قدرة إيران على امتلاك ردع نووي

28 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 10:45 (توقيت القدس)
مفاعل بوشهر النووي الإيراني (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- في 16 يوليو 1945، تم تفجير أول قنبلة نووية ضمن مشروع "مانهاتن"، مما أدى إلى سباق تسلح نووي بين القوى الكبرى، حيث أصبح السلاح النووي أداة للردع.

- تمتلك إيران 460 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، ويمكنها رفع التخصيب إلى 90%، مما يجعلها قادرة على تصنيع قنبلة نووية باستخدام تقنيات متقدمة.

- امتلاك إيران للسلاح النووي سيؤدي إلى انهيار نظام منع الانتشار النووي في الشرق الأوسط، مما سيشعل سباق تسلح نووي إقليمي ويعزز مكانتها كقوة إقليمية.

شهر يوليو/ تموز، هو ذكرى حدث غيّر مجرى التاريخ البشري والجيوسياسي إلى الأبد. ففي 16 يوليو 1945 نجحت أميركا، من خلال تجربة "ترينيتي"، في تفجير أول قنبلة نووية في العالم، في صحراء نيو مكسيكو، في إطار مشروع "مانهاتن" السري. لم يكن مجرد نجاح علمي وهندسي لمشروع، بل كان الإعلان الفعلي لدخول البشرية "العصر النووي". وبمجرد تفجير الاتحاد السوفييتي لقنبلته الأولى عام 1949، دخل العالم رسمياً في سباق "التسلح النووي"، وإعلان ولادة "عصر الردع".

القوى النووية تدرك أن الدخول في حرب مباشرة يعني الفناء المشترك، ما جعل السلاح النووي للردع فقط، بمعنى أنه سلاح صنع لكي لا يستخدم أبداً، بل ليضمن عدم قيام حرب نووية شاملة. إيران تمتلك قدرات تكنولوجية متطورة، مثل تكنولوجيا برنامج الفضاء وإطلاق الأقمار الاصطناعية، وتكنولوجيا الصواريخ الباليستية، ووقود إطلاق الصواريخ (الصلب والسائل)، وتكنولوجيا صناعة التوربينات الغازية وهندسة المواد، وتكنولوجيا دورة الوقود النووي، وتكنولوجيا تخصيب اليورانيوم.

لذلك نستطيع أن نقول إن إيران تستطيع صناعة القنبلة النووية. لكن هناك "فتوى تحريم السلاح النووي" الصادرة عن المرشد الراحل علي خامنئي. وإيران تستخدم حالياً هذه الفتوى أداةً دبلوماسية ممتازة، لمنع فرض عقوبات أشد وتجنب ضربة نووية استباقية. فالفتوى الدينية في طهران أداة مرنة تتبع دائماً المصلحة العليا للدولة والتقدير السياسي للموقف. بالإضافة إلى أن إيران تتبع بذكاء استراتيجية "التحوط النووي"، حيث تبقي نفسها على مسافة خطوة واحدة قصيرة جداً من القنبلة النووية، لتحصل على "الردع غير المعلن" والمكاسب السياسية دون أن تتحمل التكلفة الدولية لإنتاج السلاح النووي بشكل علني. لكن إذا واجه النظام الإيراني تهديداً وجودياً حقيقياً (غزو شامل أو خطر زوال الدولة)، فإن الفتوى السابقة تصبح قابلة للمراجعة أو التجميد فوراً تحت مبرر "الضرورات تبيح المحظورات".

لذلك نستطيع أن نقول إن إيران تستطيع صناعة القنبلة النووية. لكن هناك "فتوى تحريم السلاح النووي" الصادرة عن المرشد الراحل علي خامنئي

تشير تقارير إلى أن إيران تمتلك 460 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% في صورة سادس فلوريد اليورانيوم UF6. ولرفع نسبة التخصيب إلى 90%، لصنع قنابل نووية، فإنها ستستخدم أجهزة طرد مركزي من طراز IR6. وفي حالة استخدام 1000 جهاز طرد مركزي، وكانت عملية التخصيب تحصل بنسبة نفايات 0.2%، ففي مدة زمنية 78 يوماً، يكون ناتج اليورانيوم المخصب بنسبة 90% في صورة سادس فلوريد اليورانيوم هو 306.33 كيلوغرامات. وفي حالة استخدام 1000 جهاز طرد مركزي من طراز IR9، وهو الأعلى كفاءة من IR6، تتقلص المدة الزمنية المطلوبة لإنتاج اليورانيوم عالي التخصيب 90%، إلى 15 يوماً.

