استمع إلى الملخص
- بالرغم من الصعوبات، تظهر مبادرات ومساحات عمل مشتركة في غزة لدعم العمل عن بُعد، مما يوفر حلولاً مؤقتة للتغلب على مشاكل الكهرباء والإنترنت، ويعتبر نافذة أمل لاستعادة النشاط الاقتصادي.
- هناك حاجة ماسة لدعم دولي واستثماري لإعادة بناء سوق العمل الرقمي في غزة، الذي يمتلك إمكانيات كبيرة في مجالات مثل التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي.
يشهد سوق العمل الرقمي في غزة محاولات حثيثة لاستعادة نشاطه بعد عامين من الحرب المدمرة التي غيّرت شكل الحياة الاقتصادية والاجتماعية على حد سواء. وبالرغم من انقطاع الكهرباء والإنترنت، وتردد الشركات العالمية في التوظيف، يحاول الشباب العودة لأعمالهم عبر مساحات عمل مشتركة، توفر حلولاً مؤقتة، فيما يؤكد خبراء أن هذا القطاع كان رافداً اقتصادياً مهماً قبل الحرب على القطاع، ويتطلب دعماً لإحيائه. ومع انقطاع الكهرباء، وانهيار شبكات الإنترنت، والنزوح المتكرر، وفقدان آلاف المنازل والمنشآت في غزة، وجد نحو 25 ألف شاب وشابة كانوا يعملون عن بُعد أنفسهم خارج دائرة الإنتاج بين ليلة وضحاها.
هذه الفئة التي كانت تعد الأكثر قدرة على الابتكار وتجاوز قيود الحصار، وجدت نفسها في مواجهة واقع أكثر قسوة، ما رفع معدل البطالة إلى أكثر من 80% وفق تقرير "أونكتاد"، مقارنة بنسبة تقارب 45% قبل الحرب. وفي ظل هذا الانهيار، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل تدريجياً خلال الأسابيع الأخيرة، عنوانها الأبرز محاولات استعادة العمل عن بُعد، فبين من عاد للعمل فعلياً، ومن لا يزال يبحث عن فرصة جديدة، تتقاطع تجارب الشباب الغزي مع مشهد اقتصادي يعاني من الانقطاع وارتفاع التكاليف وغياب الاستقرار.
عودة تواجه صعوبات
وعلى الرغم من الواقع الاقتصادي الصعب، تظهر مساحة أمل عبر مبادرات ومساحات عمل مشتركة تنتشر في محافظات القطاع، رغم ما يرافقها من ملاحظات حول ارتفاع أسعارها مقارنة بدخل الشباب. ويراهن كثير من الشباب على أن سوق العمل الرقمي قد يكون نافذة حقيقية لكسر حالة الركود، خاصة مع تأقلم المجتمع الغزي خلال سنوات الحصار التي سبقت الحرب مع الظروف الطارئة والضاغطة. ولعل عودة العمل عن بُعد لا تمثل مجرد دخل اقتصادي، بل استعادة لمساحة من الحياة الطبيعية وكرامة العمل، خصوصاً لمن أثبتوا خلال سنوات ما قبل الحرب قدرتهم على المنافسة في الأسواق العالمية.
وقال الفلسطيني محمد المقيد، وهو واحد من آلاف الشبان الذين فقدوا وظائفهم خلال الحرب: "كنا أكثر فئة منتجة ومبدعة، وشخصياً كانت تجربتي ممتازة مع الشركة التي كنت أعمل معها، سواء من حيث الراتب أو التعامل الإداري، لكن الآن كل شيء تبخر". ووصف المقيد لـ"العربي الجديد"، رحلة العودة إلى العمل بأنها "شبه مستحيلة" في ظل الظروف الراهنة، فالشركات العالمية تتردد في التعاقد مع أي موظف من غزة خوفاً من الانقطاع المفاجئ، إلى جانب مشاكل الإنترنت والكهرباء والعمولات وتأخّر التسليم. وأوضح أن هذا الواقع يجعل المنافسة صعبة جداً، حتى لمن يمتلكون خبرة طويلة في مجالات البرمجة والتصميم والتسويق الرقمي أو التعليق الصوتي. وشدد المقيد على أن التحدي لا يقتصر على العثور على وظيفة، بل يتجاوز ذلك إلى القدرة على الاستمرار فيها بأدوات وبنية تحتية غير مستقرة، مشيراً إلى أن الحرب لم تكن فقط خسارة وظائف بل خسارة شبكة كاملة من الفرص والإمكانات.
أما الفلسطيني نعيم أبو السعود، مهندس البرمجيات الذي كان يعمل في تطوير مواقع الإنترنت، فيروي فصلاً آخر من فصول المعاناة، قائلاً لـ"العربي الجديد": "كنت أحصل قبل الحرب على راتب يصل إلى 1700 دولار شهرياً، وهو رقم مرتفع مقارنة بالمتوسط المحلي، لكني اليوم أعيش واقعاً مختلفاً تماماً، فلم أتمكن من العودة إلى عملي منذ أكثر من عامين". ووصف أبو السعود الذي يعيل أسرته المكونة من ثمانية أفراد، وضعه الحالي بـ"المأساوي"، حيث يعتمد على المساعدات الإنسانية، بعد أن كان له دخل شهري، قائلاً: "لم أكن أتوقع يوماً أن أجد نفسي دون عمل، خصوصاً أن سوق البرمجيات كان واسعاً ولدي خبرة كبيرة فيه".
