هل يقود الذكاء الاصطناعي الأسواق أم يجرّها إلى فقاعة جديدة؟
استمع إلى الملخص
- تقرير واشنطن بوست أشار إلى مخاطر الإنفاق الرأسمالي الضخم في الذكاء الاصطناعي، بينما ترى بلاك روك أن الوضع يختلف عن فقاعة الإنترنت بفضل الاعتماد على الأرباح المحتجزة.
- أظهر استطلاع بنك أوف أميركا قلقًا من الإفراط في الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، رغم التفاؤل بزيادة الإنتاجية على المدى الطويل.
في أقل من أسبوع واحد، قدّمت الأسواق العالمية صورتين متناقضتين تماماً عن أسهم الذكاء الاصطناعي، من جهة، قفزة جديدة تقودها إنفيديا، ومن جهة أخرى، تحذيرات متصاعدة من صناديق استثمار عالمية تخشى من عُسر هضم استثماري قد يتحوّل إلى انفجار مؤلم.
تقرير لـ"بلومبيرغ" بتاريخ 20 تشرين الثاني/نوفمبر أشار إلى أن أرباح إنفيديا وتوجيهاتها القوية للإيرادات بددت، ولو مؤقتاً، المخاوف من أنّ صناعة الذكاء الاصطناعي ليست سوى فقاعة مالية أخرى، بعدما قفز السهم بنحو 3.7% وأصبح أكبر مساهم في ارتفاع مؤشر S&P 500، وجرّ معه مؤشرات كوريا الجنوبية وتايوان واليابان إلى المنطقة الخضراء.
في المقابل، نقل تحليل لوكالة رويترز بتاريخ 19 تشرين الثاني/نوفمبر عن مديري أصول عالميين قلقاً واضحاً من أن حجم الإنفاق والديون المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد يقود إلى ما سمّاه التقرير عُسر هضم استثماري. بين هذين الخطّين، تتزايد الأسئلة: هل نحن أمام ثورة اقتصادية حقيقية يقودها الذكاء الاصطناعي، أم أمام فقاعة جديدة تذكّر بفقاعة الإنترنت في مطلع الألفية؟
موجة ارتياح تقودها إنفيديا.. لكن بعيون متشككة
وفق تقرير "بلومبيرغ"، جاءت نتائج إنفيديا الأخيرة بمثابة جرعة طمأنة للأسواق، توقعات متفائلة للإيرادات، استمرار في نمو الطلب على الشرائح المستخدمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، وحركة صعود واسعة شملت أسهم مورّديها في طوكيو وتايبيه وسيول، من Tokyo Electron، Advantest، Lasertec، إلى TSMC، Samsung Electronics، وASML.
لكن هذه الموجة لم تُنهِ الجدل، المحلل ديلين وو من Pepper stone Group قال لـ"بلومبيرغ" إن ما يحدث أقرب إلى موجة ارتياح منه إلى إعادة ضبط كاملة لمخاوف التقييم، محذّراً من أن الأسئلة الأعمق ما زالت بلا إجابة، هل تستطيع شركات التكنولوجيا العملاقة تسليع (monetize) استثماراتها الهائلة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي؟ وإلى أي مدى يمكن أن يستمر الإنفاق الممول جزئياً بالديون من دون خلق اختلالات مالية جديدة؟ حتى الأصوات الأكثر تفاؤلاً في السوق تربط هذه الموجة بعوامل أخرى، منها تراجع الرهانات على خفض وشيك في الفائدة من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كما نقلت بلومبيرغ عن فاي-سيرن لينغ من Union Bancaire Privé، الذي وصف السوق بأنها مشغولة اليوم بتبديد المخاوف أكثر من البحث عن محفزات إيجابية جديدة.
بين فقاعة ولا فقاعة
تحقيق موسّع في صحيفة واشنطن بوست بتاريخ 22 تشرين الثاني/نوفمبر حاول أن يقدّم صورة متوازنة تقسم الحجج إلى نصفين: أربع تقول إننا في فقاعة، وأربع تشير إلى العكس.
حجج الفقاعة عبر استثمار ضخم، وعوائد غير مضمونة
أبرز هذه الحجج يرتبط بحجم الإنفاق الرأسمالي. تقديرات JPMorgan، كما نقلتها الصحيفة، تفيد بأن صناعة التكنولوجيا تحتاج إلى نحو 650 مليار دولار من الإيرادات الإضافية سنوياً حتى 2030 لتحقق عائداً بسيطاً بحدود 10% على استثمارات الذكاء الاصطناعي الحالية. هذا الرقم يعادل تقريباً ضعف إجمالي مبيعات غوغل في 2024، ما يطرح سؤالاً حاداً حول قدرة السوق على استيعاب هذه العوائد.
