استمع إلى الملخص
- التحديات التجارية تتضمن اختلال الميزان التجاري لصالح روسيا، حيث بلغت واردات الهند 63.8 مليار دولار مقابل صادرات بقيمة 4.9 مليارات دولار فقط، مع فشل آلية التسويات بالروبية في إزالة العراقيل أمام الصادرات الهندية.
- التعاون العسكري يواجه تحديات بسبب تأخر تنفيذ العقود وارتفاع الأسعار، بينما تظل واردات النفط الخام من روسيا العمود الفقري للعلاقة الثنائية، مما يجعل العلاقة أقرب إلى ترتيب اضطراري منها إلى تحالف استراتيجي.
تشهد العلاقات بين الهند وروسيا حالة من الفتور المتزايد، رغم مظاهر الود الرسمية التي رافقت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى نيودلهي الأسبوع الماضي، في أول زيارة له منذ الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022. ورغم أن القمم الثنائية بين البلدين كانت تُعقد سنويا في السابق، فإن الجانب الهندي بدا حتى وقت قريب وكأنه يجد أسبابا لتفادي عقدها. هذه المرة، استُقبل بوتين بحفاوة لافتة، إذ التقاه رئيس الوزراء ناريندرا مودي فور هبوط طائرته، وتعانق الزعيمان، ثم أشاد البيان الصادر بعد المحادثات بـ"الشراكة الاستراتيجية الخاصة والمميّزة" بين البلدين.
غير أن هذه النبرة المتفائلة، كما يحدث كثيرا في الدبلوماسية الهندية، تخفي أكثر مما تُظهر، فالعلاقات بين نيودلهي وموسكو لا تشهد تقدما حقيقيا، بل تبدو عند مستوى ثابت أقرب إلى حالة جمود، ذلك أن البلدين في الواقع لا يملكان الكثير ليقدمه أحدهما للآخر، باستثناء استخدام كل منهما الآخر ورقة موازنة في علاقاته مع شركاء آخرين. وإذا تم تجاوز العناوين البراقة، يتضح أن خطط التكامل الاقتصادي والحديث عن هدف تجارة بقيمة 100 مليار دولار ليست سوى طموحات على الورق.
يرى الكاتب والباحث الهندي ميهير شارما أن العلاقات الهندية الروسية دخلت مرحلة "جمود غير معلن"، إذ تُخفي القمم والاحتفالات الرسمية واقعا من تقلّص المصالح المتبادلة وتأزم ملفات الدفاع والطاقة والتجارة. وقال لوكالة بلومبيرغ أول أمس الأحد إن العلاقة بين القوتين الاقتصاديتين باتت تُستخدم أكثر رسالة سياسية إلى الصين والغرب، لا كشراكة قادرة فعلا على تلبية احتياجات الاقتصادين.
وأشارت الافتتاحية التحليلية للمركز الهندي "درشتي آي إيه إس" تحت عنوان "إعادة معايرة العلاقات الهندية الروسية" الصادرة يوم الجمعة الماضي إلى أن تأجيل تسليم ما تبقى من أنظمة "إس - 400" إلى 2026، وتأجيل عقد الغواصة النووية من طراز "أكولا" حتى 2028، يعكس تراجعا واضحا في موثوقية المورّد الروسي. ويرى التحليل أن ميزان التجارة "أحادي الاتجاه" حوّل الهند عمليا إلى مُصدر صاف لرأس المال نحو روسيا من دون حصولها على نفاذ كاف لأسواق الأدوية والتصنيع الروسية.
من جهته، رصد تقرير لمجلة "فيجن آي إيه إس" الهندية في 12 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أن واردات الهند من روسيا بلغت نحو 63.8 مليار دولار في السنة المالية 2024 - 2025، مقابل صادرات لا تتجاوز 4.9 مليارات دولار، ما يكرس اختلالا حادا في الميزان التجاري. ويحذر من "مشكلة فائض الروبية" حيث تتكدّس مليارات الروبيات في حسابات خاصة للمصارف الروسية في الهند دون استخدام فعّال، ما يهدد استدامة نموذج التجارة الحالي.
