فخ زيادة الأجور في تركيا... الأسعار تسبق الرواتب والليرة تدفع الثمن
استمع إلى الملخص
- من المتوقع أن تبدأ وزارة المالية التركية في تطبيق زيادات ضريبية جديدة في 2026، تشمل رسوم جوازات السفر والإقامة والضرائب على التبغ والكحول، مع استمرار دعم الطاقة.
- شهدت الأسواق التركية ارتفاعًا في أسعار بعض السلع بعد الإعلان عن زيادة الأجور، مما دفع وزارة التجارة إلى تكثيف الرقابة لحماية المستهلكين من الاستغلال.
تلقت الأسواق التركية خبر زيادة الحد الأدنى لرواتب وأجور القطاع الخاص بداية من اليوم الأول من يناير/كانون الثاني 2026، إلى جانب الزيادة السنوية لموظفي القطاع الحكومي، قبل أن يتقاضى العمال والموظفون هذه الزيادات فعلياً. وانعكس ذلك سريعاً على السوق بارتفاع أسعار بعض السلع والمنتجات الغذائية، وتراجع سعر صرف الليرة التركية، في وقت يسود فيه الترقب لقرارات حكومية محتملة، تتعلق برفع الضرائب والرسوم أو أسعار حوامل الطاقة. وتضع هذه التطورات تركيا أمام مرحلة جديدة من إعادة الهيكلة المالية مع دخول العام الجديد، وسط تساؤلات حول كيفية تأثير هذه التبدلات في مساعي الحكومة لخفض التضخم، والاستمرار في سياسة التيسير النقدي، وتخفيض أسعار الفائدة المصرفية.
وتعتمد الحكومة التركية سياسة ربط الأجور في القطاعين العام والخاص بنسبة التضخم، حيث ترفع سنوياً الحد الأدنى للأجور، وفق معدل التضخم السنوي. وفي هذا الإطار، رفعت أخيراً الحد الأدنى لأجور العاملين في القطاع الخاص بنسبة 27% مقارنة بعام 2025، ليصل إلى 28.075 ألف ليرة تركية، أي ما يعادل نحو 655.53 دولاراً. وجاءت زيادة عام 2026 أقل من معدل التضخم المعلن لشهر نوفمبر/تشرين الثاني، والبالغ 31.07%، في حين كانت زيادات الأعوام السابقة مساوية لمعدلات التضخم أو أعلى منها، إذ اضطرت الحكومة في بعض الفترات إلى رفع الأجور أكثر من مرة خلال العام، كما حدث في عامي 2022 و2023، عندما بلغ التضخم نحو 62% قبل أن يتراجع إلى 44.38%.
زيادة توافقية
ويرى المحلل والمدير التنفيذي في شركة مالية بإسطنبول، محمد الغزال، أن الزيادة الحالية تمثل حلاً توافقياً، أنصف عمال القطاع الخاص من دون تحميل أصحاب العمل أعباء إضافية كبيرة، سواء من حيث تكاليف الإنتاج، أو في ظل ما تعانيه بعض الشركات من صعوبات تمويلية وتسويقية. ويضيف أن هذه الزيادة لن تضخ فائضاً كبيراً من السيولة في السوق، بما قد ينعكس سلباً على سعر الصرف، الذي تراجع بأكثر من 21% خلال عام 2025. ويشير الغزال، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى أن معدل التضخم خلال العام المقبل "مرشح للتراجع إلى مستوى قريب من نسبة زيادة الحد الأدنى للأجور أو أقل"، وهو ما أخذته لجنة تحديد الأجور، التي تضم ممثلين عن العمال وأصحاب العمل والحكومة، في الاعتبار.
لذلك لم تصل الزيادة إلى 30% أو أكثر، إذ إن رفع الأجور بهذه النسب كان سيخلف آثاراً سلبية على سعر الصرف، ويتعارض مع برنامج الحكومة الاقتصادي للفترة بين 2026 و2028، الذي يستهدف خفض التضخم إلى 28.5% في عام 2025 و16% في عام 2026، ما يعني أن زيادة الأجور في العام الجديد قد تصبح أعلى من معدل التضخم إذا نجحت الحكومة في تنفيذ خطتها. ولا تقتصر آثار التضخم على أجور العاملين في القطاع الخاص، بل تمتد إلى رواتب موظفي القطاع الحكومي والمتقاعدين، التي تُحدد بعد صدور بيانات التضخم السنوي لشهر ديسمبر/كانون الأول، على أن تُطبق الزيادة في الخامس من يناير/كانون الثاني، وفق ما ينص عليه القانون، وبناء على معدل التضخم للأشهر الستة الأخيرة.
