فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، إسبانيا... أين تعمل ولا تأكل الضرائب راتبك؟
استمع إلى الملخص
- رغم ارتفاع تكاليف العمالة، تُعتبر الأجور المنخفضة في فرنسا أقل تكلفة بفضل التخفيضات في اشتراكات الضمان الاجتماعي، لكن الفجوة تتسع مع ارتفاع الرواتب.
- تمثل الاشتراكات الاجتماعية نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي في فرنسا، حيث يدفع أصحاب العمل نحو ثلثيها، ومع ذلك، تلعب التخفيضات على الأجور المنخفضة دورًا في الحفاظ على التنافسية.
أطلقت منظمة أرباب العمل الفرنسية (Medef) أخيراً محاكاة لتسليط الضوء على عبء مساهمات الضمان الاجتماعي والضرائب على الأجور في فرنسا مقارنة بجيرانها. وبينما تتميز فرنسا بارتفاع مساهمات أصحاب العمل، إلا أنها لا تُصنّف ضمن الدول الأكثر فرضاً للضرائب على العمالة بعد أخذ جميع الاقتطاعات في الاعتبار.
وكان من المفترض أن تكون هذه المحاكاة فرصة لقادة الأعمال للتجمع والتعبير عن استيائهم. لكن كل شيء تأجل بما فيه "الاجتماع الضخم" الذي وعدت به المنظمة في 13 أكتوبر/ تشرين الأول، للتنديد بزيادة عبء ضرائب الشركات في موازنة 2026، "للمساهمة في تهدئة البلاد" في خضم أزمة سياسية غير مسبوقة. لكن غضب كبار المديرين التنفيذيين، الذين ينتقدون بانتظام عبء الضرائب والمساهمات الأخرى على شركاتهم، لا يزال قائماً. ويتجلى ذلك في هذه المحاكاة التي أطلقها "ميديف" قبل أيام قليلة لتوضيح مدى تكاليف العمالة التي تتحملها الشركات الفرنسية مقارنة بنظيراتها الأوروبية.
ارتفاع تكاليف العمالة في فرنسا
من خلال هذه المحاكاة المنشورة على الموقع الإلكتروني لـ"ميديف"، التي بررت نشرها بأنه محاولة منها "لتوضيح واقع هيكلي يشير إلى أن تكلفة العمالة في فرنسا لا تزال أعلى بكثير من تلك المُلاحظة في ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا".
وسلطت "ميديف" الضوء على حالة موظف يتقاضى 3000 يورو إجمالياً في أكبر أربع دول في الاتحاد الأوروبي، وتوصلت إلى أن هذا الموظف سيحصل على 2370 يورو صافية في فرنسا، شأنه شأن الموظف العامل في ألمانيا، بينما سيحصل على 2724 يورو في إيطاليا، وحتى 2806 يورو في إسبانيا. والفرق تصنعه مساهمات الضمان الاجتماعي للموظفين.
وأشارت مقارنة "ميديف" إلى أن الاختلاف الأبرز في هذه الرواتب يتعلق بالراتب "الخام الكامل" (الراتب الذي يشمل مساهمات كل من الموظف وصاحب العمل في الضمان الاجتماعي)، فمقابل هذا المبلغ (3000 يورو)، سيدفع صاحب العمل 3675 يورو في ألمانيا، و3930 يورو في إيطاليا، و3962 يورو في إسبانيا، و4071 يورو في فرنسا. ويُمثل هذا فرقاً يقارب 11% في تكاليف العمالة بين فرنسا وجارتها الأكثر تنافسية.
كذلك أوردت المنظمة مثالاً آخر لدفع راتب صاف قدره 2190 يورو في فرنسا، وهو ما يُعادل متوسط الراتب في القطاع الخاص، إذ يتعين هنا على أي شركة فرنسية دفع 3619 يورو (ما يُعادل راتباً إجمالياً بالخام الكامل). وبالراتب الإجمالي نفسه، يتقاضى الموظف الألماني أجراً أقل بقليل من الموظف الفرنسي (صافي 2163 يورو). مع ذلك، سيكون الأجر الصافي أعلى بكثير في إيطاليا (2486 يورو) وإسبانيا (2561 يورو). وفي جميع الحالات ستكون التكلفة الإجمالية للشركة أقل في الدول المجاورة: 3354 يورو في ألمانيا (-7.3%)، و3587 يورو في إيطاليا (-0.9%)، و3616 يورو في إسبانيا (-0.1%).
