عُمان تستثمر موقعها خارج مضيق هرمز... وتحقق مكاسب تجارية
- رغم انخفاض صادرات النفط والغاز بنسبة 7.5%، أظهرت الصادرات غير النفطية متانة واضحة، وشهدت أنشطة إعادة التصدير نمواً بنسبة 66.8%، مستفيدة من موقعها الجغرافي خارج نطاق النزاعات في مضيق هرمز.
- حققت عُمان فوائد مالية كبيرة بفضل ارتفاع أسعار النفط والغاز، واتبعت سياسات فعالة للحد من التضخم، مثل إعفاء القطاع السياحي من الضرائب، مما يعكس مرونتها واستعدادها للسيناريوهات المستقبلية.
سجل قطاع التجارة الخارجية في سلطنة عُمان مرونة استثنائية بنهاية إبريل/ نيسان الماضي، بحسب آخر إحصاءات رسمية منشورة للفائض التجاري، والذي تجاوز ملياري ريال عماني، وهو ما يعادل أكثر من 5.4 مليارات دولار. ويرجع هذا الأداء الإيجابي إلى تجاوز القيمة الإجمالية للصادرات السلعية العمانية حاجز 7.6 مليارات ريال عماني خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري، في مقابل واردات سلعية إجمالية بلغت قيمتها 5.5 مليارات ريال عماني، ما قدم مؤشراً على قوة وجاذبية الأنشطة التجارية العمانية والروابط المتنامية مع الأسواق العالمية والإقليمية وساهم بفعالية في بقاء المركز التجاري الخارجي للسلطنة في مستويات فائض قوية ومستقرة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، والتي سجلت فائضاً قريباً بلغ 2.11 مليار ريال عماني، بحسب ما أورد تقرير نشرته "ستاندرد آند بورز" في 2 يوليو/ تموز الجاري.
وتلعب التطورات الجيوسياسية واضطرابات أسواق الطاقة العالمية دوراً مزدوجاً في إعادة تشكيل التدفقات الاقتصادية العمانية؛ إذ تستفيد السلطنة بشكل مباشر من بنيتها اللوجستية المتقدمة وموقعها الجغرافي الاستراتيجي المطل على المحيط المفتوح، وتشير تحليلات ائتمانية في هذا الصدد إلى أن "عمان هي الدولة الخليجية الوحيدة التي لا تعتمد صادراتها من الهيدروكربونات على مضيق هرمز، ما يقلل بشكل كبير من عرضتها للاضطرابات البحرية"، بحسب ما أورد تقرير سبق لـ "ستاندرد آند بورز" نشره في 27 مارس/ آذار الماضي.
وفي الوقت الذي شهدت فيه صادرات النفط والغاز انخفاضاً طفيفاً بنسبة 7.5% لتصل إلى 4.7 مليارات ريال عماني نتيجة التغيرات الجارية في منظومة الطاقة، أظهرت البيانات الرسمية للصادرات غير النفطية متانة واضحة حيث استقرت عند حدود 2.1 مليار ريال عماني مقارنة بـ 2.2 مليار في العام الماضي، وفي المقابل قفزت أنشطة إعادة التصدير بشكل مذهل لتسجل نمواً تاريخياً بنسبة 66.8% بالغة 770 مليون ريال عماني مقارنة بـ 462 مليون ريال في العام السابق.
وفي سياق تقييم آفاق الآثار الإيجابية للفوائض المالية، يوضح رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى سلطنة عمان، عبد الله الحسن، في بيانه الصادر عقب زيارة وفد الصندوق إلى مسقط، أن عُمان نجحت في الاستفادة من عناصر قوتها الهيكلية والجغرافية لامتصاص الصدمات الإقليمية العنيفة. وأكد الحسن في إفادته قائلاً: "أظهر اقتصاد عُمان حتى الآن قدرته على الصمود وسط أجواء الحرب في منطقة الشرق الأوسط، مدعوماً بموقع الموانئ الرئيسية للسلطنة خارج نطاق الاختناق عند مضيق هرمز، ونتيجة للاستمرار في انتهاج سياسات حكيمة"، بحسب ما أورد تقرير نشره موقع صندوق النقد الدولي في 16 يونيو/ حزيران الماضي.
وفي السياق، يشير الخبير الاقتصادي العماني، خلفان الطوقي، لـ "العربي الجديد"، إلى أن دول الخليج تعتمد بشكل كامل تقريباً على مصادر الطاقة من النفط والغاز، ومع تعرض إيران والعراق لإغلاق جزئي أو كلي لممراتهما التصديرية، بينما تبقى السعودية والإمارات مفتوحتين جزئياً، تبرُز سلطنة عمان طرفاً مستفيداً رئيسياً نظراً إلى موقعها الجغرافي خارج نطاق النزاعات المباشرة في مضيق هرمز.
ويوضح الطوقي أن عُمان استفادت من هذا الوضع بجذب زبائن جدد وتعزيز مصداقيتها وموثوقيتها مصدراً موثوقاً للطاقة، حيث زادت نسبة صادراتها لتعويض النقص الشديد في المخزونات العالمية التي كانت تصل إلى 20 مليون برميل يومياً، وتمكنت من إيصال شحناتها بنسبة 100% وفي الوقت المحدد وبأسعار مجزية، ما منحها ميزة تنافسية كبيرة في سوق متوترة.
كما حققت السلطنة فوائد مالية كبيرة بسبب ارتفاع أسعار النفط فوق التوقعات، إذ كانت موازنة عام 2026 قد حددت سعر البرميل عند 60 دولاراً، بينما راوح السعر الفعلي منذ بداية العام بين 65 و85 دولاراً، ولم ينخفض عن 65 دولاراً في أي فترة، ما خلق، بحسب الطوقي، فائضاً إيرادياً غير متوقع، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الغاز عالمياً وزيادة عوائد تصدير اليوريا والأمونيا.
وبذلك أصبحت عمان بمثابة "رئة" للموردين والمنطقة، حيث استفادت موانئها من تحول التجارة إليها بسبب تعرض بعض الموانئ السعودية والخليجية الأخرى للمخاطر، كما ساهم فتح خطوط خضراء وآمنة برية مع دبي والشارقة في الإمارات في فتح آفاق تجارية واسعة وزيادة الموارد الإضافية، فضلاً عن تضاعف حركة الشحن والطيران وخروج الأفراد من دبي نحو عُمان، ما دعم الاقتصاد المحلي خلال فترة الأزمة، بحسب رؤية الطوقي.
وعلى صعيد المستهلك، فرغم ارتفاع الأسعار بشكل طفيف، منع انفتاحُ الموانئ وتدفقُ البضائع عبر عُمان قبل توجهها إلى دول الخليج الأخرى حدوثَ نقصٍ ملحوظ في السلع، بحسب الطوقي، الذي يشير إلى أن الحكومة العمانية اتبعت سياسات فعالة للحد من التضخم شملت إعفاء القطاع السياحي من الضرائب لفترة معينة، وإلغاء الرسوم الجمركية والضريبية على السفن المحملة بالمواد الغذائية القادمة من الهند للحفاظ على أسعار رخيصة ومستقرة.
ولا تزال الحكومة العمانية تحتفظ بمبادرات إضافية جاهزة للتطبيق في حال استمرار الحرب وتصاعد الأزمة، لكنها تنتظر الوقت المناسب لإعلانها ما دامت الأسعار ضمن حدود المعقول، ما يعكس، وفق الطوقي، مرونة في إدارة الملف الاقتصادي واستعداداً للسيناريوهات المستقبلية.