غرينلاند.. ثروات معدنية حيوية بين القيود المحلية والاستراتيجية الأميركية

12 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 15:15 (توقيت القدس)
نوك، غرينلاند، 18 يناير 2026 (العربي الجديد)
+ الخط -
اظهر الملخص
- غرينلاند تثير اهتماماً عالمياً بسبب ثرواتها المعدنية، خاصة العناصر الأرضية النادرة، حيث تسعى الولايات المتحدة لتعزيز وجودها لكسر هيمنة الصين، رغم امتلاكها رواسب ضخمة في كاليفورنيا. التحدي يكمن في صعوبة فصل هذه العناصر.

- تواجه غرينلاند تحديات تقنية وقانونية في استخراج المعادن، خاصة اليورانيوم المحظور مؤقتاً بسبب المخاطر البيئية، مما يجعله مورداً استراتيجياً غير مستغل.

- تستثمر الولايات المتحدة في التنقيب والتعدين لضمان استقلالية سلسلة التوريد ومواجهة النفوذ الصيني، بينما تظل أوروبا معتمدة على الإمدادات الآسيوية، مما يهدد أهدافها المناخية.

أصبحت غرينلاند محور اهتمام عالمي في السنوات الأخيرة، ليس فقط لأسباب أمنية وجيوسياسية، بل أيضاً لما تحتويه من ثروات معدنية هائلة، ولا سيما العناصر الأرضية النادرة المستخدمة في الطائرات المقاتلة والسيارات الكهربائية وأنظمة الرادار والصواريخ. ويُفسَّر هذا الاهتمام الأميركي جزئياً بتعزيز وجود الولايات المتحدة في الجزيرة ضمن استراتيجية تهدف إلى كسر هيمنة الصين على المعادن الحيوية، التي تتحكم في نحو 90% من السوق العالمية للمعادن الأرضية النادرة المعالجة. ورغم ذلك، يرى خبراء جيولوجيون دنماركيون أن الاهتمام الأميركي بالمعادن الغرينلاندية غير منطقي، إذ تمتلك الولايات المتحدة بالفعل رواسب ضخمة، أبرزها منجم ماونتن باس في كاليفورنيا، وهو أكبر منجم لهذه المعادن في الغرب. 

ويشير الخبراء إلى أن العناصر الأرضية النادرة ليست نادرة كما يوحي الاسم، فهي متوفرة في مناطق متعددة حول العالم، بما في ذلك السويد القريبة من الدنمارك. إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في صعوبة فصلها عن بعضها عند معالجة الخام، وهو ما وصفه الجيولوجي الدنماركي بير كالفي بفصل الحليب عن القهوة. ويضيف كالفي، في حديثه لصحيفة "بيرلنغسكا" في كوبنهاغن، أن الولايات المتحدة لا تعاني نقصاً في الخام، بل في المصافي والقدرات الصناعية اللازمة لتحويله إلى منتجات قابلة للاستخدام الصناعي.

الموارد المعدنية في غرينلاند

تضم غرينلاند رواسب من العناصر الأرضية النادرة في مناطق مثل جبل كرينغليرن جنوبي الجزيرة، إضافة إلى معادن أخرى مهمة تشمل الرصاص والزنك، إلى جانب اليورانيوم كمخلفات ثانوية في بعض المواقع. ورغم هذه الإمكانات، يشير الجيولوجيون في كوبنهاغن إلى أن استخراج هذه المعادن يتطلب تقنيات متقدمة وكلفة مرتفعة. كذلك إن تركيز المعادن في بعض الرواسب، مثل جبل كرينغليرن جنوب شرقي الجزيرة، ليس مرتفعاً بما يكفي ليجعل مواقع التعدين مجدية اقتصادياً مقارنة بمناجم أخرى، مثل ماونتن باس في الولايات المتحدة.

قيود استخراج اليورانيوم في غرينلاند

على الرغم من وجود رواسب معتبرة من اليورانيوم في بعض مناطق غرينلاند، فإن استخراج هذا العنصر لم يبدأ فعلياً. ويرجع السبب الرئيس إلى القيود القانونية والسياسية المحلية، إذ يحظر قانون التعدين في غرينلاند لعام 2021 استخراج اليورانيوم مؤقتاً بسبب المخاطر البيئية والإشعاعية المحتملة، إضافة إلى معارضة واسعة من السكان المحليين الذين يرفضون أي نشاط قد يهدد الصحة العامة أو البيئة الطبيعية الهشة في الجزيرة. كذلك تتبنى الحكومتان، الدنماركية والغرينلاندية، سياسة حذرة تجاه المشاريع النووية والمعدنية المثيرة للجدل، حيث يُتعامل مع اليورانيوم بحذر شديد نظراً لأهمية البيئة القطبية والموارد المائية الحساسة، ما يجعل أي مشروع لاستخراجه يخضع لدراسات تقييم بيئي مطولة وموافقات متعددة قبل الشروع فيه. وبذلك، يظل اليورانيوم في غرينلاند مورداً استراتيجياً محتملاً، لكنه غير مستغل حتى الآن.

