قيس سعيد و7 سنوات من الفشل المزري

26 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 16:54 (توقيت القدس)
احتجاج على قيس سعيد بعد مرور 5 سنوات على تعليقه عمل البرلمان. تونس 25 يوليو 2026 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- شهدت تونس تحت حكم قيس سعيد تدهوراً اقتصادياً حاداً منذ عام 2019، مما أدى إلى تصنيفها كدولة هشة وفاشلة، ودفع التونسيين للانتفاضة ضد سياساته.
- سياسات قيس سعيد دمرت الحياة السياسية والحزبية في تونس، حيث قام بتفكيك المؤسسات وتعليق البرلمان، مما أدى إلى تعزيز حكمه المستبد وانتهاك حقوق الإنسان.
- الأزمات الاقتصادية المتفاقمة أدت إلى هجرة الشباب والكفاءات، مع ارتفاع البطالة وعزوف الاستثمار الأجنبي، مما زاد من فقدان الأمل في مستقبل أفضل.

خلال سنوات قليلة وضع قيس سعيد الاقتصاد التونسي على حافة الانهيار، وقرّبه بسرعة من دائرة التعثّر والإفلاس المالي، ونقل البلاد إلى مصاف الدول الهشة والفاشلة ومرتفعة المخاطر الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ولذا لم تكن انتفاضة التونسيين ضده أمس السبت بسبب حدوث أزمة معيشية واحدة، مثل انقطاعات الكهرباء والمياه التي شهدتها تونس في الأيام الأخيرة، ولم تكن بسبب حدوث مزيد من قفزات أسعار السلع والخدمات في الأسواق، وفي مقدمتها مشتقات الوقود والأغذية، فهذا سيناريو مكرر، أو التظاهر بسبب اتساع رقعة الفقر في البلاد، لتشمل ثلث السكان وربما أكثر، ولكنها كانت حصيلة فشل اقتصادي واسع النطاق وأزمات معيشية غير مسبوقة، شهدتها الدولة طوال السنوات السبع الماضية ومنذ عام 2019.

والمتتبّع سياسات نظام قيس سعيد تجاه شعبه يجد أن الاحتجاجات الغاضبة عليه هي نتيجة طبيعية لسياسة تجريفه كل شيء، بداية من تدمير الحياة السياسية والحزبية، وتفكيك المؤسسات، وتعليق البرلمان ثم حله، والسطو على السلطة التنفيذية، والاعتداء على الدستور وإقرار دستور على مقاسه "دستور 2022" الذي كرّس حكمه المستبد، ودعم نظامه القمعي، ونهاية بتجريف المجال العام، وانتهاك حقوق الإنسان، والحريات العامة، وملاحقة المعارضين وسجنهم، وممارسة القمع الأمني على نطاق واسع، وإخضاع القرار الرسمي لرغبات قوى إقليمية ودولية، وإنهاء المنظومة السياسية التي أفرزتها ثورة 2011، وعودة حكم الفرد، وإدخال البلاد في نفق مظلم لا أحد يعرف متى تخرج منه.

خلال سنوات قليلة وضع قيس سعيد الاقتصاد التونسي على حافة الانهيار وقرّبه بسرعة من دائرة التعثّر والإفلاس المالي ونقل البلاد إلى مصاف الدول الهشة

منذ انقلاب قيس سعيد على التجربة الديمقراطية الوليدة في تونس يوم 25 يوليو 2021 وتعيش البلاد وضعاً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً مزرياً، وأزمات هيكلية عميقة من أبرز ملامحها: تباطؤ النمو، وتفاقم موجات التضخم، وغلاء معيشة لا يتوقف، مع نقص بالسلع والمواد الأساسية، مثل الدقيق والسكر والزيت النباتي والأرز، وأزمات اقتصادية متلاحقة مع زيادة معدلات البطالة، وارتفاع الدين العام، وتراجع التصنيف الائتماني السيادي، وعجز مالي فادح دفع الحكومة إلى التوجه نحو صندوق النقد الدولي وغيره من الدائنين الدوليين بحثاً عن قروض تغطي هذا العجز، وتساعد في سداد الرواتب والأجور والتزامات الدولة، وإضرابات متواصلة خاصة في قطاعات حيوية مثل الفوسفات، أدت إلى تراجع الإنتاج والتصدير، مع تراجع القدرة الشرائية ومدخرات الدولة من النقد الأجنبي إلى أدنى مستوياتها، وتدهور الخدمات العامة، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والنقل والاتصالات والبنية التحتية.