التحقيق أشار أيضاً إلى صفقات دائرية في القطاع: استثمارات متبادلة بين شركات مثل OpenAI وNvidia وOracle، حيث يمول المورّد العميل الذي يعود لينفق مليارات الدولارات مع المورّد نفسه، وهي بنية تمويلية شبّهها بعض المحللين بالأنماط التي سبقت انفجار فقاعة الإنترنت.
إلى جانب ذلك، لفتت واشنطن بوست إلى دراسة أنجزتها Scale AI ومركز أمان الذكاء الاصطناعي أظهرت أن أفضل أنظمة الذكاء الاصطناعي لم تستطع إنجاز سوى 2.5% من المهام العملية التي شملت إعداد إعلانات مصورة وخطط تصميم داخلي، في إشارة إلى أن التقنية ما زالت بعيدة عن أداء عمل حقيقي على نطاق واسع. ودراسة أخرى لجامعة ييل خلصت إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعطّل سوق العمل بطريقة جوهرية حتى الآن.
حجج ليست فقاعة: استخدام فعلي وقدرات تتطور
في المقابل، استند التحقيق نفسه إلى بيانات من OpenAI تشير إلى أن ChatGPT يضم أكثر من 800 مليون مستخدم أسبوعياً، وهي وتيرة انتشار قياسية مقارنة بتطبيقات اجتماعية مثل تيك توك. كما استشهد بتقارير من منظمة METR غير الربحية تُظهر أن طول المهام البرمجية التي تستطيع النماذج إنجازها بنجاح يتضاعف تقريباً كل سبعة أشهر منذ ست سنوات، ما يعني أن القدرات التقنية لا تزال تتحسن بوتيرة أُسّية. وعلى جبهة الأعمال، اعتمد التقرير على بيانات مكتب الإحصاء الأميركي التي تؤكد أن نسبة الشركات التي تستخدم أو تخطط لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في أعمالها تتزايد باطراد، ما يوحي بأننا أمام موجة اعتماد تدريجي أكثر من كوننا أمام موضة عابرة.
تشابه في الشكل.. اختلاف في الجوهر عن فقاعة الإنترنت
مؤسسة بلاك روك الاستثمارية، عبر أكثر من ورقة تحليلية (منها تقرير لكريستي أكوليان في 6 تشرين الثاني/نوفمبر وتحليل آخر لكارولين بارنيت ومارك بيترسون في 11 تشرين الثاني/نوفمبر)، تتبنّى موقفاً واضحاً: هذه ليست نسخة مكررة من فقاعة الإنترنت. بحسب أرقام بلاك روك، فإن قطاع تكنولوجيا المعلومات في مؤشر S&P 500 يتداول اليوم عند مضاعف ربحية مستقبلي يقارب 30 مرة، وهو أعلى من المتوسط التاريخي، لكنه أقل من مضاعف 55 مرة الذي وصل إليه القطاع في ذروة فقاعة الإنترنت.
وعلى مستوى الأسهم القيادية، تشير المقارنة التي أجرتها المؤسسة إلى أن كبار شركات الإنترنت في 2000 مثل مايكروسوفت، سيسكو، إنتل، أوراكل كانت تتداول عند نحو 70 ضعف الأرباح المتوقعة لعامين قادمين، في حين يبلغ مضاعف الربحية المستقبلي لعامين اليوم حوالي 26 ضعفاً لأكبر المنفقين على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي مايكروسوفت، ألفابت، أمازون، ميتا، أي ما يُعرف بـالهايبرسكيلرز.
وتعترف بلاك روك بوجود مخاطر تركّز عالية، إذ تشكّل أسهم السبعة الرائعين (أبل، إنفيديا، مايكروسوفت، أمازون، تسلا، ألفابت، ميتا) نحو 35% من القيمة السوقية لمؤشر S&P 500، لكنها تؤكد أن هذا التركّز لا يساوي بالضرورة فقاعة، طالما أن هذه الأسماء هي نفسها مصدر القسم الأكبر من نمو الأرباح.
التمويل: من الأرباح لا من الديون
إحدى النقاط الجوهرية في تحليل بلاك روك تتعلق بمصدر التمويل، خلافاً لفترة الدوت كوم، حين كانت شركات ناشئة ضعيفة الأرباح تعتمد بكثافة على التمويل الرخيص، يرى محللو المؤسسة أن معظم الإنفاق الرأسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي اليوم يأتي من الأرباح المحتجزة والتدفقات النقدية التشغيلية لشركات عملاقة ذات ميزانيات عمومية قوية، وليس من ديون هشة.
