فخ العقوبات المضادة... الصين توقع شركات غربية في شباكها

20 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 01:33 (توقيت القدس)
مركز بونهام ستراند التجاري، هونغ كونغ، 29 يوليو 2024 (فيرنون يوين/ Getty)

بدأت الصين توسيع أدواتها للأمن الاقتصادي عبر بناء ترسانة قانونية متكاملة لمعاقبة الشركات والبنوك التي تمتثل للعقوبات الغربية المفروضة على بكين، في إطار ما يعرف بـ"العقوبات المضادة". ووضعت هذه القوانين المؤسسات الدولية بين خطر مخالفة القيود الأميركية والأوروبية من جهة، والتعرض للملاحقة والتعويضات وتجميد الأصول أمام المحاكم الصينية من جهة أخرى.

وذكر تحليل نشرته مجلة "فورين بوليسي"، في 17 أغسطس/ آب 2026، للباحثة في الاقتصاد الجغرافي والاستراتيجية بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ماريا شاغينا، أن بكين لم تعد تكتفي بحماية مؤسساتها من العقوبات الأجنبية، بل بدأت بناء ولاية قضائية عابرة للحدود تنازع الغرب سلطته على الشركات والمعاملات الدولية.

وتنقل هذه المنظومة المواجهة بين الصين والغرب من حرب الرسوم وضوابط التصدير إلى صراع على السيادة القانونية. ولم يعد السؤال بالنسبة إلى المؤسسات الدولية مقتصراً على مدى تعرضها للعقوبات الأميركية أو الأوروبية، بل أصبح يتعلق بما إذا كان الإجراء الذي تتخذه للامتثال لهذه العقوبات سيعرضها للمساءلة داخل الصين.

حصة الصين في سلاسل التوريد العالمية
أُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعي

ترسانة قانونية متكاملة

وعززت بكين منظومتها بإصدار أحكام أمن سلاسل الصناعة والإمداد في 31 مارس/ آذار 2026، ثم لائحة مواجهة الولاية القضائية الأجنبية غير المشروعة خارج الحدود في 13 إبريل/ نيسان، ودخل التشريعان حيز التنفيذ فور صدورهما. وتجيز اللائحة اتخاذ تدابير مضادة ضد الجهات المشاركة في فرض قيود تضر بالمصالح الصينية، ومد الولاية القضائية إلى تصرفات خارج البلاد إذا ارتبطت بها.

وتسمح أيضاً بإدراج الجهات الأجنبية على "قائمة الكيانات الخبيثة"، وتجميد أصولها وحظر معاملاتها وتقييد دخول مسؤوليها إلى الصين. وتتيح أحكام أمن سلاسل الصناعة والإمداد فتح تحقيقات واتخاذ إجراءات بحق دول أو مؤسسات وأفراد تعتبرهم بكين تهديداً لتدفق المواد الخام والتكنولوجيا والمعدات والمنتجات في القطاعات الاستراتيجية.

وتستند هذه الصلاحيات إلى منظومة بدأ بناؤها عام 2020، وتشمل قانون مراقبة الصادرات وقائمة الكيانات غير الموثوقة وقواعد حجب التشريعات الأجنبية وقانون مكافحة العقوبات الأجنبية. وتمنح المادة الـ12 من القانون المتضررين الصينيين حق مقاضاة الجهات الممتثلة لـ"التدابير التقييدية الأجنبية التمييزية" والمطالبة بالتعويض. وتستهدف الأدوات الصينية مواجهة الولاية القضائية الأميركية خارج الحدود. وبحسب تحليل ماريا شاغينا في "فورين بوليسي"، تغير هذه الترسانة حسابات الشركات، إذ قد يؤدي تجنب الغرامات الغربية عبر وقف معاملة أو إنهاء عقد إلى دعاوى وتعويضات وتجميد أصول داخل الصين.

وتكشف الأرقام حجم أوراق القوة التي تستند إليها بكين، إذ استحوذت الصين في 2024 على 60% من تعدين العناصر الأرضية النادرة المستخدمة في المغناطيسات، و91% من تكريرها و94% من إنتاج المغناطيسات الدائمة، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية. كذلك بلغت واردات الاتحاد الأوروبي من الصين 559.4 مليار يورو في 2025، مقابل صادرات بقيمة 199.6 مليار يورو، وفقاً لـ"يوروستات" في 10 إبريل 2026.

