحارقة، فإن حركة الملاحة في نهري الراين والدانوب، وهما شريانان رئيسيان لنقل البضائع، محدودة للغاية بسبب انخفاض منسوب المياه. وأعلن الاتحاد الفيدرالي للشحن النهري الألماني أمس الاثنين إن الجفاف يهدد بتوقف حركة الشحن على امتداد رئيسي من نهر الراين هذا الأسبوع. صرح المدير الإداري لشركة BDB للشحن، ينس شفانين، لصحيفة Rheinische Post، أن "لن تتمكن السفن التجارية من نقل البضائع في المنطقة مع انخفاض منسوب المياه. وينطبق الأمر نفسه على الرحلات اليومية والرحلات البحرية". وأضاف: "من حيث المبدأ، يصبح نهر الراين غير صالح للملاحة على طوله بالكامل".
ويتغير المناخ بوتيرة أسرع في أوروبا مقارنة بأي قارة أخرى، وقد أدى الضرر بالفعل إلى إجهاد المالية العامة، وتسبب في تقلبات حادة في التضخم مع ارتفاع أكلاف الشحن وتراجع المحاصيل، وإعادة رسم خريطة السياحة، وإجبار التكتل على إعادة التفكير في كيفية إنتاج الطاقة وكيفية نقل البضائع. إذ "ما يجعل عام 2026 مثيراً للقلق بشكل خاص من منظور اقتصادي هو وجود حلقات متعددة من الأحداث المتطرفة"، كما قالت الخبيرة الاقتصادية بجامعة مانهايم، سهرش عثمان لوكالة "رويترز".
وأُغلقت أو خُفّض إنتاج أكثر من ست محطات نووية نتيجةً لصعوبات التبريد. وانخفضت تقديرات المحاصيل الزراعية، حيث تكبّدت المحاصيل التي تأخر حصادها، مثل الذرة وعباد الشمس، خسارة تتراوح بين 6 و7% في شهر يوليو/تموز.