فوضى الأسعار في الجزائر... وقلق في الشارع من غلاء الخضر والغذاء
استمع إلى الملخص
- ضعف الرقابة وغياب الشفافية يسهمان في تجاوز الأسعار المرجعية، والجهود الحكومية لضبط السوق لا تزال محدودة الأثر.
- دعا الخبراء إلى تنظيم السوق، تحسين البنية التحتية، تقليص الوسطاء، وإنشاء نظام وطني لتتبع المنتجات لتحقيق العدالة الاجتماعية في الأسعار.
تشهد الأسواق الجزائرية منذ أسابيع فوضى كبيرة في أسعار الخضر وبعض المواد الغذائية غير المدعمة، جعلت المستهلكين يعيشون حالة من التذمر والقلق أمام غلاء متصاعد لا يجدون له تفسيرًا منطقيًا.
فأسعار المنتجات الفلاحية الأساسية ارتفعت بشكل لافت، إذ بلغ سعر الطماطم في بعض المناطق نحو 160 دينارًا للكيلوغرام الواحد، بينما لا تتعدى 80 دينارًا في مناطق أخرى، وتجاوز سعر الفاصولياء الخضراء 250 دينارًا وسُعِّرت بما دون 180 دينارًا في أسواق مغايرة، كما وصلت البطاطا إلى حدود 85 دينارًا في بعض المناطق (الدولار = 130.25 دينارًا)، وهي أرقام تفوق بكثير ما كان عليه الوضع قبل أشهر قليلة. هذا الارتفاع غير المبرر في أسعار المواد الأساسية يُثقل كاهل المواطن البسيط الذي أصبح عاجزًا عن اقتناء حاجاته اليومية المعتادة، حسب مواطنين لـ"العربي الجديد".
يرى الكثير من المتتبعين أن الأسباب الحقيقية وراء هذه الأزمة متعددة، أبرزها تعدد الوسطاء والمضاربين الذين يتحكمون في مسار السلعة المنتجة من الحقول إلى أسواق التجزئة. فالفلاح يبيع منتجه بسعر منخفض في أسواق الجملة، لكن السعر يتضاعف عدة مرات قبل أن يصل إلى المستهلك نتيجة تكاليف النقل والتخزين والمضاربة غير المشروعة. كما أن العوامل المناخية تلعب دورًا مؤثرًا في هذا التذبذب، إذ تؤدي موجات الجفاف التي تعاني منها الجزائر حاليًا إلى تراجع الإنتاج وارتفاع الأسعار.
يؤكد مواطنون وتجار أن ضعف الرقابة على الأسواق زاد من تفاقم الوضع، حيث يتم تجاوز الأسعار المرجعية التي تحددها وزارة التجارة من دون أي تدخل فعّال من الجهات المعنية، كما أن غياب الشفافية في قنوات التوزيع ونقص المخازن المنظمة يُسهمان في خلق بيئة خصبة للمضاربة، في حين يُشير الفلاحون إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة، وهو ما ينعكس بدوره على السعر النهائي للسلعة.
في ظل هذه الظروف، تبقى الجهود المبذولة من طرف الحكومة قاصرة، بينما تحاول ضبط السوق من خلال متابعة الأسعار يوميًا وضخ كميات إضافية من المنتوجات الفلاحية للحد من الندرة، إضافة إلى مشاريع لإنشاء مخازن تبريد ومراكز توزيع جديدة تقلص من تدخل الوسطاء. فهذه الإجراءات لا تزال محدودة الأثر، إذ تبقى الأسعار في كثير من الأحيان خارج السيطرة، خصوصًا خلال الفترات الموسمية أو المناسبات الدينية التي يزداد فيها الطلب، في حين يجد المواطن نفسه مضطرًا أمام هذا الواقع لتقليص مشترياته أو الاستغناء عن بعض الأنواع التي كانت سابقًا أساسية في مائدته اليومية.
فوارق سعرية غير مقبولة
قال رئيس جمعية حماية المستهلك وإرشاده وعضو المجلس الوطني الاجتماعي والاقتصادي والبيئي مصطفى زبدي إنّ وجود فوارق بسيطة ومقبولة بين الأسعار احتمال وارد، مردّها مجموعة من العوامل على غِرار قيمة كراء المحل، تكلفة النقل، ومكان المحل من حيث الاكتظاظ والإقبال وغيرها، قبل أن يستدرك: "لكن عندما يتعلق الأمر بأسعار مضاعفة، فإنّ هذا الأمر غير مقبول، ولا تُبرّرها هذه الأسباب، لا سيما أنّ نقل المنتجات الغذائية نحو الولايات الجنوبية مُدعم من قبل الدولة، وبالتالي فالتّحجج بأنّ الزيادات في الأسعار تهدف لتغطية هذه التكاليف مردود عليه".
