فجوة في البحرين بين التضخم المعلن والواقع المعيشي

07 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 02:03 (توقيت القدس)
السوق المركزي في العاصمة البحرينية المنامة، 18 مارس 2026 (أيمن يعقوب/الأناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تعاني الأسواق البحرينية من فجوة بين معدل التضخم الرسمي والواقع المعيشي بسبب التوترات الجيوسياسية، حيث لا تعكس الإحصاءات الرسمية الضغوط الاقتصادية في الأسواق الشعبية، ولا تغطي مخصصات الدعم المالي الفروق في أسعار السلع الأساسية.

- تواجه البحرين تحديات لوجستية ومالية تؤدي إلى ارتفاع كلفة السلع، مع توقف حركة الشحن البحري والعجز المالي الذي يحد من قدرة الحكومة على تقديم مساعدات فعالة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية.

- يشير الخبراء إلى أن مؤشر التضخم الرسمي لا يعكس الواقع المعيشي، حيث تعتمد الأسعار على نظام "الأوزان" غير الدقيق، والدعم الحكومي لا يواكب الارتفاعات العالمية، مما يفاقم الفجوة السعرية.

تظهر الأسواق البحرينية فجوة واسعة بين استقرار معدل التضخم السنوي رسمياً عند نحو 2.30% والضغوط الاقتصادية المتزايدة التي يكابدها المواطن في الأسواق الشعبية، ما يرتبط بتفاقم التوترات الجيوسياسية الإقليمية التي أدت إلى تدهور بيئة الأعمال التجارية، وسلط الضوء على غياب الأثر الإيجابي للاستقرار الإحصائي على الأسواق الشعبية ومدى وفاء مخصصات الدعم المالي الحكومي بفروق الأسعار الحقيقية للسلع الأساسية. فالتقارير الدولية، ومنها تقرير وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني المنشور في 12 يونيو/ حزيران الماضي، تشير إلى تغيير النظرة لقطاع الشركات في مجلس التعاون الخليجي لعام 2026 إلى متدهورة من مستقرة، بما يعكس مخاطر جيوسياسية متزايدة، وتراجعاً في نشاط السياحة والنقل، وارتفاع تكاليف سلاسل الإمداد.
ويرتبط غياب الأثر الإيجابي للاستقرار الإحصائي في الأسواق الشعبية بوجود اختناقات لوجستية ترفع كلفة السلع المعروضة بعيداً عن السلة المرجعية للمؤشر الرسمي، فمع توقف حركة الشحن البحري المعتادة فرضت الظروف الراهنة واقعاً صعباً على التجارة البينية والإمداد اللوجستي؛ وهو ما أظهرته بيانات "فيتش" التي أوردت أن "صادرات قطر والبحرين والكويت من الطاقة تظل مقيدة بإغلاق مضيق هرمز، وتعتمد بشكل كبير على الوصول اللوجستي عبر المملكة العربية السعودية".
ويحد العجز المالي والتباطؤ الاقتصادي الحاد من هوامش المناورة المتاحة أمام البحرين لتقديم مساعدات مرنة للمواطنين، وتظهر البيانات الكلية تراجعاً حاداً في معدلات النمو، وتراكماً للضغوط المالية؛ حيث أشار تقرير صادر عن البنك الدولي في 11 يونيو/ حزيران الماضي إلى أن "توقعات إجماع الآراء لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لعام 2026 لمنطقة الشرق الأوسط جرى تخفيضها بمقدار 0.6% في يونيو الماضي، لتصل بالنمو الإجمالي للمنطقة إلى 0.7%، وهو ما يمثل استمراراً للتراجع المشهود منذ بداية الصراع وإغلاق مضيق هرمز، ويقلص الموارد السيادية، ويجعل برامج المساعدة المباشرة عاجزة هيكلياً عن سد الفروق الناشئة عن تضخم الاستيراد المتصاعد.

ويظهر التقييم ذاته أن هذه الضغوط المالية لا تقتصر على البحرين وحدها، بل تعم مصدّري النفط الخليجيين، وأمام هذا الضغط المالي الإقليمي المنكمش تظل مخصصات الدعم المالي الحكومية جامدة دون أي مرونة لمجاراة القفزات السعرية الفعلية للغذاء والوقود بالأسواق الشعبية.