نعم، هناك ديون مرتبطة بمزوّدي سحابة متخصصين ومشاريع ضخمة محددة، لكن بلاك روك تصنّفها في خانة تمويل المشاريع الذي يكون عادة مدعوماً بالعقود طويلة الأجل والأصول الملموسة (مراكز بيانات، معدات، شرائح)، لا بالرهانات على نماذج أعمال لم تُختبر بعد. في خلاصة موقفها، ترى بلاك روك أن مخاطر الائتمان المرتبطة بالذكاء الاصطناعي محلية وليست نظامية، وأن قنوات انتقال الصدمة المالية اليوم أضيق بكثير مما كانت عليه بين 1999 و2001.
بنك أوف أميركا: أكبر خطر ذي ذيل في 2026
في الضفة الأخرى من النقاش، ينقل تقرير "رويترز" عن استطلاع شهري لبنك أوف أميركا أن أكثر من نصف مديري الصناديق العالميين يرون أن الشركات باتت تفرط في الاستثمار، بسبب حجم الطفرة في الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي. نحو 55% من هؤلاء المديرين يعتبرون أن المراكز الطويلة في أسهم التكنولوجيا الأميركية العملاقة هي الآن الصفقة الأكثر ازدحاماً عالمياً، فيما يرى أكثر من 50% أن الذكاء الاصطناعي فقاعة فعلية، ويعدّه حوالي 45% أكبر خطر ذي ذيل يواجه الاستثمارات العالمية في عام 2026، أي ثلاثة أضعاف ثاني أكبر خطر في ترتيبهم.
الأكثر لفتاً للانتباه هو تراجع متوسط السيولة النقدية في محافظهم إلى 3.7% فقط من إجمالي الأصول، وهو مستوى يقول محللو بنك أوف أميركا إنه سُجّل 20 مرة فقط منذ 2002، وفي كل مرة تلاه أداء ضعيف للأسهم وتفوق للسندات الأميركية على مدى الأشهر الثلاثة التالية. ورغم هذا التشاؤم النسبي، تكشف نتائج الاستطلاع أيضاً أن غالبية الصناديق تعتقد أن الذكاء الاصطناعي بدأ فعلاً برفع الإنتاجية، وأن انتشار هذه المكاسب قد يكون أكثر ما يدفعهم للتفاؤل في 2026. بمعنى آخر، الجميع تقريباً يؤمن بقصة الذكاء الاصطناعي على المدى الطويل، لكن الخلاف يدور حول السعر، التوقيت، وحجم المخاطر في الطريق.
أين تقف الحقيقة بين الفقاعة والثورة؟
إذا جمعنا خيوط هذه المصادر معاً، بلومبيرغ، واشنطن بوست، تحليلات بلاك روك، واستطلاع بنك أوف أميركا كما نقلته "رويترز"، تتشكل صورة مركّبة لا تُختزل بجواب بسيط بنعم أو لا:
• من جهة، هناك طلب استهلاكي ومؤسساتي حقيقي، شركات تحقق أرباحاً ضخمة مثل إنفيديا، وقصص نمو فعلي في الإنتاجية بدأت تظهر في الدراسات والاستطلاعات.
• من جهة ثانية، هناك تقييمات مرتفعة، إنفاق رأسمالي غير مسبوق، وصفقات تمويل معقدة تحمل تشابهاً غير مريح مع فترات سابقة انتهت بانفجارات مؤلمة.
ربما تكون الصياغة الأدق اليوم أن نقول إننا أمام فقاعات موضعية داخل مسار تحوّل اقتصادي حقيقي، بعض الأسماء والمشاريع قد تكون مُسعَّرة بأحلام لن تتحقق بالكامل، حتى لو استمر الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي. و في النهاية، لا خلاف بين المصادر على أن الذكاء الاصطناعي سيغيّر شكل العمل والإنتاجية والاستثمار خلال السنوات المقبلة.
الخلاف الحقيقي يتمحور حول سؤالين بسيطين ومعقّدين في آن واحد، من سيدفع كلفة التعديلات المؤلمة إذا ثبت أن جزءاً من هذه التوقعات كان مبالغاً فيه؟ وهل سيتعلم المستثمرون من تجربة عام 2000، أم سيكتشفون للمرة الثانية أن الثورات التكنولوجية قد تنتهي سعيدة.. لكن ليس بالضرورة لكل من شارك في تمويلها؟