وعلى الرغم من إمكانية صنع سلاح نووي بنسب تخصيب أقل (بدءاً من 20%)، إلا أن نسبة 90% وما فوق تعتبر "درجة تصنيع الأسلحة"، لأنها تسمح بصنع قنبلة أصغر حجماً وأخف وزناً مع قوة انفجارية أكبر بكثير مقارنة بالنسب الأقل.

تتطلب عملية تحويل غاز اليورانيوم UF6، إلى رأس حربي، المرور بعدة خطوات فنية عالية التكنولوجيا. الخطوة الأولى، تحويل الغاز UF6 كيميائياً إلى معدن صلب صالح للاستخدام في الأسلحة النووية، لأن المادة في صورتها الغازية أو البلورية لا تصلح للتصنيع الميكانيكي المطلوب لأجزاء القنبلة. اليورانيوم المعدني الصلب والمخصب بنسبة 90% يسمى "زر اليورانيوم"، وهي المادة الخام التي تُشكَّل لاحقاً لتكوين قلب القنبلة النووية.

الخطوة الثانية، صناعة قلب القنبلة النووية وتشكيله، من خلال صهر معدن اليورانيوم عالي التخصيب وتشكيله على هيئة كرة مفرغة أو نصف كرة لصناعة قلب القنبلة النووية. تحتاج هذه الخطوة إلى آلات خراطة رقمية فائقة الدقة (CNC) لمنع أي انحراف قد يؤدي إلى فشل عملية تفجير القنبلة النووية. الخطوة الثالثة، إحاطة قلب اليورانيوم الصلب بـ"عدسات متفجرة" من مواد تقليدية شديدة الانفجار، التي تحتاج صاعقاً لتفجيرها.

وعند إطلاق الصاعق، ستنفجر كل هذه العدسات في جزء من المليون من الثانية بشكل متزامن تماماً، لضغط قلب اليورانيوم إلى الداخل لتزيد كثافته بشكل هائل، ما يطلق تفاعلاً نووياً متسلسلاً حراً، أي دون تحكم، وهو ما يؤدي إلى الانفجار النووي. ثم تُدمَج القنبلة النووية بالكامل داخل مخروط ليصبح رأساً للصواريخ الباليستية، ويُسمى رأساً حربياً نووياً. يجب أن يتحمل الرأس الحربي النووي الظروف الفيزيائية القاسية، مثل الاهتزازات العنيفة، والحرارة الهائلة الناتجة من الاحتكاك بالغلاف الجوي، والقدرة على الانفجار في الارتفاع المحدد بدقة.

تجميع رأس حربي نووي وتثبيته على صاروخ باليستي، يتطلب فقط غرفاً هندسية معقمة ومحمية ومحدودة المساحة ومجهزة بأدوات قياس ميكانيكية وفيزيائية دقيقة للغاية

تجميع رأس حربي نووي وتثبيته على صاروخ باليستي، يتطلب فقط غرفاً هندسية معقمة ومحمية ومحدودة المساحة ومجهزة بأدوات قياس ميكانيكية وفيزيائية دقيقة للغاية. من الناحية الهندسية، يمكن إخفاء هذه الغرف في الأماكن العامة السكنية، أو داخل شبكات الأنفاق العسكرية السرية. هذا ما يدفعنا إلى القول إن اليورانيوم عالي التخصيب ربما كان قد نُقل من منشآت التخصيب المعروفة (مثل فوردو ونطنز) إلى هذه المواقع السرية الموزعة جغرافياً، لتحويله، إن صحّ هذا التقدير، إلى معدن وتجميعه في رؤوس حربية، ما يجعل رصد خطوة "التجميع النهائي" شبه مستحيل استخباراتياً.

