عودة حرب الناقلات للخليج... 5 عقود من استهداف شحنات النفط والغاز
- بدأت "حرب الناقلات" في الثمانينيات خلال الحرب العراقية-الإيرانية، حيث استهدفت ناقلات النفط، مما دفع الولايات المتحدة لحماية الناقلات الكويتية. التوترات استمرت في مضيق هرمز مع تطور التهديدات.
- النسخة الحالية أكثر تعقيداً، حيث تتداخل مصالح قوى إقليمية ودولية، مما يؤدي إلى تقلبات في أسعار النفط وزيادة كلفة النقل والتأمين، مؤثراً على سلاسل الإمداد وأسعار السلع.
ليست الهجمات التي تطاول الناقلات والسفن التجارية في مياه الخليج والبحر الأحمر منذ أشهر مجرد تطور عسكري عابر، بل أعادت إلى الواجهة مصطلحاً ارتبط بواحدة من أخطر مراحل الصراع في الشرق الأوسط على مدى قرابة خمسة عقود، هو "حرب الناقلات". فمع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، عاد شبح استهداف السفن التجارية ليخيّم على أهم الممرات البحرية في العالم، وسط مخاوف من أن يتحول الصراع إلى أزمة تطاول إمدادات الطاقة والتجارة الدولية.
والأحدث، على هذا الصعيد، كان إعلان استهداف الجيش الأميركي، الخميس، ناقلة نفط عملاقة قرب محطة تصدير النفط الرئيسية في إيران، في أول هجوم له على سفينة منذ أن أعاد فرض حصاره على الملاحة البحرية للبلاد.
والناقلات، بالمعنى الاقتصادي، ليست مجرد وسائل لنقل النفط، بل حلقة أساسية في استقرار الأسواق العالمية، ما يعني أن أي هجوم على سفينة أو تهديد بإغلاق مضيق هرمز ينعكس مباشرة على أسعار النفط وكلفة الشحن والتأمين، حتى قبل وقوع أي نقص فعلي في الإمدادات. وبحسب "إدارة معلومات الطاقة الأميركية" (EIA)، يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل من النفط والمشتقات يومياً، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية، فضلاً عن نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، بما يجعل المضيق أهم شرايين الطاقة.
ورغم أن استهداف السفن التجارية عرفته الحروب منذ قرون، فإن مصطلح "حرب الناقلات" برز رسمياً خلال الحرب العراقية - الإيرانية (1980-1988)، عندما قرر الطرفان نقل المواجهة إلى البحر بعد تعثر العمليات البرية. وحسب الموسوعة البريطانية (Encyclopaedia Britannica)، بدأت حرب الناقلات فعلياً في 26 إبريل/نيسان 1984 عندما كثّف العراق هجماته على ناقلات النفط المتجهة إلى جزيرة خارك الإيرانية، قبل أن ترد طهران باستهداف ناقلات مرتبطة بدول الخليج، لتتحول الملاحة في الخليج إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
واستخدم العراق آنذاك طائرات "ميراج إف-1" الفرنسية المزودة بصواريخ "إكزوسيت" (Exocet) لاستهداف السفن، في محاولة لتجفيف الموارد المالية الإيرانية. لكن طهران ردت سريعاً باستهداف ناقلات النفط المرتبطة بالكويت والسعودية، معتبرة أن البلدين يقدمان دعماً مالياً وسياسياً إلى بغداد، لتتحوّل مياه الخليج خلال أشهر قليلة إلى واحدة من أخطر مناطق الملاحة في العالم.
ووفق "المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية" (IISS)، تعرضت أكثر من 450 سفينة تجارية وناقلة نفط لهجمات مختلفة بين عامي 1984 و1988، شملت صواريخ وألغاماً بحرية وغارات جوية، فيما قُتل وأصيب مئات البحارة من عشرات الجنسيات.
ومع اتساع نطاق الهجمات، طلبت الكويت عام 1987، حماية دولية لناقلاتها، لتطلق الولايات المتحدة عملية "إرنست ويل" (Earnest Will)، التي أعادت خلالها تسجيل ناقلات كويتية تحت العلم الأميركي ورافقتها بقطع بحرية، في أكبر عملية حماية للناقلات منذ الحرب العالمية الثانية. غير أن ذلك لم يمنع وقوع حوادث خطيرة.