وفي هذا الصدد، أفادت صحيفة "تايمز أوف إنديا" في الأول من ديسمبر/كانون الأول الماضي بأن آلية التسويات بالروبية عبر حسابات "فوسترو" الخاصة (الحساب المصرفي المشترك) لم تنجح في إزالة العراقيل من أمام الصادرات الهندية، إذ لا يزال المصدرون يشتكون من تأخر الضمانات والمدفوعات نتيجة مخاطر العقوبات الثانوية. ووصفت الصحيفة الهندية الآلية بأنها إعادة تدوير حديثة لنظام الروبية، لكنها تعمل تحت ضغط مالي وقانوني أكبر بكثير مما كان عليه الحال خلال حقبة الحرب الباردة.
وحاول النائب الأول لرئيس بنك "سبيربنك" الروسي التخفيف من التفسيرات السلبية لحدّة هذا البرود، ورغم أنه أقر في مقابلة مع رويترز في 3 ديسمبر الماضي بأن التجارة الثنائية بين البلدين البالغة نحو 70 مليار دولار ما زالت تميل بقوة لمصلحة صادرات الطاقة الروسية، وأشار إلى وجود خطة للتعاون مع أكثر من 6000 شركة هندية لزيادة الواردات الروسية من الهند. ونوه بأن تطوير التسويات بالروبية والروبل، وجذب عمالة ماهرة من الهند، يمكن أن يخفف اختلال الميزان التجاري، وعاد ليفسّر هذه الخطوات بأنها انعكاس لإدراك موسكو رسميا بأن العلاقة الحالية تحتاج إلى إعادة توازن حقيقية.
علاقات اقتصادية تاريخية
وتقوم الشراكة الاقتصادية بين الهند وروسيا على أرقام ضخمة في الطاقة والتجارة والاستثمار، إذ استثمرت شركة النفط والغاز الهندية الخارجية في حقل "ساخالين-1" بحصة 20% وبقيمة تجاوزت 8 مليارات دولار، بينما وقعت "غازبروم" مع "الهيئة الهندية للغاز" عقدا لتوريد 2.5 مليون طن سنويا من الغاز المسال لمدة 20 عاما. وفي الطاقة النووية بنت روسيا في محطة "كونداكولام" مفاعلين بقدرة 1000 ميغاواط لكل واحد، مع خطط لبناء أكثر من 20 مفاعلا إضافيا، في حين تحوّلت روسيا بعد الحرب مع أوكرانيا إلى أكبر مورّد نفط للهند بحصة تقارب 40% من وارداتها، وتضاعفت واردات الهند من النفط والغاز والفحم الروسي ثلاث مرات في النصف الأول من 2022.
وفي التجارة، ارتفعت حصة روسيا من التجارة الهندية من 1.27% إلى نحو 3.5%، مع هدف رسمي لبلوغ أكثر من 30 مليار دولار بحلول نهاية هذا العام.
وعلى مستوى البنية التحتية، تتجاوز قيمة مشروع ممر "دلهي - مومباي الصناعي" 100 مليار دولار، وترتبط به شركات روسية، بينما منحت الهند خط ائتمان بقيمة مليار دولار لتطوير إقليم الشرق الأقصى الروسي. كما يُقدّر أن استخدام ممر النقل الدولي "شمال - جنوب" يخفض تكاليف الشحن بنحو 2500 دولار لكل 15 طنا من البضائع، ما يعكس أن جوهر العلاقة يستند إلى أرقام تجارية وطاقية واستثمارية كبيرة تعمّق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
نتائج زيارة بوتين
ورغم هذه العلاقات التاريخية، فإن أبرز ما خرجت به زيارة بوتين لنيودلهي كان إعلان اتفاق على استئجار الهند غواصة تعمل بالطاقة النووية من روسيا مقابل ملياري دولار لمدة عشر سنوات. لكن هذه الخطوة لا تعني أن التعاون العسكري دخل مرحلة جديدة، فالغواصة ستُستخدم أساسا لتدريب البحرية الهندية ولن تبقى معها سوى عقد واحد، كما أن اتفاق الإيجار مطروح منذ سنوات، وما حدث الآن هو تسوية تأخيرات سابقة من الجانب الروسي.