ولاحظ زبدي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنّ الفوارق الكبيرة في أسعار المنتج الزراعي نفسه من خضر أو فاكهة بين منطقة وأخرى أصبحت تستمر عدة أيام قبل أن ترجع إلى طبيعتها، وأشار إلى أنّ خلايا رصد المنظمة على الصعيد الميداني توصلت إلى أنّ الظاهرة تعود لمجموعة أسباب، في مقدمتها جشع بعض التجار والمراهنة على عدم معرفة المواطنين، أو بالأحرى المستهلك، الأسعار، "فنجد ممارسات هؤلاء التجار تقوم على بيع المنتجات بهوامش ربح مبالغ فيها رغم شرائها بأسعار متدنية، والاستمرار على ذلك إلى غاية أن تعمّ المعلومة بأنّ السعر تراجع".
ولم يستثنِ زبدي العوامل الأخرى التي ترتبط بفترات تراجع المخزون، والتي يرى أنّها تؤدي إلى تذبذب كبير في أسعار المنتجات ولا تدوم مدة طويلة.
أما عن طريقة معالجة الظاهرة، فالحل يكمن بالنسبة لزبدي في ضرورة إعادة ضبط السوق وتنظيمها، وهي المهمة التي وصفها بالورشة الكبيرة المفتوحة أمام وزارة التجارة الداخلية تحت إشراف الوزيرة الوافدة الجديدة على رأسها، فالعملية تبدأ بالاعتراف بالاختلالات التي تعاني منها منظومة السوق لاتخاذ التدابير الكفيلة بمواجهتها، موازاة مع تشديد الرقابة لفرض القانون والتحكم في المعاملات التجارية المحلية.
تغيير نظام المعادلة
من جهتها، أثارت بعض الأحزاب السياسية التي تستعد لخوض معركة الانتخابات التشريعية المقبلة (انتخابات النيابة في المجلس الشعبي الوطني) هذه المسألة، واعتبرتها الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون إحدى الظواهر التي تخلق اختلالًا بين مناطق الوطن وتشجع على توسيع الهوة في الفوارق الموجودة.
ودعت حنون خلال لقاء نظمته في ولاية عنابة، جمعت فيه ولايات شرق البلاد، إلى ضرورة العمل على تغيير نظام المعادلة في نقل البضائع والسلع، لا سيما الأساسية منها، وأشارت إلى تأثير ذلك المباشر على أسعار المنتجات، بينما خصَّت بالذكر الأسعار المتعامل بها على مستوى المناطق الحدودية وأقصى الجنوب، ما اعتبرته اختلالًا غير مقبول من الناحية الاجتماعية، وأكدت في برنامجها الانتخابي العمل على محاربته من خلال تبني قوانين وأنظمة على مستوى قبة البرلمان تحول دون استمرار هذه الوضعية.
محاربة المضاربة
بدوره، على الرغم من أنّ الخبير وأستاذ الاقتصاد في جامعة الجزائر عبد الرحمن عية اعتبر أنّ المسألة تعود في الأساس لتطبيقات القاعدة المعروفة في النشاط التجاري والمتعلقة بالعرض والطلب، بحكم أنّ المنتجات والسلع المعنية لا تستفيد من دعم الدولة لتحديد الأسعار، إلاّ أنّه عاد ليؤكد أنّ الاختلال الكبير في سعر المنتج نفسه في الوقت نفسه بين منطقة وأخرى يستدعي الوقوف عنده والعمل على معالجة أسبابه.
ومن أجل ذلك، أشار الخبير في تصريحه لـ"العربي الجديد" إلى مجموعة من المظاهر والممارسات تؤثر سلبًا على مستوى الأسعار المطبقة، من بينها ما هو مُجَرَّم من الناحية القانونية، كما هو الشأن بالنسبة للمضاربة والاحتكار قصد تحقيق أكبر قَدْر ممكن على حساب المواطنين أو بالأحرى المستهلكين. وقال إنّ الجهات الوصية تعمل على محاربته بالترسانة القانونية الموضوعة مؤخرًا لضبط النشاط التجاري، وتشديد الرقابة على عمل التجار ونقل البضائع على طول السلسلة من الإنتاج إلى تجار التجزئة مرورًا بتجار الجملة.
وأشار أيضًا إلى مظاهر أخرى تعاني منها السوق المحلية، كضعف آليات التخزين والعجز في غرف التبريد والاضطراب في النقل، خاصة تلك المتجهة إلى المناطق النائية والبعيدة، وهو المحور الذي دعا وزارة التجارة الداخلية وضبط السوق إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتسويته، تحقيقًا للعدالة الاجتماعية بين مختلف مناطق الوطن في الحصول على المواد الغذائية والخضر بالسعر نفسه، أو تفادي فوارق كبيرة على الأقل.
ومن ثَمَّ، فقد أوضح الخبير أن الحل لا يكمن في الحملات الظرفية أو التسقيف المؤقت للأسعار، بل في إصلاحات هيكلية شاملة تشمل تقليص عدد الوسطاء، وإنشاء نظام وطني لتتبع المنتجات الزراعية من المزرعة إلى المستهلك، وتحسين البنية التحتية للتخزين والتبريد، إضافة إلى فرض رقابة صارمة على المضاربين وتطبيق الأسعار المرجعية.