فجوة اجتماعية صارخة: %10 من أسر إيطاليا تملك 60% من الثروة

22 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 01:33 (توقيت القدس)
ازدحام في ميلانو، 6 فبراير 2026 (ألكسندر نيمينوف / فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- التفاوت الاقتصادي في إيطاليا يتزايد، حيث تتركز الثروة في أيدي الفئات الأكثر ثراءً، مما يثير تساؤلات حول العدالة الاجتماعية ومستقبل الحراك الاقتصادي.

- النظام الضريبي الإيطالي يواجه انتقادات لعدم فعاليته في تقليص الفجوة الاقتصادية، مع دعوات لإعادة النظر في الضرائب على الثروات والميراث، حيث تستحوذ أغنى 10% من الأسر على 60.6% من الثروة.

- التحدي الرئيسي هو تحويل الثروات الخاصة إلى استثمارات إنتاجية، مع التركيز على المواريث والاختلافات الجغرافية والمهنية لتعزيز النمو الاقتصادي وتحقيق منافع أوسع.

رغم احتفاظ إيطاليا بمكانتها واحدةً من الاقتصادات الأوروبية الكبرى، فإن التفاوت في توزيع الثروة بين الأسر يزداد وضوحاً عاماً بعد آخر، في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي واستمرار الضغوط التضخمية التي أضعفت القدرة الشرائية لشرائح واسعة من السكان. وبينما يواصل الاقتصاد تحقيق مكاسب في قيمة الأصول، تتجه هذه المكاسب بصورة متزايدة إلى الفئات الأكثر ثراءً، ما يثير تساؤلات بشأن العدالة الاجتماعية ومستقبل الحراك الاقتصادي في البلاد.

ويأتي ذلك في وقت يتصاعد فيه الجدل داخل الأوساط السياسية والاقتصادية الإيطالية بشأن فعالية النظام الضريبي وقدرته على الحد من اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وسط دعوات إلى إعادة النظر في آليات فرض الضرائب على الثروات والميراث، مقابل تحذيرات من أن أي أعباء ضريبية جديدة قد تؤثر سلباً في الادخار والاستثمار.

وأظهرت بيانات حديثة أصدرها البنك المركزي الإيطالي، مدعومة بإحصاءات الجهاز الوطني الإيطالي للإحصاء، أن ثروة الأسر الإيطالية واصلت نموها خلال عام 2025، إلا أن هذا الارتفاع ترافق مع تزايد تركّز الثروة في أيدي الشريحة الأكثر ثراءً، بما يعمّق فجوة التفاوت الاقتصادي في البلاد.

وبحسب أحدث الحسابات التوزيعية للثروة حتى الربع الأخير من عام 2025، ارتفع متوسط صافي ثروة الأسرة الإيطالية إلى 453 ألف يورو مقارنة بنحو 431 ألف يورو في عام 2024. غير أن هذه الأرقام، وفق البنك المركزي، لا تعكس الواقع الكامل، إذ يستحوذ أغنى 10% من الأسر على 60.6% من إجمالي الثروة الصافية بينما كانت النسبة 50% في 2010، بينما لا تمتلك النسبة الأقل ثراءً، التي تمثل نصف الأسر الإيطالية، سوى 7.2% فقط من هذه الثروة.

وأوضح التقرير أن صافي الثروة لا يقتصر على الدخل أو المدخرات النقدية، بل يشمل قيمة العقارات والأصول المالية والاستثمارات المختلفة بعد خصم الديون، ما يجعله مؤشراً أكثر دقة لقياس الفوارق الاقتصادية بين الأسر وقدرتها على الاستثمار أو انتقال الثروة بين الأجيال. وقال المحلل الجيوسياسي في مؤسسة "Med -Or" الإيطالية للأبحاث، إيمانويلي روسّي، إن البيانات تكشف عن إحدى المفارقات الرئيسية للاقتصاد الإيطالي إذ تتمتع الدولة بثروات خاصة هائلة، لكنها لا تزال تكافح لتحويلها إلى استثمارات إنتاجية ونمو اقتصادي.

وتابع روسّي في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "ثمة عنصراً يتمثل في تكوين الثروة وتوزيعها، حيث يتركز الثقل الكبير في قطاع العقارات الذي يمثل عاملاً أساسياً تقليدياً في استقرار الأسر الإيطالية، إلا أن جزءاً كبيراً من الثروة غير موجه بما يكفي نحو تمويل الشركات والابتكار". وأضاف أن "النمو التدريجي للمكون المالي للثروة يعد في الوقت ذاته، مؤشراً مهماً، لا سيما في السياق الأوروبي الأوسع نطاقاً.

وتتمثل واحدة من أهم القضايا الاقتصادية التي تواجه أوروبا اليوم في كيفية تعبئة المدخرات الخاصة الهائلة المتاحة لتمويل النمو والبنى التحتية والتكنولوجيا والتحول الطاقي والأمن"، مشيراً إلى أن "إيطاليا تُمثّل، من هذا المنظور، حالةً ذات أهمية خاصة، إذ تجمع بين مستوى عالٍ جداً من الثروة الخاصة وحصة لا تزال صغيرة نسبياً من الاستثمارات المالية الموجهة نحو الاقتصاد الإنتاجي".

ورأى أن "التحدي الحقيقي، بناء على ذلك، لا يكمن فقط في زيادة ثروات البلاد، بل في جعلها أكثر إنتاجية وفي تهيئة الظروف للنمو الاقتصادي من أجل تحقيق منافع أوسع نطاقاً". وفي ما يتعلق بجذور التفاوت في الثروات في إيطاليا، قال إنها "متعددة ومهيكلة بشكل عميق: ويتمثل العامل الأول في ضعف النمو الاقتصادي في العقود الأخيرة، وما صاحبه من محدودية الانتقال الاجتماعي ودينامية ضعيفة لنمو الأجور بشكل خاص.

وفي هذا السياق، باتت الأجيال الشابة والأسر ذات الدخل الأكثر انخفاضاً تجد صعوبة متزايدة في الادخار". وأضاف "ثمة عنصر ثانٍ يتمثل في الاختلافات الجغرافية والمهنية العميقة التي تميز الاقتصاد الإيطالي، إذ تنعكس الفجوة بين الشمال والجنوب، وكذلك بين العاملين ذوي الوظائف المستقرة وشرائح السكان المعرضة لأوضاع غير مستقرة، حتماً على القدرة على الادخار وتكوين ثروة".

وخلص المحلل الإيطالي إلى أن "أهمية المواريث وانتقال الثروة بين الأجيال في بلدٍ تتركز فيه الثروة بقوة في العقارات، تكتسب ثقلاً متنامياً. ما يعزز الفجوة بين من بإمكانه الاعتماد على ميراث عائلي، ومن يضطر إلى بناء ثرواته من خلال دخل العمل". وختم بقوله "عدم المساواة في الثروة في إيطاليا لا يتعلق فقط بالفجوة بين الأغنياء والفقراء، وإنما أيضاً بالصعوبة المتزايدة للانتقال من شريحة اقتصادية إلى أخرى".