غلاء الغذاء يرهق الأسر في الاقتصادات المتقدمة... ذي إيكونوميست: السوبرماركت ليس المتهم الحقيقي

22 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 11:18 (توقيت القدس)
متجر بقالة في بروكلين، نيويورك، 13 يوليو 2026 (سبنسر بلات/ Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- ارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل ملحوظ منذ عام 2020 في الاقتصادات المتقدمة، مما أثر على القوة الشرائية للأسر في دول مثل الولايات المتحدة، أستراليا، بريطانيا، كندا، وفرنسا، وجعل غلاء المعيشة قضية سياسية بارزة.

- استجابت الحكومات لضغوط الاستياء الشعبي بمبادرات للحد من الأسعار، مثل إنشاء متاجر حكومية، بينما قامت شركات مثل وول مارت بخفض أسعار بعض السلع، لكن هذه الإجراءات تستهدف الحلقة الأخيرة في سلسلة الإمداد.

- تعود أسباب ارتفاع الأسعار إلى زيادة تكاليف الإنتاج مثل الأسمدة والوقود، وتحقق شركات تصنيع الأغذية هوامش أرباح أعلى، مما يشير إلى ضرورة استهداف جذور المشكلة بدلاً من تحميل متاجر التجزئة المسؤولية.

باتت فاتورة الغذاء تمثل العبء الأكبر على ملايين الأسر في الاقتصادات المتقدمة، بعدما قفزت أسعار المواد الغذائية بنسب تراوحت بين 20% و33% منذ عام 2020، متجاوزة في بعض الدول نمو الأجور ومفاقمة الضغوط المعيشية. وفي حين يتصاعد الغضب الشعبي وتزداد الدعوات إلى تحميل سلاسل المتاجر الكبرى مسؤولية موجة الغلاء، ترى مجلة ذي إيكونوميست (The Economist) أن البيانات تشير إلى أسباب أعمق، تتعلق بارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة والأسمدة والنقل، وليس بجشع متاجر التجزئة.

فقد أصبح ارتفاع أسعار الغذاء أحد أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه الأسر في الدول المتقدمة، إذ أظهر استطلاع للرأي في الولايات المتحدة أن نحو ثلثي الأميركيين يعتبرون الإنفاق على المواد الغذائية المصدر الرئيسي للضغوط المالية، متقدماً على تكاليف السكن والوقود، في مؤشر يعكس حجم الأزمة التي تعيشها ميزانيات الأسر.

ففي الولايات المتحدة، ارتفعت أسعار البقالة بنحو 25% منذ عام 2020، متجاوزة معدل نمو الأجور الاسمية خلال الفترة نفسها، وهو ما أدى إلى تراجع القوة الشرائية للمستهلكين، كما تضاعفت تقريباً أسعار لحم البقر المفروم مقارنة بعام 2019، نتيجة انخفاض أعداد الماشية بسبب موجات الجفاف.

ولا تقتصر الظاهرة على الولايات المتحدة، إذ ارتفعت أسعار الغذاء منذ عام 2020 بما يتراوح بين 20% و33% في أستراليا وبريطانيا وكندا وفرنسا، ما جعل غلاء المعيشة قضية سياسية تتصدر الحملات الانتخابية والبرامج الحكومية.

وعود سياسية لمواجهة غلاء الغذاء

وتشير المجلة البريطانية إلى أن تنامي الاستياء الشعبي أدى إلى طرح مبادرات حكومية للحد من الأسعار، إذ تعهد عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، بإنشاء متاجر حكومية لبيع المواد الغذائية بأسعار منخفضة، فيما اكتسبت الفكرة زخماً في كندا بعد انتخاب آفي لويس زعيماً للحزب الديمقراطي الجديد، الذي يدعو إلى دور أكبر للدولة في قطاع بيع المواد الغذائية.

