قرارات تربك خطط مكافحة التضخم في تركيا

23 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:24 (توقيت القدس)
أسواق تركيا، إسطنبول في 10 يناير 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يواجه البنك المركزي التركي تحديات في السيطرة على التضخم بسبب قرارات حكومية تزيد الأعباء الاقتصادية، مثل زيادة أسعار المواصلات والكهرباء والإيجارات، رغم تراجع التضخم من 75.4% في مايو 2024 إلى 32.9% في أغسطس 2025.

- تؤدي القرارات المحلية، مثل زيادة أسعار المواصلات وتراجع قيمة الليرة، إلى تعقيد الوضع الاقتصادي وارتفاع التضخم، مما يزيد الأعباء على الأسر.

- توجد فرص لتحسين الاقتصاد، مثل انخفاض أسعار النفط وتحسن العلاقات التجارية، لكن تركيا تواجه مخاطر تتطلب تنسيقاً أفضل بين السياسات لضمان الاستقرار.

رغم محاولات البنك المركزي التركي محاصرة التضخم المرتفع عبر أدوات السياسة النقدية ومنها رفع سعر الفائدة وسحب السيولة من الاسواق، فإنه في المقابل يواجه بصدور قرارات حكومية تربك تلك الخطط وأحدثها زيادة أسعار المواصلات العامة بنسبة 30%، وقبلها رفع فواتير الكهرباء ومعها إيجارات السكن. التضخم المرتفع شكّل صداعاً للحكومة التركية وصانع السياسة النقدية في السنوات الأخيرة في ظل أرقامه القياسية، إذ بلغ المعدل ذروته في شهر مايو/أيار 2024 عند معدل 75.4%، لكنّه بعد ذلك تراجع بنسب متفاوتة، وبعد مضي أكثر من عام، بلغ نحو 32.9% في أغسطس/آب 2025، ما جعل البعض يتفاءل بإمكانية حدوث المزيد من الهبوط في معدل التضخم، الذي أصبح كابوساً يهدد حياة الأتراك.

وكانت سياسة البنك المركزي التركي في مواجهة التضخم خلال الفترة الماضية، تعتمد على سحب السيولة من السوق عبر رفع سعر الفائدة، ومنع ارتفاع معدلات الاستهلاك التي تزيد من معدلات التضخم، بخاصة في ظل انخفاض قيمة العملة المحلية. كذلك، كانت أصعب اللحظات على صانع السياسة النقدية في تركيا، مع زيادة معدل التضخم عن معدل سعر الفائدة، حين كانت الفائدة الحقيقية على أموال المدخرين بالأسواق سلبية. فمثلاً حين كان سعر الفائدة 50%، كان التضخم يصل إلى 75%، أي أن المدخر يخسر نحو 25%، لكن مع الوقت، حققت السياسة النقدية بعضاً من النجاح، وأمكن خفض معدل التضخم لأقل من معدلات سعر الفائدة، ليكون سعر الفائدة الحقيقي إيجابياً.

إشعال أزمة التضخم

كانت القرارات التي أعلنتها بلدية إسطنبول أخيراً، مؤشراً على إمكانية إعاقة سياسة مكافحة التضخم التي يتبعها البنك المركزي، حيث تضمنت هذه القرارات زيادة في أسعار المواصلات العامة اقتربت من 30%، بداية من 15 سبتمبر/أيلول 2025، وبذلك يكون مؤشرا الانتقالات وإيجار البيوت هما أعلى مؤشرين يدفعان معدل التضخم إلى أعلى خلال الفترة المقبلة. ومن السلبيات التي يحملها قرار رفع أسعار المواصلات العامة في إسطنبول، أنه يأتي بعد أيام قليلة من بداية العام الدراسي. نعم الطلاب لهم تخفيضات معينة، لكن أسعار انتقالاتهم المنخفضة هذه سوف تشهد هي الأخرى ارتفاعاً، وهو ما يعني زيادة الأعباء على كاهل الأسر في تركيا.

ومما يثير العديد من التساؤلات حول رفع قيمة الانتقالات بالمواصلات العامة، أن أسعار النفط لم تشهد خلال الفترة الماضية ارتفاعات يمكن في ضوئها تبرير رفع قيمة التعرفة الخاصة بالمواصلات العامة، ولن يكون الأمر قاصرًا على رفع تعرفة المواصلات العامة، بل سينتقل بطبيعة الحال لرفع أجور النقل في باقي الأنشطة الاقتصادية، وهلم جرا، لتدور عدوى التضخم في حلقة مفرغة. وتحسب نسب الزيادة السنوية في عقود الإيجارات، الخاصة بالمنازل أو المنشآت التجارية، من خلال متوسط معدلات التضخم خلال العام، لذلك فإن تراجع معدلات التضخم من شأنه أن يؤدي إلى تحسن مستوى معيشة الأفراد في تركيا، بخاصة أن نسبة كبيرة من سكان إسطنبول تستأجر منازلها.