مؤشر غير دقيق

يؤكد الخبير الاقتصادي، حسام عايش، لـ"العربي الجديد"، ضرورة التمييز بين معدل التضخم العام الذي يعكس متوسطاً مرجحاً لأسعار سلة واسعة من السلع، والواقع المعيشي الفعلي للمستهلكين، إذ إن هذا المعدل قد لا يعبر بدقة عن الارتفاع الحاد في أسعار السلع الأساسية التي يقبل عليها المستهلكون في الظروف الراهنة، بينما تتضمن السلة أيضاً سلعاً غير أساسية تحافظ على أسعارها أو تنخفض، ما يخفف من حدة المؤشر العام، ولا يعكس التكاليف المعيشية الحقيقية.
فالسلة الاستهلاكية لكل أسرة تختلف عن السلة العامة الحكومية المستخدمة في حساب التضخم، وفقاً لعايش، لافتاً إلى أن الأسعار في سلة الأسرة الخاصة قد تكون أعلى بكثير، خاصة إذا كانت تركز على السلع الغذائية والأساسية. ورغم أن معدل التضخم المسجل عند مستوى 2.3% يعد مثالياً من الناحية النظرية، ويفترض أن يكون له تأثير إيجابي في القدرة الشرائية واستقرار الأسواق، فإن الشعور الشعبي لا يتوافق مع هذه الأرقام الإيجابية، كما يوضح عايش، الذي يعزو هذا التباين إلى أن مؤشر التضخم الرسمي يدمج بين الأسعار المرتفعة للسلع الأساسية، وتلك المستقرة أو المنخفضة للسلع الموسمية أو غير المؤثرة، في ظل الظروف الأمنية والإقليمية السائدة، ما يعني أن المعدل لا يعكس وطأة الارتفاع الحقيقي في أسعار الضروريات، وبالتالي فإن المستهلكين الذين يركزون على احتياجاتهم اليومية لا يشعرون بتأثير هذا الاستقرار الإحصائي في حياتهم العملية.
وقد يساهم بطء الشعور بارتفاع الأسعار في انخفاض معدلات التضخم الظاهرة، بالإضافة إلى مخصصات الدعم المالي الحكومي، غير أن هذين العاملين لا يلعبان الدور الكافي في تهدئة الأسواق أو مواجهة ارتفاع تكاليف السلع الأساسية التي يزداد الطلب عليها، حيث يتجه الناس لتوفير السيولة والإنفاق على المتطلبات الحيوية فقط، ما يرفع أسعارها بسبب ضغط الطلب ويضخمها، وفق تحليل عايش.
في المقابل، تبقى أسعار السلع الكمالية أقل تأثراً أو حتى منخفضة في مثل هذه الظروف، بسبب تراجع الإقبال عليها، وهو ما يؤثر في النتيجة النهائية على معدل التضخم الحقيقي في السوق، ما يعني، بحسب عايش، أنه في ظروف اعتيادية ربما كان مؤشر أسعار المستهلك أعلى من نسبته الحالية، إذ إن الهيكل الحالي للاستهلاك يشوّه الصورة الحقيقية للتضخم.

ولا تقتصر هذه الفجوة بين الإحساس بوطأة ارتفاع الأسعار وبين المؤشرات الإحصائية الحكومية على البحرين وحدها، كما ينوه عايش، بل هي ظاهرة منتشرة في العديد من الدول العربية والعالمية، ما يؤكد أن المعدل العام للتضخم لا يعطي بالضرورة الصورة الحقيقية عن الواقع المعيشي وصعوباته اليومية التي تواجهها الأسر في مختلف المجتمعات، حسب تقديره.
نظام أوزان السلع

التضخم وفجوة الأرقام

في السياق، يشير الخبير الاقتصادي، جاسم عجاقة، لـ"العربي الجديد"، إلى أن المواطن في البحرين يشعر بوجود فجوة واضحة بين الأرقام الرسمية للتضخم والواقع المعيشي في الأسواق، خاصة في أوقات الاضطرابات الناتجة عن توترات جيوسياسية أو أزمات اقتصادية عالمية، ويعود السبب الرئيسي لعدم إحساسه بانخفاض الأسعار إلى آلية حساب مؤشر التضخم التي تعتمد على نظام "الأوزان" المخصص لكل سلعة ضمن السلة الاستهلاكية.
فكل فئة من السلع مثل المواد الغذائية والطاقة والإيجارات تُمنح وزناً نسبياً محدداً في المؤشر العام، وعند انخفاض أسعار سلع معينة قد لا ينعكس ذلك بشكل ملحوظ على الرقم النهائي إذا كان وزن هذه السلع صغيراً مقارنة بغيرها، وكلما كبر وزن القطاع في المؤشر زاد شعور المستهلك بالتغيير، وكلما صغر هذا الوزن قل الإحساس بالفرق، ما يفسر التباين بين البيانات الإحصائية والتجربة اليومية للأفراد، بحسب عجاقة. وهنا يلفت عجاقة إلى أن الأسواق الشعبية تتسم بعدم انضباط أسعارها مقارنة بالمتاجر الكبيرة، لأن أصحاب المحال الصغيرة يشترون كميات محدودة تنعكس تغيرات أسعارها عليهم فوراً وبشكل مباشر، بينما تستفيد المتاجر الكبرى من شراء كميات ضخمة تخفف من حدة التقلبات السعرية اللحظية، ما يجعل الأسعار في الأسواق التقليدية أكثر حسية وتأثراً بالتغيرات اليومية.
وإزاء ذلك، يخلص عجاقة إلى أن الدعم الحكومي يلعب دوراً محورياً فهو بمثابة صمام أمان اجتماعي، يهدف إلى حماية الفئات الهشة من الوقوع في الفقر، عبر دعم المواد الأساسية مثل اللحوم في البحرين، غير أن هذا الدعم لا يواكب بالضرورة الارتفاعات الحادة في الأسعار العالمية، ما يؤدي إلى ظهور فجوة سعرية يشعر بها المستهلك رغم وجود الدعم.