غزة... إعادة فتح المشاريع الصغيرة بارقة أمل في مواجهة التهجير

20 فبراير 2025   |  آخر تحديث: 03:21 (توقيت القدس)
سوق يكتظ بالمستهلكين بين مبانٍ مدمرة في خانيونس، 14 فبراير 2025 (الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يسعى سكان غزة لإعادة بناء الاقتصاد المحلي بعد الحرب باستخدام مواد مؤقتة ومولدات كهربائية بدائية، في محاولة لجذب الزبائن والحفاظ على لقمة العيش.
- يروي أصحاب المشاريع الصغيرة قصص صمود وتحدي، مثل أسعد مهنا وسليمان صبح وإياد السرحي، الذين استخدموا إمكانيات بسيطة لإعادة بناء مشاريعهم وتوفير دخل لأسرهم.
- يواجه سكان غزة تحديات اقتصادية هائلة مع انكماش الناتج المحلي وارتفاع البطالة والفقر، مما يدفعهم للبحث عن حلول مبتكرة لتجاوز الأزمات.

 

لم يستسلم التجار وأصحاب المحال والمطاعم وحتى أصحاب البسطات الصغيرة لواقع الركام الذي خلفته الحرب الإسرائيلية المدمرة على قطاع غزة، حيث يحاول كثيرون منهم إعادة الحياة لطبيعتها والبدء من جديد لاستنهاض الاقتصاد رغم الظروف القاسية.

ويظهر القطاع الخاص في غزة جزءاً من نسيج المجتمع، من خلال إعادة ترميم أصحاب المحال التجارية مصادر رزقهم، ومثلهم أصحاب المطاعم والبقالات والاستراحات والبسطات الصغيرة، في مسعى لتحدي الدمار وإيجاد بارقة أمل وسط الركام.

إعادة فتح الأبواب

ويمكن ملاحظة المحاولات الحثيثة في قطاع غزة، وتحديدا في محافظتي غزة والشمال، اللتين تمكن سكانهما من العودة إليهما أخيرا بعد نزوح قسري جنوبا، كذلك الحال في المحافظات الجنوبية في مدينتي رفح وخانيونس، لإعادة ترميم واجهات المحال المتضررة باستخدام ألواح خشبية وشوادر بلاستيكية باعتبارها حلولاً مؤقتة إلى حين توفر مواد البناء، كما استعان بعضهم بمخلفات المباني المدمرة لترميم جزء من محله، في محاولة لجذب الزبائن.

في قلب مدينة غزة، بدأ العديد من أصحاب المطاعم الصغيرة والكبيرة بإعادة فتح أبوابها رغم انعدام المقومات الأساسية، حيث يعتمد أصحابها على مولدات كهربائية بدائية وألواح طاقة مهترئة وموارد شحيحة لتقديم أبسط الوجبات، بهدف الحفاظ على لقمة العيش وإعادة تشغيل العمال والصنايعية ودفع الاقتصاد المحلي ولو بالحد الأدنى.

وبموازاة ذلك، تشهد شوارع مدينة غزة العديد من المحاولات الذاتية لترميم وتجهيز المطاعم الكبيرة والشهيرة والتي تقدم المأكولات الشرقية والغربية لافتتاحها قريبا، ومثلها مطاعم المأكولات الشعبية المعروفة، كما يتم إصلاح ما يمكن إصلاحه من المحال الخاصة بالمرطبات والبقالات، والملابس والمفروشات، والصيدليات ومراكز البصريات والتجميل، والتي أصيبت جميعها بأضرار.

قصص من الصمود اليومي في غزة

تروي البسطات الصغيرة المنتشرة على مفترقات الشوارع وبين الأنقاض قصصاً من الصمود اليومي، حيث يجمع أصحابها الخضار أو الملابس المستعملة أو المواد الغذائية أو ما يمكن بيعه من المساعدات الإنسانية، ويفرشونها على الأرصفة وعلى ألواح خشبية لتوفير قوت أسرهم في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وخسارة مصادر دخلهم.

ويقول الفلسطيني أسعد مهنا، وهو صاحب مطعم للوجبات السريعة في حي النصر، غربي مدينة غزة، إنه أعاد افتتاح مطعمه بعد تدميره جزئيا، وقد دفعه إلى ذلك انعدام الخيارات لتوفير مصدر دخل لأسرته، فيما بات مدركا أن الانتظار لن يفيده، بل سيزيد خسائره المتراكمة.
ويوضح مهنا لـ"العربي الجديد"، أنه استخدم النايلون لإغلاق الفتحات في الجدران، كما استخدم بعض الألواح الخشبية لإغلاق الواجهة، وقد استعان بأصدقائه لتنظيف المطبخ وإعادة تأهيله بإمكانيات بسيطة، مضيفا: "الناس بحاجة للأكل، وأنا بحاجة للعمل".

