قفزة في أسعار خضروات الجزائر رغم وفرتها... من المسؤول؟
سجلت أسعار الخضرة في أسواق الجزائر خلال الفترة الأخيرة ارتفاعاً لمسه المواطنون، لا سيما أصحاب الدخل المحدود منهم، على الرغم من أن الفترة الحالية من السنة تتزامن مع جني المحصول وارتفاع الإنتاج، بالتوازي مع ارتفاع الطلب على هذا النوع من المنتجات الزراعية التي تشكل غالبية أطباق الأسر الجزائرية خلال فترة الصيف.
ولم تشفع وفرة المنتوج المحلي وعدم تسجيل ندرة أو تراجع في الإنتاج للأسعار، إذ استقرت في معظم الأسواق عند مستويات عالية مقارنة بالمعطيات الموضوعية التي قد تؤدي، في فترات معينة، إلى ارتفاع أسعار بعض المنتجات الفلاحية، على خلفية تزامنها مع مراحل انتقالية يقل فيها الإنتاج، قبل أن تعرف الأسعار نوعاً من الاستقرار عند الاستعانة بالمخزون من المادة المعنية، لخلق نوع من التوازن بين العرض والطلب، وقطع الطريق أمام ممارسات المضاربة التي قد يلجأ إليها البعض من مستغلي الفرص.
تقاذف اتهامات والمواطن ضحية
ولاحظت "العربي الجديد"، خلال جولة ميدانية على عدد من أسواق الخضرة والفواكه في الجزائر العاصمة وولاية الأغواط (على مسافة 400 كيلومتر جنوب العاصمة)، ارتفاعاً في أسعار المنتجات الزراعية، حتى بالنسبة إلى المنتجات الموسمية، على غرار الطماطم التي تراوح سعرها بين 160 و180 ديناراً للكيلوغرام، أو الفلفل الأخضر الذي تجاوز سعره 165 ديناراً (الدولار = 132 ديناراً).
أما سعر البطاطا، المستهلكة بكثرة لدى الأسر الجزائرية، فقد سجل نحو 100 دينار في معظم الأسواق، ولحق به سعر البصل، الذي ارتفع إلى 70 ديناراً للكيلوغرام، إلى جانب الخيار الذي بلغ سعره 150 ديناراً، وهو السعر نفسه المسجل بالنسبة إلى الفاصوليا الخضراء.
وبدا الامتعاض والتذمر واضحين على المواطنين الذين حاولنا الحديث معهم خلال جولتنا. وعبّر علي براهيمي، وهو مواطن من عاصمة الجزائر وأب لأربعة أطفال، عن مفاجأته من مستوى الأسعار، بحكم اختلافها الجذري عما سجلته الأسواق قبل نحو أسبوع فقط. وأضاف أنه لا يمكن له، مع استمرار هذا التذبذب في الأسعار، وضع برنامج متوازن لمقتنياته، خاصة أن الأمر يتعلق بمنتجات ضرورية وموسمية أيضاً.
وفي حديث مع أحد التجار في سوق الخضرة والفواكه بمنطقة الكاليتوس في العاصمة، في محاولة لمعرفة أسباب الارتفاع والتذبذب في الأسعار رغم وفرة المنتوج، أوضح الجيلالي بن عثمان أنه هو وزملاؤه تجار تجزئة حلقة وسيطة في السلسلة، لذلك فإن الأمر بالنسبة إليهم لا يتعدى الاستفادة من هامش ربح بسيط، وإذا كان سعر الشراء من أسواق الجملة مرتفعاً، فإن ذلك ينعكس على السعر النهائي.
وأضاف أنه يلجأ، هو وآخرون، في بعض الحالات، إلى عدم اقتناء منتوج معين أو التقليل منه إذا ارتفع سعره كثيراً وفجأة، مخافة توجيه أصابع الاتهام إليهم من المواطنين، رغم أنه أبدى تفهماً لردات فعل الزبائن، قائلاً: "نحن أيضاً زبائن في نهاية المطاف".
دعوة لضبط السوق وتقليص الوسطاء في الجزائر
في غضون ذلك، دعت جمعية حماية المستهلك "الأمان" إلى ضرورة معالجة الأسباب التي تؤدي إلى ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية في فترات من السنة، وذكرت أنه رغم الجهود التي تبذلها السلطات العمومية والتزام المنتجين والفلاحين، لا يزال المستهلك يواجه صعوبات في الحصول على الفواكه والخضر بأسعار معقولة، رغم وفرة المنتجات في موسمها.
وشددت الجمعية، في بيان اطلعت "العربي الجديد" على نسخة منه، على أن هذه الوضعية تبرز ضرورة تسريع الإصلاحات وتعزيز هيكلة السوق من أجل تحسين أدائه ورفع مستوى الشفافية فيه. وأرجعت السبب إلى تعدد الوسطاء، وغياب شبكة توزيع منظمة ومهنية، ونقص المعطيات الإحصائية الموثوقة والمحيّنة (البيانات الرقمية)، إضافة إلى التأخر في رقمنة وتتبع المسارات التجارية، وذكرت أنها عوامل ما تزال تحد بشكل كبير من فعالية تنظيم السوق.
ولم تخف الجمعية استغلال هذه الاختلالات أحياناً من طرف بعض الفاعلين "الانتهازيين"، الذين يستحوذون بشكل غير مشروع على جزء كبير من القيمة ويخلّون بتوازن سلاسل التموين، الأمر الذي قالت إنه يستدعي التحرك بشكل منسق لمعالجة الأسباب العميقة لهذه الاختلالات.
واقترحت جمعية حماية المستهلك استحداث مساحات تجارية كبرى ومنصات توزيع عصرية بهدف تقصير سلاسل التوزيع وتقريب المنتجات من المستهلكين، وإنشاء أسواق جوارية دائمة وإعلدة تأهيلها بما يضمن تسويقاً منتظماً وعادلاً للمنتجات الفلاحية، والعمل على تنظيم أسواق أسبوعية للمنتجات الفلاحية، خاصة في المناطق التي تعاني من ضعف التغطية، بما يسمح للمنتجين بتسويق منتجاتهم مباشرة، وللمستهلكين بالاستفادة من أسعار أكثر عدالة.
وشددت على ضرورة التقليص التدريجي من عدد الوسطاء، وتطوير قطاع التوزيع مهنياً، والاستعانة بنظام رقمي مندمج يضمن تتبع الإنتاج والتدفقات والوفرة وتطور الأسعار، فضلاً عن إنتاج إحصائيات موثوقة ومحيّنة تسمح باستباق الاختلالات بين العرض والطلب، بالموازاة مع تحديث عميق لسلسلة التوزيع.