ويذكّر هذا الاتفاق بسبب رئيسي لنفور نيودلهي المتزايد من الاعتماد على مشتريات السلاح من موسكو، التي كانت في وقت ما موردها الدفاعي الأول. فالعقود لا تُنفذ في مواعيدها، وقطع الغيار يصعب توفيرها، والأسعار تميل إلى الارتفاع المستمر.
وسبق أن قدم مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية "سي إس آي إس" تحليلا في 22 أغسطس/آب الماضي تحت عنوان "الأسلحة والنفط: الاستمرارية والتغيير في العلاقات الروسية الهندية" أوضح فيه أن الشراكة بين القوتين لم تعد شاملة كما كانت زمن الاتحاد السوفييتي، بل تتركز اليوم في محورين ضيّقين هما السلاح والطاقة. وأشار المركز إلى أن تعمّق شراكة الهند مع أميركا وتزايد اعتماد روسيا على الصين يحدان من قدرة موسكو على تلبية طموحات نيودلهي التكنولوجية والصناعية، ما يجعل العلاقة أقرب إلى "ترتيب اضطراري" منها إلى تحالف استراتيجي متكامل.
تضرر الثقة
وقد تضرّر عامل الثقة بين البلدين بشكل واضح. فما زال الجيش الهندي ينتظر تسلّم نظامي دفاع جوي من طراز "إس - 400"، إذ اشترى خمسة أنظمة عام 2018 بقيمة 5.4 مليارات دولار، لكنه لم يحصل سوى على ثلاثة منها حتى الآن. ويبدو أن المجمع العسكري الصناعي الروسي مثقل بالتزامات تفوق طاقته، إلى درجة أن المخططين الهنود لا يعرفون متى سيصل الباقي، رغم أن الصراع مع باكستان في الصيف الماضي ذكّر الهند بأهمية امتلاك مظلة دفاع جوي موثوقة.
وحتى ملف الهجرة أصبح بدوره موضع توتر، فموسكو ترغب في جذب مزيد من الكفاءات الهندية، لكن نيودلهي قلقة من تقارير تتحدث عن شبان هنود وُعدوا بوظائف، لينتهي بهم المطاف في الخطوط الأمامية في الحرب مع أوكرانيا.
أما واردات النفط الخام، وهي اليوم العمود الفقري للعلاقة الثنائية، فباتت تثير من المتاعب أكثر مما تجلب من الفوائد. فروسيا لا تبدو راغبة في شراء سلع هندية بالمقابل، ما يعني أن المدفوعات يجب أن تتم بالدولار لا بالروبية. ومع تشديد العقوبات الغربية، تزداد صعوبة هذه المعاملات يوما بعد يوم.
على صعيد آخر، يدفع كل من العجز التجاري المتنامي وحسابات المدفوعات التي تصعب تسويتها، نيودلهي إلى الإلحاح على موسكو من أجل خفض الحواجز غير الجمركية أمام الصادرات الزراعية الهندية، وتشجيع الروس على السياحة في الهند. غير أن هذه محاولات ناقصة وغير كافية لإصلاح علاقة تجارية مختلّة في بنيتها. وأمام كل هذه التحديات بدا وكأن زيارة بوتين للهند كانت أقرب لتوجيه رسالة إلى الغرب والصين، فلا الهند تملك الموارد اللازمة لإنقاذ اقتصاد روسيا المنكمش، ولا روسيا تمتلك سلاسل التوريد والقدرات الصناعية التي يمكن أن تحقق الطموحات التصنيعية لنيودلهي.