فرنسا على حافة إغلاق حكومي وشيك

23 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 15:00 (توقيت القدس)
احتجاجات شهدتها فرنسا طيلة العام، باريس 10 سبتمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يناقش البرلمان الفرنسي مشروع قانون طارئ لتجنب إغلاق حكومي، بعد فشل مفاوضات موازنة 2026، بهدف ضمان استمرارية المرافق العامة استناداً إلى موازنة 2025، وسط انقسامات سياسية.
- تواجه فرنسا تحديات اقتصادية كبيرة، منها العجز المالي المرتفع والديون المتزايدة، بسبب النموذج الاقتصادي الذي يعتمد على إنفاق عام مرتفع، مما زاد تعقيداً بسبب جائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا.
- تسعى الحكومة لطمأنة المستثمرين عبر خفض العجز، لكنها تواجه معارضة واسعة، ويُعتبر القانون الطارئ حلاً مؤقتاً لأزمة أعمق تتطلب موازنة مستدامة.

يناقش البرلمان الفرنسي المنقسم، اليوم الثلاثاء، مشروع قانون طارئ يهدف إلى تفادي إغلاق حكومي، على غرار ما يحدث في الولايات المتحدة، الأسبوع المقبل، وذلك عقب انهيار المفاوضات حول موازنة عام 2026. ومع بقاء أيام قليلة قبل نهاية العام، عقد الرئيس إيمانويل ماكرون وأعضاء حكومته اجتماعاً مساء الاثنين لعرض مسودة موجزة للقانون، الذي يهدف إلى ضمان استمرارية الحياة الوطنية وعمل المرافق العامة، بما في ذلك تحصيل الضرائب وتوزيعها على السلطات المحلية، استناداً إلى مستويات الضرائب والإنفاق المعتمدة في موازنة عام 2025، بحسب ما أفادت الحكومة، وفق وكالة أسوشييتد برس.

وأدخل نواب الجمعية الوطنية، وهي الغرفة السفلى القوية في البرلمان الفرنسي، تعديلات عدّة على مشروع القانون، ومن المتوقع التصويت عليه في وقت متأخر من مساء الثلاثاء، على أن يُحال لاحقاً إلى مجلس الشيوخ. ومن المرجح أن يُقرّ المشروع رغم الانقسامات العميقة بين المعسكرات الثلاثة الرئيسية داخل الجمعية: حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبان، وقوى اليسار، وحكومة ماكرون الوسطية ذات الأغلبية الأقلية.

لكن الخطوة التالية تبدو أكثر تعقيداً، إذ تتمثل في إعداد موازنة فعلية لعام 2026 وتفادي اندلاع أزمة سياسية جديدة. ويواجه ماكرون ضغوطاً متزايدة لخفض العجز الكبير إلى 5%، واستعادة ثقة المستثمرين في الاقتصاد الفرنسي، بعدما أدّى الجمود السياسي المطوّل والاضطرابات الناتجة عن قراره غير الموفق بالدعوة إلى انتخابات مبكرة العام الماضي إلى تقويض تلك الثقة. وفي السياق، قال وزير المالية رولان ليسكور، في تصريح لقناة (BFM) التلفزيونية: "نحتاج إلى موازنة في أسرع وقت ممكن حتى نتمكّن من المضي قدماً. وكلما طال أمد الموازنة المؤقتة، زادت كلفتها".

وتتميز فرنسا بمستوى مرتفع من الإنفاق العام، مدفوعاً ببرامج سخية للرعاية الاجتماعية، والرعاية الصحية، والتعليم، إلى جانب عبء ضريبي ثقيل لا يكفي لتغطية هذه التكاليف. ومن المتوقع أن يلقي رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، الذي كان قد استقال ثم أُعيد تعيينه هذا الخريف، خطاباً عاماً في وقت لاحق من الثلاثاء حول وضع الموازنة. وكانت حكومة لوكورنو ذات الأغلبية الأقلية قد نالت متنفساً في وقت سابق من هذا الشهر، عندما وافق البرلمان بصعوبة على مشروع قانون أساسي لموازنة الرعاية الصحية، لكن ذلك جاء على حساب تعليق إصلاح المعاشات التقاعدية، الذي كان يُعدّ من أبرز مشاريع ماكرون، والهادف إلى رفع سن التقاعد من 62 إلى 64 عاماً.

تواجه فرنسا واحدة من أكثر مراحلها الاقتصادية حساسية منذ سنوات، في ظل تفاقم العجز المالي، وارتفاع الدين العام، وتراجع ثقة الأسواق، وسط مشهد سياسي منقسم يعرقل تمرير الإصلاحات الأساسية. ويُقدَّر العجز في الموازنة الفرنسية حالياً بنحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى يتجاوز السقف الذي يوصي به الاتحاد الأوروبي، ما يضع باريس تحت ضغط متزايد من المؤسسات الأوروبية ووكالات التصنيف الائتماني.

ويعود هذا الوضع جزئياً إلى النموذج الاقتصادي الفرنسي القائم على إنفاق عام مرتفع، تُشكّل فيه برامج الرعاية الاجتماعية، والصحة، والتعليم، والدعم الحكومي حصة كبيرة من الموازنة. وعلى الرغم من العبء الضريبي المرتفع مقارنة بدول أوروبية أخرى، فإنّ الإيرادات لا تزال غير كافية لتغطية هذه النفقات، ما يفرض على الدولة اللجوء المستمر إلى الاقتراض.

وزادت التحديات الاقتصادية تعقيداً منذ جائحة كوفيد-19، ثم تداعيات الحرب في أوكرانيا، التي دفعت الحكومة إلى تبنّي سياسات دعم واسعة للأسر والشركات لمواجهة التضخم وارتفاع أسعار الطاقة، ما فاقم الضغوط على المالية العامة، كما أدت حالة عدم الاستقرار السياسي، ولا سيّما بعد قرار الرئيس إيمانويل ماكرون الدعوة إلى انتخابات مبكرة، إلى تعطيل مسار الإصلاحات وإضعاف قدرة الحكومة على تمرير موازنات متوازنة في البرلمان.

وفي هذا السياق، تسعى الحكومة إلى طمأنة المستثمرين والحفاظ على تصنيف فرنسا الائتماني، عبر الالتزام بخفض العجز وضبط الإنفاق، إلّا أن هذه الجهود تصطدم بمعارضة سياسية واجتماعية واسعة، خصوصاً في ما يتعلق بإصلاحات حساسة مثل نظام التقاعد. ويُنظر إلى أي تأخير في إقرار موازنة مستقرة على أنه عامل يزيد من كلفة الاقتراض ويهدد استقرار المالية العامة، ما يفسر استعجال الحكومة لتفادي سيناريو الإغلاق الحكومي وضمان استمرارية عمل الدولة إلى حين التوصل إلى موازنة شاملة لعام 2026.

ولا يبدو القانون الطارئ سوى مسكّن مؤقت لأزمة أعمق تضرب قلب النموذج المالي والسياسي الفرنسي. فبين برلمان منقسم، وضغوط أوروبية متصاعدة، ومخاوف متزايدة لدى المستثمرين، تجد باريس نفسها أمام اختبار حاسم لقدرتها على إنتاج موازنة مستدامة تعيد ضبط العجز وتفادي كلفة سياسية واقتصادية أعلى. وبينما ينجح هذا الإجراء في منع شلل فوري لمؤسّسات الدولة، يبقى الرهان الحقيقي على ما إذا كانت الحكومة قادرة على تحويل هذا الهامش الزمني الضيق إلى فرصة لإعادة بناء الثقة وفرض مسار إصلاحي قابل للحياة.

المساهمون