رواتب المتقاعدين والتعويضات المالية
وتوقع خبير الاقتصاد التركي، تاركان زينجين، أن تبلغ نسبة زيادة رواتب الموظفين والمتقاعدين نحو 18.70%، داعياً، خلال بث مباشر على قناة "A Haber"، إلى ضرورة سن تنظيم قانوني جديد يضمن رفع الحد الأدنى لرواتب المتقاعدين. وأوضح زينجين أن زيادات الرواتب تُحدد وفق الزيادة المنصوص عليها في الاتفاقيات الجماعية مضافاً إليها فارق التضخم، مشيراً إلى أن نسبة الزيادة السابقة كانت 17.55%، لكنها ستتغير مع إضافة بيانات تضخم ديسمبر. وفي حال بلغ التضخم السنوي 31%، فقد تصل الزيادة إلى 18.70%. وبخصوص أدنى راتب تقاعدي، أشار زينجين إلى أنه يبلغ حالياً 16.8 ألف ليرة، وأن الرواتب الأدنى من هذا المستوى ترفع بموجب القانون إلى هذا الحد، من دون وجود آلية تلقائية لزيادته مستقبلاً.
كما تؤدي زيادة الحد الأدنى للأجور إلى تعديل العديد من المؤشرات والتعويضات المالية، مثل إعانات البطالة، وتعويضات الفصل، وإجازات الأمومة، والمساعدات الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، تُحتسب إعانة البطالة على أساس متوسط الدخل الخاضع للاشتراك خلال الأشهر الأربعة الأخيرة، بنسبة تتراوح بين 40% حداً أدنى و80% حداً أقصى من إجمالي الحد الأدنى للأجور. وكانت إعانة البطالة تتراوح بين 10.3 آلاف ليرة و20.8 ألف ليرة، لترتفع بعد زيادة الأجور بنسبة 27% إلى ما بين 13.2 ألف ليرة و26.4 ألف ليرة.
ضرائب وأقساط جديدة
لم يبدد تصريح وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، ألب أرسلان بيرقدار، المخاوف من رفع الرسوم والأسعار، في ظل قرارات مرتقبة بزيادة عدد من الضرائب والأقساط مع مطلع العام الجديد. وأكد الوزير أن الحكومة لا تعتزم تعديل أسعار الكهرباء والغاز الطبيعي خلال شهر يناير/كانون الثاني، مشيراً إلى أن أي تغييرات لاحقة ستحدث بما يتماشى مع أهداف التضخم. وأوضح بيرقدار، خلال لقائه ممثلي الصحافة الاقتصادية في إسطنبول، أن الحكومة ستواصل دعم الطاقة، مشيراً إلى أن حجم الدعم في عام 2025 بلغ نحو 650 مليار ليرة، بينما يتوقع أن يصل في عام 2026 إلى 282 مليار ليرة للكهرباء و91 مليار ليرة للغاز الطبيعي، مع استثناء المستهلكين ذوي الاستهلاك المرتفع من الدعم.
ومن المنتظر أن تبدأ وزارة المالية مطلع يناير/كانون الثاني تطبيق الزيادات الضريبية، وفق معدل إعادة التقييم، الذي أعلنت عنه هيئة الإحصاء التركية، والبالغ 25.49% لعام 2026. ويشمل ذلك رسوم جوازات السفر والإقامة، ومعاملات الطابو، وتسجيل المركبات، والمخالفات المختلفة. كما ستشمل الزيادات الضريبة التبغ والكحول، وأقساط التأمين الصحي العام، إضافة إلى رسوم الجسور والطرق السريعة، التي سترتفع بالنسبة نفسها، وفق ما أعلنه وزير النقل والبنية التحتية.
الفخ الأكبر: الأسعار
على الرغم من التحذيرات الحكومية، سارعت بعض المتاجر إلى رفع أسعار عدد من السلع الاستهلاكية ومواد البناء فور الإعلان عن زيادة الأجور. ودعت وزارة التجارة إلى عدم ربط الأسعار مباشرة بنسبة زيادة الأجور، معتبرة ذلك مخالفاً لآليات التسعير السليمة. وأعلنت الوزارة أن حملات التفتيش في إسطنبول كشفت عن زيادات غير مبررة في أسعار 42 منتجاً داخل أحد المتاجر الكبرى، مؤكدة استمرار الرقابة وعدم التسامح مع أي استغلال.
ويؤكد مستشار وزير التجارة ونائب رئيس منتدى الأعمال الدولي، غزوان المصري، أن الاقتصاد الحر لا يعني ترك المستهلك دون حماية، مشدداً على أن الرقابة تهدف إلى منع امتصاص زيادة الأجور عبر ارتفاع الأسعار، بما يحرم العمال من أثرها الحقيقي. وكانت الليرة التركية قد تراجعت من 42.8 ليرة مقابل الدولار يوم إعلان الزيادة في 23 ديسمبر/كانون الأول إلى ما فوق 43 ليرة، ما يعكس حساسية السوق تجاه أي توسع مالي غير محسوب، ويضع تحدياً إضافياً أمام برنامج الحكومة لخفض التضخم وأسعار الفائدة، التي لا تزال عند مستوى 38%.