فجوة العجز التجاري بين مصر والصين تهيمن على مباحثات السيسي وشي في القاهرة
- الاتفاقيات تشمل التعاون في رؤية مصر 2030 ومبادرة الحزام والطريق، وتهدف إلى توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا وتعزيز سلاسل الإمداد، مما يزيد من الصادرات المصرية.
- المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمثل محوراً استراتيجياً، مع استثمارات في الطاقة المتجددة والسيارات والمنسوجات، لجذب استثمارات صينية وتقليص العجز التجاري.
شهد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جين بينغ، اليوم الأربعاء، توقيع 5 اتفاقيات ومذكرات تفاهم اقتصادية، وأكثر من 20 وثيقة تعاون في مجالات مختلفة، في خطوة تأتي بينما تحاول القاهرة تحويل علاقتها التجارية مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم من سوق ضخمة للسلع الصينية إلى قاعدة إنتاج وتصدير للشركات الصينية.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
وجاءت الاتفاقيات الجديدة في أثناء مباحثات الرئيسين بالقاهرة، وسط احتفاء رسمي وشعبي واسع، في وقت تواجه فيه مصر والصين اختلالاً متزايداً في ميزان التجارة بينهما، إذ بلغت واردات القاهرة من بكين نحو 10.4 مليارات دولار خلال النصف الأول من 2026، مقابل صادرات مصرية لم تتجاوز 840.8 مليون دولار، بعدما فاق العجز التجاري 20 مليار دولار لصالح الصين، مقابل نحو 850 مليون دولار فقط لمصر، عام 2025، وهو ما دفع البلدين إلى توقيع حزمة من الاتفاقات الاقتصادية اليوم، تستهدف، بحسب تصريحات المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية، توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا وتعزيز سلاسل الإمداد والإنتاج داخل مصر.
وتشمل الاتفاقيات الخمس مذكرة تفاهم بشأن أولويات التعاون في إطار رؤية مصر 2030 ومبادرة الحزام والطريق، واتفاقية للتعاون الاقتصادي والفني، ومذكرة لتعزيز التعاون في سلاسل الصناعة والإمداد، وأخرى في تكنولوجيا المعلومات، إلى جانب مذكرة تفاهم بين المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ووزارة التجارة الصينية.
وتعكس هذه الملفات الاقتصادية جوهر ما تسعى إليه القاهرة من الشراكة مع بكين، وهو الحصول على استثمارات صناعية وتكنولوجيا وسلاسل إنتاج، بما يسمح بزيادة القيمة المضافة المحلية والصادرات، بدلاً من استمرار نمو التجارة أساساً عبر زيادة الواردات التي تصب دوماً في صالح الصين بمعدل يفوق 15% سنوياً، ما يعمّق العجز التجاري لصالح بكين على مدار العقدين الماضيين.
ووفقاً للبيان الرئاسي، قال السيسي في مستهل مباحثاته مع شي إن هناك إرادة سياسية واضحة للارتقاء بالتعاون الثنائي، خصوصاً في توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا، معلناً الاتفاق على تدشين المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية المصرية الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، مع التركيز على قطاعات الطاقة المتجددة والسيارات والمنسوجات والألياف الكيماوية.
10.4 مليارات دولار واردات في 6 أشهر
تُظهر أرقام التجارة الرسمية حجم الفجوة التي تحاول الاتفاقيات الجديدة معالجتها، إذ بلغ إجمالي التجارة بين مصر والصين نحو 20.78 مليار دولار في عام 2025، مقارنة بـ17.37 مليار دولار في 2024، بزيادة بلغت 19.6%. وخلال أول ستة أشهر من العام الجاري، قفزت الواردات المصرية من الصين إلى نحو 10.4 مليارات دولار، بزيادة 14.3% على أساس سنوي.
