غلاء الكهرباء يصعق الأسواق السورية ... موجة غلاء جديدة تطاول السلع والخدمات

06 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 11:19 (توقيت القدس)
المواطنون يعانون من تواصل الغلاء (الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواصل الحكومة السورية رفع الدعم عن حوامل الطاقة لتقليص العجز في الموازنة، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار وزيادة الأعباء المالية على المواطنين.
- أصدرت وزارة الطاقة تعرفة كهرباء جديدة مقسّمة إلى أربع شرائح، مما أدى إلى زيادة كبيرة في فواتير الكهرباء وارتفاع أسعار المنتجات لتعويض التكاليف.
- يتوقع الخبراء موجة تضخمية جديدة مع غياب سياسات تعويضية، مما يزيد من كلفة الإنتاج ويؤدي إلى تراجع الإنتاج وتوسع السوق السوداء.

تواصل الحكومة السورية منذ أشهر تنفيذ سياسة رفع الدعم تدريجياً عن حوامل الطاقة، من المازوت والبنزين إلى الغاز والكهرباء، في محاولة لتقليص العجز في الموازنة وتحسين إيرادات الخزينة. لكن هذه الخطوات، التي تأتي في ظل تدهور القدرة الشرائية للمواطنين، باتت تشعل موجات متلاحقة من الغلاء في الأسواق السورية، كان آخرها القرار الأخير برفع تعرفة الكهرباء التجارية والمنزلية، ما أدى إلى ارتفاع ملموس في الأسعار في مختلف الأسواق السورية.

وفي خطوة لافتة، أصدرت وزارة الطاقة السورية تعرفة كهرباء جديدة مقسّمة على أربع شرائح استهلاك، نهاية الشهر الماضي، جاءت كالتالي: الشريحة الأولى – حتى 300 كيلوواط خلال دورة شهرين – بسعر 600 ليرة سورية للكيلوواط (بدعم حكومي بنسبة 60%). الشريحة الثانية – للمشتركين أصحاب الدخل المتوسط والمشاريع الصغيرة – تم تحديدها بـ1400 ليرة سورية للكيلوواط.

أما الشريحة الثالثة، التي تشمل المؤسسات الحكومية والشركات والمصانع، فسُعّرت بـ1700 ليرة سورية، في حين بلغت التعرفة للمعامل كثيفة الاستهلاك 1800 ليرة سورية للكيلوواط (الدولار نحو 11.930 ليرة). وهذا التعديل يُعدّ قفزة سعرية مباشرة بالنسبة لشرائح كانت حتى وقت قريب تُشغّل بأسعار مدعومة، ما يعني أن القطاع المنزلي والتجاري يواجه عبئاً إضافياً على فواتيره وسلسلة التكاليف.

يقول منذر اللحام، وهو صاحب ورشة نجارة في ضاحية قدسيا بريف دمشق، لـ"العربي الجديد"، إن فاتورة الكهرباء تضاعفت أكثر من ثلاث مرات خلال أسبوع واحد، ما اضطره إلى رفع أسعار الأبواب والنوافذ الخشبية بنسبة 25% على الأقل. أضاف "نحن لا نملك خياراً، الكهرباء هي العصب في العمل، ولا يمكننا التحمل بعد الآن".

وفي أسواق دمشق وحلب وحمص، ارتفعت أسعار الخضار والفواكه بنسبة تراوحت بين 10% و20% خلال أيام قليلة، بينما شهدت منتجات الألبان واللحوم ارتفاعات أكبر نتيجة زيادة كلفة التبريد والنقل. يقول تاجر المواد الغذائية في حي المزة عمر التناوي، لـ"العربي الجديد"، إن "أي زيادة بسعر بالكهرباء تعني زيادة على أسعار كل شيء، من إنتاج المعمل حتى عرض البضاعة في البرّاد".
خلال الأسبوع الذي تلا رفع تعرفة الكهرباء، شهدت الأسواق السورية قفزات متفاوتة في أسعار المواد الغذائية الأساسية. فقد ارتفع سعر كيلوغرام البندورة من نحو 4.500 إلى 5.500 ليرة سورية، بينما قفز سعر البطاطا من 3.500 إلى 4.800 ليرة. وارتفع سعر كيلوغرام اللبن الرائب من 8.000 إلى 9.500 ليرة، فيما تجاوز سعر الدجاج الحي 28 ألف ليرة للكيلوغرام.

في أسواق دمشق وحلب وحمص، ارتفعت أسعار الخضار والفواكه بنسبة تراوحت بين 10% و20% خلال أيام، بينما شهدت منتجات الألبان واللحوم ارتفاعات أكبر نتيجة زيادة كلفة التبريد والنقل

من جانبه، يؤكد أمين سر جمعية حماية المستهلك في دمشق وريفها عبد الرزاق خبزة أن القرار الأخير جاء "دون دراسة كافية لتأثيراته على الأسواق". ويضيف في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن "رفع سعر الكهرباء بهذا الشكل المفاجئ سيدفع التجّار والصناعيين إلى تحميل المستهلك كامل الفاتورة"، مشيراً إلى أن الأسواق تعاني أصلاً من ضعف الطلب وانكماش القدرة الشرائية، ما يجعل أي زيادة في الكلف التشغيلية تنعكس فوراً على الأسعار.
ويتابع خبزة متحدثاً لـ"العربي الجديد"، أن الجمعية طالبت وزارة التجارة الداخلية بمراقبة الأسواق بشكل أكثر فاعلية، "لكن الأدوات الرقابية محدودة، ولا يمكنها ضبط آلاف المحال والورش في ظل هذا الارتفاع السريع بالأسعار".

بدوره، يرى الخبير الاقتصادي معن عيسى أن رفع تعرفة الكهرباء بهذه الطريقة سيؤدي إلى موجة تضخمية جديدة يصعب كبحها، خصوصاً في ظل غياب أي سياسات تعويضية للأجور أو دعم مباشر للفئات الأكثر تضرراً، ويقول لـ"العربي الجديد" إن "الصناعيين سيتجهون إلى تقليص الإنتاج أو رفع الأسعار لتعويض الكلفة، ما يعمّق الركود ويزيد البطالة".
وأشار المستشار في شؤون الطاقة والاقتصاد زياد عربش إلى أن الزيادة "كبيرة جداً"، موضحاً أن الحكومة لم تعتمد التدرج، بل استخدمت أسلوب "الصدمة" لتقريب السعر من الكلفة الفعلية لإنتاج الكهرباء، التي تراوح بين 1400 و1800 ليرة سورية لكل كيلوواط.
ورأى عربش أن رفع السعر ضروري لتحفيز تطوير قطاع الكهرباء وجذب الاستثمارات فيه، لكنه شدّد على أن هذا القرار "يفرض ضغطاً كبيراً على الأسر، خاصة ذات الدخل المحدود"، محذراً من تراجع مستوى المعيشة وارتفاع معدلات الفقر والاحتياج.
وأوضح أن ارتفاع سعر الكهرباء سينعكس على تكاليف التشغيل للمصانع والمؤسسات التجارية، ما يؤدي إلى زيادة كلفة الإنتاج، وبالتالي ارتفاع أسعار السلع والخدمات تدريجياً.
وبينما تؤكد الحكومة أن الخطوة ضرورية لتحسين واقع الكهرباء وتأمين التمويل اللازم للصيانة والإنتاج، يرى مراقبون أن الإجراءات الحالية قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، عبر تراجع الإنتاج وتوسع السوق السوداء، وازدياد اعتماد السوريين على المولدات الخاصة التي تبيع الكهرباء بأسعار خيالية.

المساهمون