ولم ينكر مهنا صعوبة الأوضاع الحالية، خاصة في ظل نقص الإمكانيات وغلاء أسعار المواد الخام وفي مقدمتها غاز الطهي، الأمر الذي دفعه إلى تحديد أصناف أساسية في العمل، مثل الشاروما والكباب والكبدة والسلطات، في محاولة للحفاظ على وجوده في السوق.

يبيع ذهب زوجته لتأسيس تجارته

في السياق ذاته، يبين الفلسطيني سليمان صبح أنه باع ذهب زوجته المتبقي بعدما صرف جزءاً منه خلال رحلة النزوح لشراء كمية من الملابس الجاهزة وبيعها على بسطته التي أنشأها في الشارع الرئيسي لحي الرمال، ويقول إن الكثير من المحال التجارية ما زالت مغلقة أو مدمرة، الأمر الذي يتطلب إيجاد بدائل مؤقتة.

ويلفت صبح، في حديث "العربي الجديد"، إلى أنه بعد تدمير بيته لم يتبق له شيء، لذلك حاول إيجاد مصدر دخل سريع يعينه على توفير الدخل واستئجار شقة صغيرة، مبينا أنه يبيع بهامش ربح بسيط لمحاولة جذب الزبائن.
بينما يوضح صاحب مشروع صناعة "التميس" إياد السرحي أنه استجمع قواه بعد تدمير بيته بالكامل واستشهاد شقيقه عبد الحليم برفقة اثنين من أطفاله، وذلك باستئجار بقالة لم يتمكن صاحبها من تشغيلها بسبب ظروفه الاقتصادية الصعبة، على أمل توفير متطلبات أسرته الأساسية، إلى جانب الإيفاء ببدل الإيجار.

ويصف السرحي صعوبة إعادة افتتاح المشاريع في ظل ظروف صعبة ومعقدة، إلا أنه سعى لاستغلال وجود الفرن المخصص لصناعة التميس، وتنظيف المكان المتواضع وتهيئته لاستقبال الزبائن.

وتتعدد أصناف التميس التي يقدمها السرحي، والتي تحاول مراعاة الظروف الاقتصادية، عبر تنويع الوجبات بأسعار مختلفة تبدأ بدولار واحد لأصناف مثل الزعتر والجبن وصولاً إلى ثلاثة دولارات لأصناف اللحوم والميكسات.

افتتاح مقهى صغير في غزة

أما الفلسطيني سامي المغاري فقد قرر افتتاح مقهى صغير وتوفير جلسة شبابية لتقديم المشروبات الساخنة، واختار مكانه بالقرب من نقطة إنترنت لإعانة بعض الشباب على إتمام عملهم أو التصفح خلال جلستهم.
ويبين المغاري، الذي فقد عمله موظفاً في شركة خاصة تعرضت للتدمير خلال الحرب، أن أصدقاءه وأقاربه شجعوه على فتح المقهى في الحي، لأن الناس بحاجة لمكان يجتمعون فيه، حتى ولو كان بسيطاً، وقد استخدم بعض الأثاث المتواضع في تجهيزه.
ويستعين المغاري ببعض التجار المحليين والذين يعانون من الظروف نفسها للحصول على ما يحتاجه بأسعار معقولة، فيما يضيء المقهى الخاص به عبر ليدات إضاءة موصولة ببطارية متوسطة، يشحنها داخل نقطة شحن على الطاقة الشمسية.

تحديات مشروع الحلويات

أما صاحبة المشروع الخاص بالحلويات المنزلية هدى نصار، فتقول لـ"العربي الجديد"، إنها قررت البدء بمشروعها فور العودة من مدينة دير البلح إلى مدينة غزة، وتضيف: "كنت أهوى صنع الحلويات قبل الحرب، وبعد الدمار الذي طاول بيتنا، فقد زوجي عمله وأصبحنا بحاجة لمصدر دخل، بدأت أصنع الكعك والمعجنات، ويبيعها زوجي داخل دكان قريب".
وعن أكبر التحديات التي واجهتها، توضح نصار أنها واجهت تحديا في إيجاد المكان الخاص بالسكن أولا ومن ثم بيع المنتجات، إلى أن استأجر زوجها الدكان بمقابل مادي بسيط، كما تواجه أزمة في نقص المواد الخام وغلاء أسعارها.

وتعرض القطاع الاقتصادي في غزة لأضرار جسيمة نتيجة الحروب المتكررة والصراعات المستمرة، ووفقا لتقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، انكمش الناتج المحلي الإجمالي في قطاع غزة بنسبة تجاوزت 82% مع نهاية عام 2024، ما أدى إلى ارتفاع معدل البطالة إلى ما يزيد عن 80%.

إلى جانب ذلك، أشار تقرير للبنك الدولي إلى أن جميع سكان قطاع غزة يعانون من الفقر، حيث بلغت نسبته 100%، مع تجاوز معدل التضخم 250%، بينما أفادت مصادر محلية عن تدمير شبه كامل للاقتصاد الفلسطيني بنسبة تزيد عن 93%، وخسارة مئات آلاف العمال الدائمين وبنظام المياومة مصادر رزقهم.

المساهمون