إزاء تلك الأزمات المتفاقمة هرب شباب تونس، ومعهم أصحاب العقول والكفاءات والكوادر العلمية والمهنية إلى الخارج، بعد أن فقدوا الأمل في إصلاح الحال في بلدهم، أو التمتّع بالحد الأدنى من الحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية، هربوا إما بصورة مشروعة، أو عبر الهجرة غير الشرعية والإبحار إلى أوروبا على متن قوارب، وهو ما عرّضهم لخطر الغرق بالبحر المتوسط، وتحوّلت تلك الهجرة من مجرد مغامرات فردية لشباب فاقدين الأمل إلى مشاريع استثمارية ومربحة لعصابات ومافيا على علاقة بالنظام الحاكم والنخب.

وكعادة الحكام المستبدين وعد قيس سعيد التونسيين، عقب انقلابه المشؤوم، بالمنّ والسلوى، والحياة الكريمة، وتحسين مستوى المعيشة، وتوفير فرص عمل ومسكن ودخل مناسب، وتدفق الاستثمارات الخارجية والهبات والمنح، وإحداث طفرة في الإنتاج، لكن أوضاع التونسيين ازدادت تأزماً: أزمات معيشية متفاقمة، وعزوف الاستثمار الأجنبي، ومعدلات بطالة عالية، ساعد في هذا التردي الاقتصادي والمعيشي انشغال قيس سعيد بدعم نظامه المستبد، وإهماله الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المطلوبة لتخفيف حدة الضغط الشعبي، وانشغاله بالملف الأمني، بل حرص على تجويع الشعب وإشغاله بلقمة العيش لدفعه دفعاً نحو العزوف عن الاهتمام بالشأن العام والإصلاح السياسي، وذلك بعد أن وضع الاقتصاد والتنمية في ذيل الأولويات.

منذ انقلاب قيس على التجربة الديمقراطية الوليدة في تونس والبلاد تعيش وضعاً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً مزرياً وأزمات هيكلية عميقة

وفيما كان التونسيون يغرقون في موجات من الغلاء وتآكل العملة وتهاوي القوى الشرائية كان رئيسهم يسعى، وبكل الطرق، لإغراقهم في الديون، وخزعبلات السياسة، وشعارات السيادة الوطنية الزائفة، وأوهام المؤامرات الكونية التي روّج لها إعلامه على أنها تستهدفه شخصياً ونظامه، رغم أنها كانت من نسج خيال نظام حكمه، وتحت وطأة الحكم الحديدي سكتت أغلبية التونسيين خوفاً من أن يغيبوا خلف الأسوار وأبواب السجون، أو، على الأقل، من قطع مصدر رزقهم ومصادرة أموالهم وأصولهم.

تظاهرات تونس 2
موقف
التحديثات الحية

ببساطة، قيس سعيد أفقر التونسيين، باع لهم الوهم حينما راح يحدثهم عن استرداد الأموال المنهوبة والمهربة في الخارج، واسترجاع 4.4 مليارات دولار، وتوجيه انتقادات للأنظمة السابقة واتهامها بالتراخي وأنها لم تقم بواجبها في إعادة الأموال المنهوبة، زعم أنه أقتدي بالخليفة عمر بن الخطاب للقضاء على الفقر، فإذا به يغرق التونسيين في الفقر والبؤس والحرمان، ويعمق الفساد والاحتكارات، إعلامه شغل الرأي العام بقصة البيضة التي أهداها له أحد المواطنين، خلال قيامه بتوزيع المساعدات على الأهالي، وذلك للتغطية على إخفاقاته في إدارة شؤون البلاد.

سبع سنوات عجاف تشهدها تونس تحت حكم قيس سعيد، دخل الاقتصاد التونسي خلالها نفقاً مظلماً، وعاش المواطن حالة التيه وذلّ القهر والعوز والفقر والبطالة والغلاء، وعاشت الدولة حالة الغموض واللايقين والانفتاح على كل السيناريوهات بما فيها تلك المرعبة.