استراتيجيات الاستثمار الأميركية

بدأت الولايات المتحدة منذ عام 2017 بتحريك استثمارات كبيرة لضمان الاكتفاء الذاتي في المعادن الحيوية، شملت التنقيب والتعدين، وصولاً إلى إنشاء المصافي التي تنتج المنتجات النهائية المستخدمة في التكنولوجيا العسكرية والمدنية. وقد دعمت وزارة الحرب الأميركية هذه المشاريع مباشرة، فيما شارك بنك التصدير والاستيراد الأميركي (EXIM Bank) في تمويل مشاريع خارجية، من بينها مشروع "تانبريز" في كرينغليرن بغرينلاند. وكان أبرز هذه الاستثمارات دعم منجم ماونتن باس في كاليفورنيا، الذي يُعد الأكبر في الغرب، مع استثمار يقدَّر بنحو 400 مليون دولار لضمان استمرارية الإنتاج لعشر سنوات مقبلة.

كذلك أبرمت وزارة الحرب اتفاقيات لإنشاء مصافٍ للمعادن الأرضية النادرة في دول مثل السعودية، بهدف تأمين سلسلة توريد متكاملة تمتد من استخراج الخام إلى إنتاج المنتجات النهائية. وتؤكد هذه التحركات أن الولايات المتحدة بدأت تتصرف بطريقة مشابهة للصين، التي سيطرت على السوق العالمية عبر بناء سلسلة إنتاج متكاملة من التعدين إلى المعالجة، ما أدى إلى إخراج منافسين من السوق. إلا أن الولايات المتحدة تعتمد أسلوباً مختلفاً، يقوم على الاستثمار الحكومي والدعم المالي بدلاً من السيطرة المباشرة على الإنتاج.

الصين وأوروبا

تجعل سيطرة الصين على السوق العالمية للعناصر الأرضية النادرة الغرب أكثر وعياً بحجم ضعفه، ولا سيما أوروبا التي لم تستثمر بالقدر الكافي في الصناعات المحلية للمعادن الحيوية. ويهدد هذا النقص أهداف الاتحاد الأوروبي المناخية لعام 2030، نظراً لاعتماد الصناعات الأوروبية كثيراً على الإمدادات الآسيوية. ويرى خبراء أن الولايات المتحدة تسعى حالياً لضمان استقلالية سلسلة التوريد بالكامل، بهدف مواجهة النفوذ الصيني وضمان أمنها الصناعي والعسكري في المستقبل.

النفط والغاز: الذهب الخفي

إلى جانب المعادن الأرضية النادرة، يشير الجيولوجيون الدنماركيون إلى أن الموارد النفطية والغازية في غرينلاند قد تكون ذات قيمة تتجاوز المعادن نفسها، ما يجعل الجزيرة هدفاً استراتيجياً مزدوج الأهمية، يجمع بين المعادن الحيوية للتكنولوجيا وموارد الطاقة الضخمة. وتفسر هذه الديناميكية استمرار اهتمام الولايات المتحدة والأطراف الغربية بالجزيرة، رغم أن العديد من المشاريع التعدينية لم تُستغل بعد بسبب التحديات التقنية والقانونية. وفي المحصلة، وعلى الرغم من الضجة الإعلامية حول رغبة الولايات المتحدة في السيطرة على معادن غرينلاند، يرى الخبراء أن الهدف الحقيقي لا يكمن في نقص المواد الخام، بل في ضمان الأمن الاستراتيجي وتأمين سلسلة توريد مستقلة في مواجهة النفوذ الصيني وتطور الصناعات التكنولوجية والعسكرية. وبينما تبدو الإمكانات المعدنية في الجزيرة هائلة، فإن التحديات الاقتصادية والفنية تجعل الاستثمار فيها عملية معقدة، تعكس توازناً دقيقاً بين الطموحات الاقتصادية والاستراتيجية والسياسية في واحدة من أكثر المناطق حساسية وأهمية في العالم.

العناصر السبعة عشر الأرضية النادرة

تتكون مجموعة العناصر النادرة من 17 عنصراً كيميائياً، وهي: سكانديوم (Sc, 21)، إيتريوم (Y, 39)، لانثانوم (La, 57)، سيريوم (Ce, 58)، براسيوديميوم (Pr, 59)، نيوديميوم (Nd, 60))، بروميثيوم (Pm, 61)، ساماريوم (Sm, 62)، يوروبيوم (Eu, 63)، غادولينيوم (Gd, 64)، تيربيوم (Tb, 65)، ديسبروسيوم (Dy, 66)، هولميوم (Ho, 67)، إربيوم (Er, 68)، ثوليوم (Tm, 69)، إيتربيوم (Yb, 70)، لوتيتيوم (Lu, 71).

وتشير تقارير أوروبية وأميركية إلى أن كل طائرة مقاتلة من طراز F-35 تحتوي على نحو 450 كيلوغراماً من المعادن الأرضية النادرة. كذلك تعتمد أوروبا كثيراً على موردين خارجيين لهذه المعادن، إذ تزود الصين 97% من المغنيسيوم و71% من الغاليوم، بينما يأتي 79% من الليثيوم من تشيلي، و65% من الفوسفور من كازاخستان، ونحو 62% من الألمنيوم من غينيا في أفريقيا.