النفط والبنوك يختبران المواجهة

وانتقلت بكين إلى التطبيق المباشر لقواعدها في 2 مايو/ أيار 2026، عندما حظرت الاعتراف بالعقوبات الأميركية المفروضة على خمس مصافٍ صينية متهمة بشراء النفط الإيراني أو تنفيذها أو الامتثال لها. وذكرت "رويترز"، في 4 مايو، أن القرار كان أول استخدام صيني للقواعد التي تعاقب الامتثال لقيود أجنبية ترفضها بكين. لكن الحماية القانونية لم تمنع ظهور التداعيات المالية، إذ طلبت الجهة الرقابية الصينية من بنوك محلية تعليق القروض الجديدة للمصافي الخمس، وفقاً لـ"رويترز" في 7 مايو.

واضطرت "هنغلي للبتروكيماويات" لاحقاً إلى البحث عن إمدادات بديلة، ثم خفض عمليات التكرير مع تراجع مخزوناتها، ما كشف استمرار تأثير العقوبات في التمويل والشحن والإمدادات. وامتدت المواجهة إلى البنوك الأميركية، بعدما رفعت مجموعة "إتش واي إنرجي" دعويين ضد مصرفي "سيتي غروب" و"جيه بي مورغان تشيس" أمام محكمتين في شنغهاي وبكين، بسبب تجميد مدفوعات تزيد قيمتها على 40 مليون دولار. وبحسب "بلومبيرغ"، في 6 مايو 2026، لا تزال القضيتان قيد النظر، وقد يؤسس الحكم لمصلحة المجموعة سابقة تتيح مقاضاة المصارف الدولية بسبب امتثالها للعقوبات الأميركية.

صراع النفوذ خارج الحدود

وتعمل الصين بالتوازي على خفض تعرضها للضغوط المالية الغربية عبر تطوير قنوات دفع بديلة وتوسيع الاستخدام الدولي لليوان، من خلال نظام المدفوعات العابرة للحدود "سيبس"، ومنصة "إم بريدج" للعملات الرقمية للبنوك المركزية، والمشروعات التجريبية لليوان الرقمي، وبحسب تحليل شاغينا، لا تستطيع هذه الأدوات حتى الآن منافسة الانتشار العالمي للدولار أو شبكة "سويفت"، لكنها تشكل جزءاً من استراتيجية أوسع لتقليص قدرة واشنطن على مراقبة المعاملات وقطعها.

وتبني بكين أيضاً نقاط ضغط في المجالات التي تملك فيها موقعاً مهيمناً، خصوصاً المعادن الحيوية والبطاريات ومكونات الصناعات المتقدمة وسلاسل الإمداد والبيانات والوصول إلى السوق الصينية. وتعمل منظومة العقوبات المضادة بصورة تراكمية، إذ قد يؤدي قرار واحد بإنهاء عقد مع مورد صيني إلى دعوى تعويض، والإدراج على قائمة الكيانات غير الموثوقة، وتجميد الأصول، وفرض قيود على التجارة، وفتح تحقيق بموجب قواعد الحجب، فضلاً عن احتمال تحميل المديرين والممثلين القانونيين مسؤولية شخصية.

وفي 15 مايو 2026، وسّعت بكين المواجهة إلى أوروبا، عندما أمرت المؤسسات والأفراد بعدم مساعدة تحقيق أوروبي بشأن الدعم الأجنبي المقدم لشركة "نوكتك" الصينية المصنعة لأجهزة الفحص الأمني. وذكرت "رويترز"، في اليوم نفسه، أن القرار شكل أول تطبيق للائحة أصدرتها الصين في إبريل لمواجهة ما تعتبره "ولاية قضائية أجنبية غير مشروعة خارج الحدود".

واتهمت وزارة العدل الصينية المفوضية الأوروبية بطلب معلومات واسعة وغير ضرورية موجودة داخل الصين، خلال تحقيقها بشأن احتمال حصول الشركة على دعم حكومي يعزز قدرتها التنافسية في السوق الأوروبية. وتقول المفوضية إن طلبات المعلومات استهدفت فروع "نوكتك" المسجلة في دول الاتحاد الأوروبي والخاضعة لقوانينه، وإن لائحة الدعم الأجنبي تطبق من دون تمييز بين الشركات على أساس الجنسية أو الملكية.

لكن بكين اعتبرت أن محاولة الحصول على بيانات محفوظة على خوادم الشركة الأم داخل الصين تمثل تمديداً غير مشروع للولاية القضائية الأوروبية إلى أراضيها. وأكدت وزارة التجارة الصينية هذا الموقف في 18 مايو 2026، وهددت باتخاذ "تدابير مضادة حازمة" إذا لم يصحح الاتحاد الأوروبي ممارساته. ويضع الخلاف المؤسسات الأوروبية أمام ولاية قضائية ثالثة، لأنها مطالبة بالامتثال لقوانين الاتحاد والعقوبات الأميركية، مع تجنب مخالفة القواعد الصينية إذا كانت تمتلك أصولاً أو موظفين أو بيانات أو موردين داخل البلاد.