عودة تركيا إلى العمق العربي

04 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 21:33 (توقيت القدس)
ولي العهد السعودي يودع الرئيس التركي في الرياض، 3 فبراير 2026 (الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السعودية ومصر تهدف لتعزيز العلاقات السياسية والاستراتيجية مع الدول العربية الكبرى، مع التركيز على مناقشة قضايا إقليمية مثل فلسطين واليمن وسوريا.
- تركيا تسعى لتعزيز العلاقات الاقتصادية من خلال زيادة التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة، مع التركيز على الطاقة المتجددة والتجارة الحرة والتنسيق الدفاعي، مما يعكس استراتيجيتها في استخدام الاقتصاد لتعزيز العلاقات الخارجية.
- بالرغم من التحديات، تسعى تركيا والدول العربية للانتقال إلى شراكة استراتيجية تستند إلى عوامل جغرافية وتاريخية، مع التركيز على حل النزاعات الإقليمية والاستفادة من القوة الناعمة.

من تابع مجريات زيارة رئيس تركيا رجب طيب أردوغان للمملكة العربية السعودية يلحظ بسهولة أن الأمر أبعد من توقيع اتفاقات أو تعزيز العلاقات وجذب استثمارات سعودية بقطاعات الطاقة المتجددة. فوفق البيان التركي السعودي المشترك الذي أصدرته وزارة الخارجية بالرياض، تتجاوز الزيارة والتطلعات محاور "منتدى الاستثمار السعودي التركي" وتفتح الباب واسعاً من جديد لعودة أنقرة للعمق العربي، خاصة مع الدول الكبرى والمؤثرة التي شاب علاقاتها معها الفتور وبدت ملامح القطيعة بالسابق، كالسعودية ومصر.

كما سيلحظ المتابع حجم الملفات التي يحملها الرئيس التركي للقاهرة اليوم، والتي ستتخطى زيادة حجم التبادل من تسعة مليارات إلى 15 مليار دولار، أو حتى تعزيز البيئة الاستثمارية وعودة النظر بالاتفاقات والتسهيلات، بعدما غدت مصر وجهة الشركات والمستثمرين الأتراك خلال العامين الأخيرين.

فأن تأخذ زيارة أردوغان للرياض طابع الشريك الشقيق، جراء مناقشة مستجدات الأوضاع بفلسطين وانضمام البلدان لـ"مجلس السلام" والدفاع عن الحقوق عبر مجموعة الاتصال العربية الإسلامية بشأن غزة، ويفرد البلدان مساحة للشرعية باليمن وأخرى لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، من دون أن يغفلا التطابق بالمواقف لدعم السودان ووحدة أراضيه وسيادته ويلتقيان، بالرأي والرؤية، حول سورية ودعم الحكومة الجديدة، فكل ذلك يدلل على أن تركيا أكثر من جار وما تسعى إليه يتخطى ما يقال عن شراكات وتعاون وحتى أمن إقليمي.

قصارى القول: تجيد تركيا، لمن يتابع طرق فتح وتوطيد علاقاتها الخارجية، الدخول من بوابة الاقتصاد وتحقيق المصالح المشتركة، كما تتميّز بفصل الملفات عن علاقات شركائها في ما بينهم، ولعل بتوازن واستمرار العلاقات التركية، مع كل من روسيا وأوكرانيا مثلا، وتوقيع اتفاقات الطاقة واستيراد الغاز من الولايات المتحدة من دون إلغاء مثيلاتها مع روسيا، وسعي تركيا للانضمام لمجموعة "بريكس" من دون أن تخسر أول وأكبر شركائها الأوروبيين أو تثير حفيظة واشنطن، دليل على النهج التركي الذي قد يصنفه البعض بخانة المخاطرة جراء استمرار الجمع بين الأضداد.

الطرفان العربي والتركي يتحضران للانتقال بالعلاقات إلى شراكة، عوامل نجاحها وضروراتها الجغرافية والتاريخية وحتى المصيرية أكثر بكثير من أعذار قطيعتها

بيد أن العلاقة المتجددة، ولا نقول الجديدة، مع الدول العربية، تأخذ بعداً استراتيجياً ومصيرياً تركياً، فما جرى ويجري مع الجارة الأقرب والأطول حدوداً يؤشر إلى النظر لسورية بأبعد من شركات واستثمارات تشارك بإعادة الإعمار أو تبادل ثلاثة مليارات دولار، وكذلك مع قطر التي أخذت علاقاتها مع أنقرة بعداً استراتيجياً بعد تراكم اتفاقات اللجنة الاستراتيجية العليا، ومع أبوظبي التي تأتي بمقدمة شركاء تركيا الاقتصاديين، لنرى اليوم جراء زيارة الرئيس أردوغان للرياض والقاهرة حلحلة لآخر عقد الجفاء بين تركيا ومحيطها العربي، وعودة تركيا من منطلق "النضج الاستراتيجي" ربما وعدم تأطير العلاقات بتبادل تجاري عربي تركي يصل لعتبة 50 مليار دولار.

نهاية القول: تعي تركيا حجم العراقيل وارتفاع الجدار بينها وبين الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فمنذ عام 1959، وقت تقدمت بطلب للتعاون مع المجموعة الأوروبية، وهي لم تمل من المحاولة، فكررتها بطلب الانضمام لعضوية الاتحاد عام 1987، وأعلنت قمة "هلسنكي" عام 1999 ترشيح تركيا للعضوية رسيماً، لكن المفاوضات منذ 21 عاماً لم توصل أنقرة إلى بروكسل، رغم كل ما قيل عن تنازلات لها علاقة بالاقتصاد وحقوق الإنسان وبنية القضاء التركي الذي ألغى حكم الإعدام.

لذا، ومن ذلك الوعي والقناعة، وبحكم الجغرافيا والمصالح المشتركة، تعاود تركيا بناء العلاقات العربية بعيداً عن الدبلوماسية التقليدية وحسن الجوار، لتدخل من خلال اتفاقات التجارة الحرة والاستثمارات المتبادلة وحتى التنسيق الدفاعي والأمني، العمق العربي بوصفها شريكاً مساهماً برسم ملامح المستقبل، مستفيدة من دورها وسيطة بحل النزاعات، في ليبيا والصومال وفلسطين والسودان، وآخذة من الاقتصاد منطلقاً ومن القوة الناعمة، السياحة والثقافة والدراما والتاريخ المشترك، وسائل وأدوات.

لكن، ليستوي القول، هل عودة تركيا للعمق العربي مفروشة بالأماني وزيادة التبادل وطيب العلاقات، أم أن التنافس الجيوسياسي وتضارب النفوذ والتفوق وربما "الوكالة الأميركية الحصرية" عامل تفجير، كما للتحديات الاقتصادية المرهونة بأي هزة سياسية، كما رأينا مع مصر والسعودية، تأثير، كما للموروث الايديولوجي، الذي يقفز، عبر ارتياب من "عثمنة جديدة" ونكء الماضي، بين حين وآخر، عامل تشكيك سيحول دون الشراكة التي تتطلع إليها أنقرة؟!

الأرجح أن كلا الطرفين، العربي والتركي، يتحضران للانتقال بالعلاقات، رغم هاتيك الهواجس، إلى شراكة، عوامل نجاحها وضروراتها الجغرافية والتاريخية وحتى المصيرية أكثر بكثير من أعذار قطيعتها.

المساهمون