ففي مايو/أيار 1987، أصابت طائرة عراقية الفرقاطة الأميركية "ستارك" (USS Stark) بصاروخين، ما أدى إلى مقتل 37 بحاراً، قبل أن تتعرض السفينة الأميركية "سامويل روبرتس" (USS Samuel B. Roberts) للغم بحري عام 1988، الأمر الذي دفع واشنطن إلى تنفيذ عملية "فرس النبي" (Praying Mantis) ضد أهداف بحرية إيرانية، في أكبر مواجهة بحرية مباشرة بين البلدين.
وتشير وثائق مجلس الأمن إلى أن وقف إطلاق النار بين العراق وإيران في أغسطس/آب 1988، قد أنهى حرب الناقلات الأولى، لكنه لم ينهِ المخاطر التي تهدد الملاحة، إذ بقي مضيق هرمز نقطة توتر دائمة في أي أزمة إقليمية. بيد أن الهجمات عادت بصورة متقطعة خلال العقود اللاحقة، سواء عبر احتجاز ناقلات أو استهداف سفن تجارية أو زرع ألغام بحرية، إلا أن المشهد تغير جذرياً مع التطور التكنولوجي، إذ لم تعد السفن مهددة بالصواريخ التقليدية فقط، بل أيضاً بالطائرات المسيّرة والزوارق غير المأهولة وعمليات التشويش الإلكتروني على أنظمة الملاحة.
حرب الناقلات الحالية أكثر تعقيداً
ورغم مرور نحو أربعة عقود على نهاية حرب الناقلات الأولى، يبدو أن النسخة الحالية أكثر تعقيداً وأوسع نطاقاً. ففي الثمانينيات كانت المواجهة محصورة عملياً بين العراق وإيران، أما اليوم فتتشابك فيها مصالح قوى إقليمية ودولية، فيما تمتد رقعة التهديد من مضيق هرمز إلى باب المندب والبحر الأحمر، وهي ممرات يمرّ عبرها جانب كبير من تجارة الطاقة والبضائع بين آسيا وأوروبا.
وتؤكد "الوكالة الدولية للطاقة" (IEA) أن الأسواق أصبحت أكثر حساسية تجاه المخاطر الجيوسياسية، إذ يكفي الإعلان عن هجوم على ناقلة أو احتجاز سفينة حتى تقفز أسعار النفط وتتذبذب الأسواق، حتى لو استمرت الإمدادات بالتدفق. ويعود ذلك إلى أن المتعاملين يسعّرون المخاطر المستقبلية قبل وقوعها، وهو ما يفسّر الارتفاعات السريعة التي شهدتها أسعار الخام مع كل تصعيد في الخليج أو البحر الأحمر.
كما تشير شركة "لويدز ليست" (Lloyd's List) المتخصصة إلى أن شركات الملاحة أصبحت تعيد تقييم مساراتها يومياً، بينما تراقب شركات تتبع السفن مثل "كبلر" (Kpler) و"فورتيكسا" (Vortexa) أي تراجع في حركة الناقلات أو تغير في خطوط الإبحار، لأن ذلك يشكل مؤشراً مبكراً إلى اضطراب أسواق الطاقة. ولا تقتصر الخسائر على النفط وحده، إذ تؤكد "منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية" (UNCTAD) أن تعطيل الملاحة في الممرات البحرية الاستراتيجية يرفع كلفة النقل البحري ويؤخر وصول البضائع ويزيد الضغوط على سلاسل الإمداد، بما ينعكس في نهاية المطاف على أسعار السلع للمستهلكين حول العالم.
وبذلك، يتبدّى أن أولى ضحايا أي حرب ناقلات ليست السفن، بل قطاع التأمين البحري. فكلما ارتفعت المخاطر الأمنية ارتفعت أقساط التأمين ورسوم الشحن، لتنتقل الكلفة تدريجياً إلى المستوردين والمستهلكين. وخلال فترات التصعيد، قد تضطر بعض الشركات إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بدلاً من عبور البحر الأحمر، بما يضيف آلاف الأميال البحرية وأياماً إضافية إلى زمن الرحلات، ويرفع استهلاك الوقود وكلفة التشغيل.