وفي الولايات المتحدة، أعلن الرئيس دونالد ترامب أن سلسلة وول مارت (Walmart) خفضت أسعار عدد من السلع الأساسية استجابة لضغوطه، بينما دخل في أستراليا قانون جديد حيز التنفيذ يمنع سلاسل المتاجر الكبرى من فرض أسعار تعتبرها الحكومة "مفرطة". لكن ذي إيكونوميست ترى أن هذه الإجراءات تستهدف الحلقة الأخيرة في سلسلة الإمداد، بينما تتجاهل الأسباب الحقيقية التي دفعت أسعار الغذاء إلى مستويات قياسية.

وتشير المجلة إلى أن البيانات لا تدعم الاتهامات الموجهة إلى متاجر التجزئة بتحقيق أرباح استثنائية على حساب المستهلكين. فقد بلغت هوامش الأرباح التشغيلية لسلسلتي كروغر (Kroger) وألبرتسونز (Albertsons) الأميركيتين نحو 1% فقط من إجمالي المبيعات خلال العام الماضي، فيما سجلت وول مارت (Walmart) هامش ربح تشغيلياً بلغ نحو 4%، وهي مستويات تعد منخفضة مقارنة بقطاعات اقتصادية أخرى.

وفي المقابل، تحقق شركات تصنيع الأغذية هوامش أرباح أعلى بكثير، إذ بلغ متوسط هامش الأرباح التشغيلية خلال العقد الماضي لدى شركات جنرال ميلز (General Mills) وكرافت هاينز (Kraft Heinz) ومونديليز (Mondelez) وبيبسيكو (PepsiCo) نحو 13%، كما توضح المجلة أن أسعار التجزئة لم ترتفع بوتيرة أسرع من أسعار الجملة بين عامَي 2020 و2025، سواء في الولايات المتحدة أو أستراليا أو كندا أو فرنسا، ما يضعف فرضية استغلال المتاجر للأزمة بهدف زيادة أرباحها.

الأسباب الحقيقية وراء موجة غلاء الغذاء

وترجع ذي إيكونوميست موجة ارتفاع أسعار الغذاء إلى زيادة تكاليف الإنتاج في مختلف حلقات سلسلة الإمداد، وفي مقدمتها أسعار الأسمدة والوقود، التي ارتفعت أولاً بفعل الحرب في أوكرانيا، ثم نتيجة تصاعد التوترات العسكرية مع إيران، إلى جانب ارتفاع أجور العمال الزراعيين مع تشديد سياسات الهجرة في عدد من الدول، وهو ما زاد من تكلفة الإنتاج الزراعي والغذائي، كما أن شركات الأغذية المعلبة، التي رفعت أسعار منتجاتها بعد جائحة كورونا للحفاظ على أرباحها، بدأت تواجه ضغوطاً على هوامشها خلال السنوات الثلاث الأخيرة، مع تحول المستهلكين إلى شراء العلامات التجارية الأقل سعراً التي تطرحها متاجر التجزئة.

وتحذر المجلة من أنّ إنشاء متاجر حكومية لبيع المواد الغذائية ليس حلاً مضموناً لمواجهة الغلاء، مشيرة إلى أن التجارب التاريخية لم تحقق نجاحاً يذكر، ومستشهدة بالمتاجر الحكومية في الاتحاد السوفييتي السابق، التي ارتبطت بطوابير الخبز الطويلة أكثر من ارتباطها بانخفاض الأسعار. وترى المجلة أن المتاجر المدعومة قد تكون مفيدة في المناطق الريفية أو النائية التي تعاني نقصاً في الخدمات، إلّا أن تعميمها في أسواق تتوافر فيها المنافسة قد يؤدي إلى إضعاف المتاجر الخاصة وإخراج بعضها من السوق، من دون معالجة الأسباب الفعلية لارتفاع الأسعار.

وتخلص ذي إيكونوميست إلى أنّ أزمة غلاء الغذاء تعكس بالدرجة الأولى صدمات عالمية أصابت تكاليف الإنتاج والطاقة وسلاسل الإمداد وسوق العمل، وأن معالجة هذه الأزمة تتطلب سياسات تستهدف جذور المشكلة، بدلاً من تحميل متاجر السوبرماركت وحدها مسؤولية ارتفاع الأسعار.