قفزة الواردات تلتهم مكاسب الصادرات الإسبانية

20 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 01:54 (توقيت القدس)
ميناء برشلونة، إسبانيا، 12 مايو 2026 (فرانس برس)

حافظت الصادرات الإسبانية على قدر من الصمود خلال مايو/أيار الماضي، رغم اضطرابات الأسواق العالمية، لكن القفزة الكبيرة في الواردات أدت إلى اتساع العجز التجاري، وتراجع قدرة المبيعات الخارجية على تغطية فاتورة مشتريات البلاد من الخارج. وأظهر تقرير التجارة الخارجية الصادر عن وزارة الاقتصاد والتجارة والأعمال الإسبانية استمرار متانة قطاع التصدير خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، رغم الضغوط التي فرضها ارتفاع أسعار الطاقة والاضطرابات الجيوسياسية على الميزان التجاري، ولا سيما في ظل الحرب المستمرة بالشرق الأوسط. وكشف التقرير، الذي صدر مطلع الأسبوع الحالي، أن صادرات السلع بلغت خلال مايو/أيار 34.694 مليار يورو، في حين بلغت الواردات 42.939 مليار يورو، مدفوعة خصوصاً بارتفاع كلفة واردات الطاقة.

ووفقاً للتقرير الشهري للتجارة الخارجية، تراجعت الصادرات بنسبة 0.9% على أساس سنوي، لكنها سجلت نمواً بنسبة 3.3% بعد احتساب العوامل الموسمية وأيام العمل، وهو ما يعكس أداء أقوى من القراءة الأولية للبيانات. وتأثرت المقارنة بعملية استثنائية جرت في مايو 2025، عندما صدّرت إسبانيا إلى هولندا مواد دوائية بقيمة تجاوزت 1.3 مليار يورو. ومن دون أثر هذه العملية، كانت الصادرات الإسبانية ستسجل نمواً سنوياً بنسبة 3.1% خلال مايو الماضي. وتعكس هذه البيانات استمرار قوة القطاع الخارجي الإسباني وقدرته على الصمود، ولا سيما وسط بيئة دولية غير مستقرة تتسم بتصاعد حالة عدم اليقين. وفي المقابل، قفزت الواردات بنسبة 14.4% على أساس سنوي، فيما بلغ نموها 19% بعد التعديل الموسمي والتقويمي، ليتسع العجز التجاري إلى نحو 8.245 مليارات يورو، بزيادة قدرها 5.702 مليارات يورو مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق.

مقارنة الصادرات والواردات الإسبانية في مايو
أُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعي

ويبرز العامل الطاقي أحد أهم أسباب تدهور الميزان التجاري، بعدما ارتفعت كلفة واردات النفط إلى نحو ضعف مستواها المسجل في مايو 2025. كما أدى ارتفاع الأسعار واضطراب طرق الإمداد إلى زيادة كلفة الواردات، وانعكس ذلك مباشرة على الميزان التجاري الإسباني. وتراجعت نسبة تغطية الصادرات للواردات إلى 80.8%، مقابل 93.2% في مايو 2025، بانخفاض بلغ 12.4 نقطة مئوية خلال عام. وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة مدريد المستقلة، بيدرو لماس، في حديث إلى "العربي الجديد"، إن الشركات الإسبانية مطالبة بتنويع أسواقها الخارجية، ولا سيما في ظل الاضطرابات التي تشهدها البيئة الدولية. وأضاف: "تتمتع إسبانيا بعلاقات تجارية واستثمارية مع دول تتجاوز محيطها الأوروبي، ولذلك يتعين عليها بناء علاقات تجارية متينة خارج الأسواق التقليدية. وبهذه الطريقة فقط يمكنها الصمود أمام بيئة دولية مضطربة باستمرار". وتابع: "إن الصمود الخارجي الذي حققه الاقتصاد الإسباني على صعيد الصادرات لا يرتبط بمجموعة من الشركات الكبرى فحسب، بل يستند إلى قاعدة واسعة نسبياً من الشركات المتوسطة والصغيرة التي حافظت على نشاطها التصديري بصورة منتظمة".

ولا يزال الاتحاد الأوروبي الوجهة الرئيسية للصادرات الإسبانية، إذ استحوذت دول الاتحاد الـ27 على 62.4% من إجمالي صادرات البلاد خلال مايو. وسجلت إسبانيا فائضاً تجارياً مع الاتحاد بلغ 2.075 مليار يورو، ليواصل هذا الفائض مساره الإيجابي دون انقطاع منذ يناير/كانون الثاني 2017.
وتصدّرت البرتغال وفرنسا والمملكة المتحدة قائمة الأسواق التي حققت إسبانيا معها أكبر الفوائض التجارية، ما يعكس الدور المحوري للأسواق الأوروبية في دعم الشركات الإسبانية.أما في الأسواق غير الأوروبية، فقد ارتفعت الصادرات الإسبانية إلى الولايات المتحدة بنسبة 2.5% خلال مايو، لتبلغ 1.5615 مليار يورو، وفقاً لتقرير الوزارة، مسجلة زيادة للشهر الثالث على التوالي، رغم تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا.

كما ارتفعت الصادرات غير المرتبطة بالطاقة إلى الولايات المتحدة بنسبة 6.5% بعد احتساب العوامل الموسمية، في حين زادت الواردات الإسبانية من السوق الأميركية بنسبة 19.9%. وسجلت الصادرات إلى الصين ارتفاعاً ملحوظاً بنسبة 15.3% على أساس سنوي. كما شهدت الأشهر الخمسة الأولى زيادة في الصادرات إلى أفريقيا بنسبة 5.5%، وإلى كندا بنسبة 16.5%، وإلى أستراليا بنسبة كبيرة بلغت 65.8%. في المقابل، تراجعت الصادرات إلى الشرق الأوسط بعد الأداء القوي الذي سجلته خلال عام 2025، متأثرة بانعكاسات التوترات الجيوسياسية على التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد. وإذا كانت بيانات وزارة الاقتصاد تشير إلى متانة أداء الصادرات الإسبانية خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، فإنها تبرز أيضاً نقاط الضعف، خصوصاً محدودية قدرة الاقتصاد على احتواء تقلبات أسعار الطاقة وتأثيرها في كلفة الواردات، وهو ما يضغط على الميزان التجاري ويفاقم العجز.