وتتسع الفجوات مع صعود سلم الرواتب. إذ ضربت المنظمة مثالاً بمدير تنفيذي يتقاضى راتباً إجمالياً قدره 4000 يورو شهرياً، وبالتالي سيتعين على الشركة الفرنسية دفع 5668 يورو، مقارنة بـ 4900 يورو في ألمانيا (-13.5%)، و5240 يورو في إيطاليا (-7.6%)، و5283 يورو في إسبانيا (-6.8%).
استثناء الأجور المنخفضة
هذه الملاحظة دفعت منظمة أرباب العمل الفرنسية (Medef) إلى التصريح بأنه "مع اشتراكات ضمان اجتماعي مساوية لاشتراكات الدول المجاورة، ستنخفض تكاليف العمالة في فرنسا على أصحاب العمل، وسترتفع أجور الموظفين الصافية".
ومع ذلك، فإن تكلفة العمالة للأجور المنخفضة أعلى بكثير في الدول المجاورة. فمقابل راتب إجمالي قدره 1802 يورو، وهو ما يعادل الحد الأدنى للأجور (SMIC)، ستدفع شركة فرنسية 1877 يورو، مقارنة بـ 2207 يورو في ألمانيا (+17.8%)، و2361 يورو في إيطاليا (+25.8%)، و2380 يورو في إسبانيا (+26.8%). وقد كان هذا هو الحال بشكل خاص منذ إلغاء ضريبة الدخل على الشركات في عام 2019، التي تحولت إلى خفض المساهمات لدعم القدرة التنافسية للشركات.
وتُقر منظمة أرباب العمل بأن "العديد من النفقات الاجتماعية تُموَّل جماعياً في فرنسا، بينما يتحمّلها الأفراد بشكل أكبر في دول أخرى، ما يفسّر انخفاض مستواها هناك". إذ تتميز فرنسا بالفعل بتغطية أوسع للضمان الاجتماعي، فيما تُغطى حصة أكبر من نفقات الرعاية الصحية والتقاعد بشكل خاص في بعض الدول المجاورة.
وترى "ميديف" أنه في ما يخص الأجور المنخفضة، فإن تكلفة العمل عند الجيران أعلى بكثير من فرنسا. فمقابل راتب إجمالي قدره 1802 يورو، وهو ما يعادل الحد الأدنى للأجور في فرنسا، تدفع الشركة الفرنسية 1877 يورو، مقابل 2207 يورو في ألمانيا (+17.8%)، و2361 يورو في إيطاليا (+25.8%)، و2380 يورو في إسبانيا (+26.8%). وقد برز هذا الفارق بشكل أوضح منذ إلغاء الائتمان الضريبي للتنافسية والتوظيف في عام 2019، الذي حُوِّل إلى تخفيض في اشتراكات الضمان الاجتماعي لدعم تنافسية الشركات.
وحسب مكتب الإحصاء الأوروبي "يوروستات"، فإن الاشتراكات الاجتماعية 14.7% مثّلت 428 مليار يورو من الناتج المحلي الإجمالي في فرنسا في عام 2024، مقابل متوسط قدره 13.1% داخل الاتحاد الأوروبي، وأرجع الخبير الاقتصادي فرانسوا إيكال في تصريحات أمس لقناة "بي.أف.أم.تيفي" هذا الفارق أساساً إلى ارتفاع مساهمات أرباب العمل في فرنسا، حيث يدفع أصحاب العمل نحو ثلثي الاشتراكات الاجتماعية، مقابل 57% فقط في منطقة اليورو و43% في ألمانيا. ورغم أن فرنسا كانت تتصدر أوروبا في مستوى هذه الاشتراكات عام 2018، أصبحت ألمانيا اليوم البلد الذي تمثل فيه الاشتراكات (وبخاصة اشتراكات الموظفين) أعلى نسبة من الناتج المحلي (16.4%). ومع ذلك، يوضح إيكال أنه لولا التخفيضات الكبيرة الممنوحة في فرنسا على الاشتراكات المفروضة على الأجور المنخفضة، لكانت فرنسا في وضع "خارج المنافسة" من حيث عبء الاشتراكات، لأن هذه التخفيضات تقلل كثيراً من الإيرادات التي كان يمكن أن تدخل خزينة الدولة.