بينما ارتفعت الصادرات المصرية إلى الصين إلى 840.8 مليون دولار، مقارنة بـ280.5 مليون دولار في النصف الأول من 2025. وبذلك بلغ إجمالي التجارة بين البلدين نحو 11.3 مليار دولار في النصف الأول من 2026، بزيادة 21.5%، إلا أن الزيادة في الصادرات المصرية، رغم قوتها النسبية، لا تزال بعيدة عن سد الفجوة مع الواردات.
وتشمل أبرز الواردات المصرية من الصين الآلات والمعدات الكهربائية والميكانيكية بقيمة نحو 4.1 مليارات دولار، والسيارات والجرارات والدراجات النارية بنحو 1.2 مليار دولار، والحديد والصلب بنحو 930.7 مليون دولار، والبلاستيك بنحو 524 مليون دولار. في المقابل، تصدّرت الوقود والزيوت المعدنية قائمة الصادرات المصرية إلى الصين بقيمة نحو 494 مليون دولار، تلتها الفواكه والخضراوات بنحو 150.6 مليون دولار، والقطن والألياف النسيجية النباتية بنحو 76.4 مليون دولار.
وتكشف تركيبة التجارة عن مشكلة أعمق من مجرد العجز التجاري، إذ يدخل جزء كبير من الواردات الصينية في صورة آلات ومعدات ومدخلات صناعية ومنتجات نهائية، بينما لا تزال الصادرات المصرية إلى الصين محدودة نسبياً من حيث التنوع والقيمة المضافة.
وبحسب بيانات مركز المعلومات بمجلس الوزراء، الصادرة بمناسبة زيارة الرئيس الصيني، تستهدف الحكومة المصرية تجاوز 23 مليار دولار في التجارة الثنائية خلال 2026، مع رفع الصادرات المصرية إلى الصين إلى أكثر من مليار دولار. غير أن تحقيق هذا الهدف لا يحل وحده مشكلة اختلال الميزان التجاري، ولذلك تركز القاهرة بصورة متزايدة على جذب الشركات الصينية إلى التصنيع داخل مصر، بما يسمح باستبدال جزء من الواردات بإنتاج محلي، وفي الوقت نفسه استخدام مصر منصة للتصدير إلى أسواق أخرى.
وتأتي المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في قلب هذه الاستراتيجية، إذ يوفر الموقع القريب من قناة السويس والموانئ المصرية للشركات الصينية منفذاً إلى أسواق أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، بينما تحصل مصر على استثمارات مباشرة وفرص عمل وإنتاج محلي وتدفقات تصديرية محتملة.
ويمثل إطلاق المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية المصرية الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أحد أبرز مخرجات زيارة شي، إذ تستهدف المرحلة الجديدة قطاعات الطاقة المتجددة والسيارات والمنسوجات والألياف الكيماوية، وهي قطاعات يمكن أن تزيد ارتباط الاستثمار الصيني بسلاسل الإنتاج المصرية إذا صاحبها توطين حقيقي للتكنولوجيا والمكونات. وتأتي هذه الخطوة امتداداً لشراكة بدأت في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس عام 1997، وأصبحت من أبرز ملامح الوجود الصناعي الصيني في مصر.
ومن المشروعات الجديدة، شركة "جاي يا" (Jieya) الصينية، التي تستثمر نحو 67 مليون دولار في مصنع بالعين السخنة لإنتاج المنتجات الطبية والصحية ذات الاستخدام الواحد، على مساحة 160 ألف متر مربع، بطاقة إنتاجية مستهدفة تبلغ نحو 8.1 مليارات قطعة سنوياً، وتوفير نحو 450 فرصة عمل مباشرة. كما وقعت شركة "زد سي" لإطارات السيارات (ZC Rubber) الصينية خطاب نيّات لإنشاء مجمع صناعي متكامل لإنتاج إطارات السيارات في العين السخنة، باستثمارات تُقدَّر بنحو 500 مليون دولار. وتشير هذه المشروعات إلى اتجاه جديد في العلاقة، إذ تحاول مصر، بدلاً من استيراد المنتج الصيني النهائي، جذب جزء من عملية إنتاجه إلى أراضيها.