في القنابل النووية القديمة مثل قنبلة هيروشيما "الولد الصغير"، كانت كمية اليورانيوم عالي التخصيب (80%) في حدود 64 كيلوغراماً. إلا أن الكتلة التي خضعت للانشطار النووي هي 0.7 كيلوغرام، ومن هذه الكتلة لم يتحول سوى 0.6 غرام إلى الطاقة. لكن التصاميم الحديثة للقنابل النووية (التي تستخدم عواكس النيوترونات) نجحت في خفض كميات اليورانيوم إلى أقل من النصف تقريباً. فكمية اليورانيوم عالي التخصيب (فوق 90%) في التصاميم الحديثة للقنابل النووية تراوح من 20 إلى 25 كيلوغراماً. هذا التطور هو السبب في أن الصواريخ الحديثة يمكنها حمل عدة رؤوس نووية صغيرة الحجم وخفيفة الوزن في الوقت نفسه.

بناءً على ما تمتلكه إيران من وقود نووي مخصب بنسبة 90% (نحو 300 كيلوغرام)، وما تحتاجه القنبلة النووية الواحدة من هذا الوقود النووي (نحو 25 كيلوغراماً)، تصبح إيران قادرة على تصنيع عدد 12 قنبلة نووية علي الأقل. وهذا العدد من القنابل النووية يتطابق مع نظريات الردع النووي، لأن امتلاك قنبلة نووية واحدة أو اثنتين سيناريو انتحاري عسكرياً لأي دولة ناشئة نووياً. فإذا امتلكت إيران قنبلة نووية واحدة، فإنها ستكون دائماً تحت خطر "ضربة استباقية" تقليدية أو نووية، من أميركا وإسرائيل لتدمير هذه القنبلة قبل استخدامها.

ولكي يكون الردع النووي الإيراني فعالاً، يجب أن تؤمن أميركا وإسرائيل، بأن إيران قادرة على تلقي الضربة النووية الأولى، والنجاة بأجزاء من ترسانتها النووية، ثم هي قادرة على أن توجّه ضربة نووية مرتدة (الضربة الثانية). لذلك، تحتاج إيران إلى ما لا يقل عن 5 إلى 10 رؤوس حربية نووية. وتُوزَّع القنابل النووية على مواقع جغرافية مختلفة، في شبكات الأنفاق تحت الأرض، أو في قواعد جبلية محصنة، أو استخدام منصات إطلاق متحركة.

لن تعلن القيادة الإيرانية عن نفسها قوة نووية، ولن تدخل في مواجهة، إلا إذا كانت قد أمّنت بالفعل الحد الأدنى المطلوب من الرؤوس النووية الذي يتجاوز 5 قنابل نووية

لذلك، لن تعلن القيادة الإيرانية عن نفسها قوة نووية، ولن تدخل في مواجهة، إلا إذا كانت قد أمّنت بالفعل الحد الأدنى المطلوب من الرؤوس النووية الذي يتجاوز 5 قنابل نووية، مع وسائل إيصال باليستية محصنة وموزعة جغرافيا، لتضمن حتمية الرد بالضربة الثانية. ودون هذا العدد، يظل إعلان امتلاك قنبلة واحدة مغامرة غير محسوبة قد تؤدي إلى تدمير الدولة.

إذا امتلكت إيران السلاح النووي، فإن هدفها الاستراتيجي لن يكون محو خصومها، فهذا انتحار عسكري، بل سيكون لحماية الداخل الإيراني من أي غزو عسكري أو ضربات تستهدف إسقاط النظام، مع فرض شروطها قوةً إقليميةً مهيمنةً، لا يمكن تجاهلها في أي ترتيبات أمنية بالمنطقة.

مجرد امتلاك إيران للسلاح النووي، سيخلق ديناميكية جيوسياسية مرعبة، حيث سينهار نظام منع الانتشار النووي (NPT) تماماً في الشرق الأوسط، وسندخل في سباق تسلح نووي إقليمي، تسعى فيه دول أخرى في المنطقة لامتلاك السلاح النووي لحماية نفسها.