أسباب ارتفاع التضخم

خلال الفترة المقبلة، هناك عدة عوامل ستعمل على زيادة معدلات التضخم في تركيا، على رأسها تراجع قيمة العملة المحلية، ففي الفترة من مطلع يناير 2025 وحتى الآن، تراجعت قيمة الليرة التركية بنحو 17%، واللافت للنظر أن التراجع في قيمة الليرة يستمر بشكل يومي، وإن كان بمعدلات طفيفة، وليست هناك مؤشرات على احتمالية إيقاف هذا التراجع، أو معرفة حدوده القصوى خلال المرحلة المقبلة. كما كان قرار تحرير العلاقة الإيجارية بين المالك والمستأجر، لتكون الأداة الحاكمة في تحديد عقد الإيجار، أحد الأسباب التي التي أشعلت معدل التضخم في تركيا، فبعدما كانت نسبة الزيادة السنوية في إيجار المساكن محددة بـ 25%، تركت ليحل محلها متوسط معدل التضخم خلال العام، وهو ما أدى إلى أن تكون نسبة الزيادة في بعض الفترات 70% سنوياً، إلا أنها انخفضت بعدما تراجع معدل التضخم بشكل ملحوظ، إلا أن المشكلة لم تنته بعد.  

وتعد قضية عدم استقرار سعر صرف الليرة التركية أحد العوامل السلبية التي تؤثر في قرارات المستثمرين، ودفع باقي قطاعات المجتمع للدولرة، والمضاربات بمدخراتهم على مدار العام. وكما ذكرنا، فإن ارتفاع قيمة الأجرة للمواصلات العامة من شأنه أن يزيد من معدلات التضخم من جهة، وسيكون أحد الأسباب المهمة في اتخاذ قرار برفع الحد الأدنى للأجور في مطلع عام 2026، وبذلك يكون التضخم استكمل مقومات اشتعاله، من حيث انخفاض قيمة العملة، وارتفاع قيمة الانتقالات، وارتفاع قيمة الحد الأدنى للأجور.

فرص ومخاطر

من الفرص المهمة أمام صانع السياسة الاقتصادية بشكل عام، والسياسة النقدية بشكل خاص، أن يستفيد من عدة أمور منها انخفاض أسعار النفط في السوق العالمية، وعودة ملحوظة لبعض المهاجرين السوريين لبلادهم، وهو ما خفف من بعض الأعباء التي كانت تتحملها الحكومة لرعايتهم، وكذلك استمرار تحقق معدلات نمو اقتصادي، وانخفاض معدلات البطالة، وتحسن علاقات تركيا التجارية والاقتصادية مع دول بارزة في المنطقة، مثل السعودية والإمارات ومصر، مما فتح المجال لفرص استثمارية وتجارية أفضل من ذي قبل، وهو الأمر الذي يدفع للإفادة من القاعدة الإنتاجية القوية لتركيا، لتستمر معدلات النمو الاقتصادية الإيجابية، وتحسين موارد النقد الأجنبي عبر زيادة الصادرات وتنشيط السياحة، والاتجاه نحو خفض أكبر لمعدلات البطالة.
لكن على الجانب الآخر، هناك نقاط ضعف ومخاطر تواجه الاقتصاد التركي؛ فعلى الصعيد الداخلي، تتوالى عمليات المضاربة بشكل كبير، كما أن المناخ السياسي يشهد اضطرابات محدودة من وقت إلى آخر، لكنّها تستخدم في الخارج لتشويه صورة تركيا بشكل عام، والاقتصاد بشكل خاص، كما لوحظ في الفترة الماضية ضبط العديد من قضايا الفساد في البلديات التي تديرها أحزاب المعارضة.

وعلى الصعيد الإقليمي، تواجه تركيا تحدياً كبيراً في ما يتعلق بدعم النظام الوليد في سورية، بما يحمله ذلك من أعباء اقتصادية، كما أن هناك لغة تصعيدية ضد تركيا من الكيان الصهيوني، مما يعني أن حسابات الفترة القادمة، لا بد أن تأخذ في الاعتبار زيادة الإنفاق العسكري لمواجهة أيّ مخاطر. ومن هنا فإدارة السياسة الاقتصادية بتركيا تتطلب المزيد من التنسيق بين مكوناتها المختلفة (المالية، والنقدية، والتجارية، والاستثمار، والتوظيف) فحالة عدم الاستقرار التي يمكن أن تتعرض لها مؤشرات السياسة النقدية، سواء في ما يتعلق بسعري الصرف والفائدة أو معدل التضخم، من شأنها أن تؤدي لآثار سلبية على الاقتصاد التركي خلال الفترة المقبلة.

مؤشر المواطن

تتعدد المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بتقييم النشاط الاقتصادي، لكن هناك مؤشرا مهما، لا بد أن يؤخذ في الاعتبار، وهو رضا المواطن، في ما يحصل عليه من دخل، ومدى كفاية هذا الدخل في تغطية احتياجاته الأساسية والكمالية، بخاصة إن كان من أرباب الأسر. حسب أرقام قاعدة بيانات البنك الدولي، فإن نصيب الفرد من الناتج المحلي في تركيا شهد زيادة واضحة، فقد بلغ في عام 2024 نحو 15.4 ألف دولار، بينما كان في عام 2015 نحو 11.05 ألف دولار.

ومع ذلك، فإن مستوى معيشة المواطن في 2015 كان أفضل مما هو عليه الآن، حيث كانت الليرة التركية متماسكة أمام العملات الأجنبية، كما كانت معدلات التضخم والفائدة مقبولة، وبالتالي كانت قدرة الأفراد على الإفادة من دخولهم أفضل، سواء كانوا من أصحاب الدخول الثابتة، أو من العاملين في فئة مجتمع الأعمال. وعلى الحكومة التركية أن تتحسب خلال الفترة المقبلة، بإدارة أفضل للسياسة النقدية، بما يؤدي لاستقرار اقتصادي واجتماعي في البلاد.

المساهمون