من جانبه، أكد شي استعداد الصين لمواصلة تشجيع الشركات الصينية على زيادة استثماراتها في مصر والاستفادة من مزايا السوق المصرية وموقعها الاستراتيجي، وهو ما يتوافق مع الرؤية المصرية، إذ تبحث القاهرة عن رأس مال منتج وتكنولوجيا وصادرات وعملة أجنبية، في حين تنظر بكين إلى مصر باعتبارها سوقاً يتجاوز عدد سكانها 110 ملايين نسمة، ومركزاً يربط آسيا بأفريقيا والعالم العربي، فضلاً عن أهميتها الاستثنائية في التجارة الدولية بفضل قناة السويس.
وتبحث مصر مع شركات صينية فرصاً لتوطين تصنيع بطاريات تخزين الطاقة وإنشاء محطات تخزين مستقلة، بالتوازي مع التعاون في الشبكات الذكية ومراكز البيانات والتحول الرقمي. ويمثل تخزين الطاقة ملفاً استراتيجياً لمصر مع توسعها في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إذ إن زيادة قدرات التوليد من المصادر المتجددة تتطلب قدرات تخزين تسمح باستخدام الكهرباء عند انخفاض إنتاج الشمس والرياح. ومن ثم، لا يرتبط جذب الاستثمارات الصينية في البطاريات والتخزين فقط بجذب تمويل جديد، بل بإقامة صناعة يمكن أن تخدم السوق المصرية والأسواق الإقليمية، بحسب خبراء محليين.
وتأتي اتفاقيات اليوم في سياق توجه معلن بين البلدين منذ سنوات لإعادة التوازن إلى العلاقة الاقتصادية، ففي بيان مشترك، اتفق السيسي وشي على جعل توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا أولوية للتعاون المصري الصيني، مع توسيع الاستثمارات الصينية الصناعية في مصر، خصوصاً في السيارات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية والصناعات الكيماوية ومواد البناء، إلى جانب زيادة دخول المنتجات المصرية إلى السوق الصينية، وتسهيل دخول مدخلات الإنتاج الصينية لتصنيع المنتج النهائي في مصر.
وبحسب عضو بارز في جمعية رجال الأعمال المصرية الصينية، يضع البيان اتفاقيات اليوم مصر أمام اختبار مختلف عن الاتفاقيات الاستثمارية التقليدية، يتعلق بقدرتها على استخدام رأس المال والتكنولوجيا الصينيين لزيادة صادراتها وتقليص اعتمادها على الواردات، ويحدد مدى رغبة الاستثمارات الصينية في أن تكون عاملاً إضافياً في زيادة تدفق السلع الصينية إلى السوق المصرية.
ويؤكد المصدر الذي تحدث لـ"العربي الجديد"، أنه بالنسبة إلى القاهرة، تبدو الاتفاقيات الموقعة اليوم مرتبطة بقدرتها على تحويل موقع قناة السويس والسوق المحلية إلى ميزة صناعية تصديرية، لا مجرد سوق استهلاكية للمنتجات الصينية، أما بالنسبة إلى بكين، فتمنحها مصر فرصة لتعميق حضورها الاقتصادي في واحدة من أهم دول الشرق الأوسط وأفريقيا، في وقت تتوسع فيه الصين في إعادة بناء سلاسل التوريد والإنتاج العالمية. وبذلك تحسم هذه الزيارة اختباراً اقتصادياً صعباً للشراكة المصرية الصينية وإمكانية استمرارها في المستقبل، بما يجعل من مصر دولة منتجة شريكة للصين في الوصول إلى الأسواق الخارجية المحيطة بها، بدلاً من أن تتحول إلى مجرد سوق مستورد للبضائع المنتجة في الصين.