ولفت إلى أن فقدان الإنترنت وتدمير مناطق كاملة أوقفا سوق البرمجة بالكامل، بعد أن كان من أكثر القطاعات نشاطاً في غزة قبل الحرب، سواء في العمل الحر، أو العقود طويلة الأجل مع شركات عالمية، "ومع غياب القدرة على الاستقرار في مكان واحد، تصبح العودة إلى السوق الرقمي شبه مستحيلة". وبيّن أنه بالرغم من محاولاته المتكررة للعودة إلى العمل عن بُعد، سواء عبر منصات العمل الحر أو التواصل المباشر مع شركات خارجية، فإن العروض قليلة جداً للغزيين، بسبب التعقيدات الكثيرة، وتخوّف الشركات من الانقطاع عن العمل مجدداً.
تحديات مستمرة
في المقابل، قالت الفلسطينية رغد سلمان، التي تعمل في مجال كتابة المحتوى، إنها تمكنت مؤخراً من العودة إلى عملها السابق بعد انقطاع دام قرابة عامين، موضحة أن الجهة المشغّلة أعادتها إلى فريقها مجدداً بسبب حاجتهم الملحة لخبرتها في مجال عملها. وأضافت سلمان لـ"العربي الجديد": "لم أتوقع أن أتلقى رسالة العودة بعد كل هذا الغياب، شعرت بأن نافذة صغيرة من الأمل فتحت أخيراً، خاصة بعد فترة طويلة من البطالة وعدم وضوح المستقبل". وبالرغم من شعورها بالامتنان لعودتها إلى العمل، فإن التحديات اليومية لا تغيب عن تفكيرها، إذ تؤكد أن أكثر ما يثير قلقها هو انقطاع الإنترنت والكهرباء بشكل مفاجئ، الأمر الذي قد يجعلها غير قادرة على الالتزام بمواعيد تسليم عملها.
وأشارت سلمان إلى أن الإنترنت اليوم أضعف بكثير مما كان عليه قبل الحرب، "وأحياناً لا أستطيع رفع الملفات أو حضور الاجتماعات، وهذا يوقعني في ضغط كبير، خوفاً من فقدان الفرصة مرة أخرى". ولفتت إلى أنها تذهب إلى إحدى مساحات العمل في مخيم النصيرات، وسط القطاع، لإنجاز مهامها، لكنها تشكو من ارتفاع تكلفتها اليومية مقارنة بدخلها الحالي، قائلة: "سعر الحجز اليومي مرتفع جداً بالنسبة لنا، لكن ليس أمامي خيار آخر، أحاول أن أوازن بين مصاريفي وبين ضرورة المحافظة على عملي، لأن العودة لسوق العمل عن بُعد كانت حلماً انتظرته طويلاً، ولا أريد أن أفقده بسبب ظروف خارجة عن إرادتي".
وفي محاولة لخلق بيئة بديلة، قرر عبد الرحمن إبراهيم، صاحب مشروع لمساحات العمل في منطقة الشيخ رضوان بمدينة غزة، افتتاح مركزه مباشرة، بعد وقف إطلاق النار في منتصف أكتوبر الماضي. وقال إبراهيم لـ"العربي الجديد" إن سعر المساحة اليومية للفرد كان 10 دولارات، قبل أن يخفضه إلى 8 دولارات، بعد انخفاض أسعار الكهرباء، لكنه يؤكد أن التكلفة التشغيلية لا تزال مرتفعة للغاية، "فالإيجار مرتفع، وسعر الكيلووات الواحد من الكهرباء يصل إلى 20 شيكلاً (الدولار = 3.24 شواكل)، إضافة إلى أسعار المكاتب والكراسي والأثاث التي تضاعفت خلال الحرب". وبالرغم من الشكاوى من ارتفاع سعر الخدمة، فإن المشروع يحقق جدوى اقتصادية إلى حد ما، خصوصاً مع الإقبال المتزايد من الشباب الراغبين في استعادة عملهم عن بُعد عقب فترة انقطاع طويلة. وأوضح إبراهيم أن مساحات العمل أصبحت ملاذاً للكثيرين لتجاوز مشكلة الكهرباء والإنترنت، لكنها ليست حلاً دائماً، بل خطوة مؤقتة لحين استقرار الظروف وعودة الكهرباء والإنترنت للسكان.
فقدان سوق مهم
من جهته، يرى المختص في الشأن الاقتصادي، عماد لبد، أن سوق العمل عن بُعد كان يمثل رافداً مهماً لتحسين دخل السكان خلال سنوات الحصار، إذ ساهم في خفض نسبي لمعدلات البطالة، "لكن الحرب الأخيرة دمرت هذا القطاع بالكامل، لترتفع نسبة البطالة إلى 83% وهي نسبة مضاعفة مقارنة بما قبل الحرب". وقال لبد لـ"العربي الجديد" إن سوق العمل التقليدي في غزة تعرّض لعطل خلال سنوات الحصار ما دفع آلاف الشباب للبحث عن حلول بديلة، كان أبرزها العمل الحر عبر الإنترنت، "لكن خلال عامي الحرب توقف معظم هذا النشاط بسبب القصف المتكرر وفقدان البنية التحتية الأساسية".
وأشار إلى أن متوسط دخل العاملين عن بُعد كان يصل إلى 1100 دولار، أي أربعة أضعاف متوسط الأجور التقليدية في غزة، وهو ما جعل هذا القطاع حبل نجاة للكثيرين، "كما أن غزة تمتلك من الخبرات الرقمية ما يجعلها قادرة على المنافسة في مجالات التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والتصميم وغيرها". ولفت لبد إلى أن التحديات التي تواجه السوق الرقمي لا تزال كبيرة، أبرزها ضعف البنية التحتية من كهرباء وإنترنت، وصعوبة تحويل الدخل من الخارج بسبب القيود المالية، وغياب المشاريع في فترات الحرب، ما يستدعي دعماً دولياً واستثمارياً لإعادة بناء هذا القطاع الحيوي.