عن مخاطر تغول السوق السوداء للعملة في الجزائر

05 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:36 (توقيت القدس)
سوق في الجزائر، 5 نوفمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تأثير السوق السوداء على الاقتصاد: السوق السوداء للعملات في الجزائر، المعروفة بـ"السكوار"، تعكس تدهوراً اقتصادياً حقيقياً، حيث يظهر سعر اليورو فيها تدهور الدينار الجزائري، مما يهدد القدرة الشرائية ويعكس أزمة هيكلية عميقة.

- العوامل والسياسات الاقتصادية: تتفاقم الأزمة بسبب اختلال العرض والطلب، وغياب مكاتب الصرف النظامية، وسياسة طباعة النقود دون دعم كافٍ، مما يؤدي إلى التضخم وارتفاع الأسعار.

- الحلول والإصلاحات: يتطلب الوضع إصلاحات اقتصادية شاملة تشمل تعميم مكاتب الصرف، تعزيز مصادر العملة الأجنبية، وتضييق الخناق على المضاربة، لتحويل الاقتصاد إلى اقتصاد منتج يعتمد على الصناعة والتصدير والسياحة.

في قلب الجزائر، لا تزال السوق السوداء للعملات الصعبة، المعروفة محلياً بـ"السكوار"، المقياس الحقيقي للواقع الاقتصادي في البلاد. فبينما تتحدّث الأرقام الرسمية عن سعر صرف للدينار الجزائري مستقرّ نسبياً، يروي سعر اليورو في السوق السوداء قصّة أخرى تكشف عن تدهور مستمرّ للعملة المحلية يهدِّد القدرة الشرائية للمواطن ويضع الاقتصاد الوطني على المحكّ. خاصة بعد أن تحوَّل سعر الصرف في السوق السوداء إلى مؤشِّر حقيقي لأزمة هيكلية عميقة تتغذّى على قرارات اقتصادية متناقضة وندرة العملة الصعبة وتغوُّل المضاربة واتساع الفارق بين السعرين الرسمي وغير الرسمي والذي يصل إلى نحو 100%.

لم يعد سعر اليورو في السوق السوداء مجرّد رقم متقلِّب وتذبذب عابر، بل تحوَّل إلى دلالة كارثية على وضعية اقتصادية خطيرة خلال فترة زمنية قصيرة. ففي أقل من عام، قفز سعر اليورو من 260 إلى 290 ديناراً جزائرياً، محقِّقاً رقماً قياسياً مروّعاً. تظهر هذه القفزة بوضوح عند مقارنتها بالأجر القاعدي البالغ 20 ألف دينار، الذي لا يتعدَّى بلغة السوق السوداء 69 يورو، الأمر الذي يعكس انهياراً كارثياً في القيمة الحقيقية للدخل والقدرة الشرائية للمواطن العادي.

تتفاقم أزمة جنون سعر صرف اليورو في السوق السوداء تحت وطأة مجموعة من العوامل المتشابكة، يأتي في صلبها ذلك الاختلال البيِّن بين ضعف العرض وارتفاع حدّة الطلب، الذي لا يقتصر على الأفراد فحسب، بل يمتدّ ليشمل شريحة واسعة من المستوردين وتجّار السيارات وقطع الغيار.

وفي ظلّ غياب مكاتب الصرف النظامية وعجز القنوات الرسمية كالبنوك عن تلبية هذه الاحتياجات الملحّة، يجد الجميع أنفسهم مرغمين على ولوج باب السوق السوداء. حتى أبناء الجالية الجزائرية في الخارج، الذين يُمثّلون مصدراً حيوياً للعملة الصعبة، يتَّجهون لبيع عملاتهم في السوق الموازية طمعاً في أرباحٍ تفوق بشكلٍ كبيرٍ ما تعرضه عليهم القنوات الرسمية ومنها البنوك، في خطوة تزيد من تغوّل السوق الموازية وتعزِّز سيطرتها على المشهد الاقتصادي والنقدي بالبلاد.

كما تتحوَّل سياسة طباعة النقود دون سند كافٍ من الاحتياطيات الذهبية أو العملات الأجنبية، أو حتى ضمانات قويّة من عوائد الصادرات النفطية، إلى وقود يُغذِّي نار التضخّم. فقد أضحى السيل من مليارات الدنانير الورقية، الذي يُضخّ في السوق لسدّ عجز الميزانية وتمويل الرواتب والإعانات وبرامج شراء السلم الاجتماعي، سلاحاً ذا حدّين.

وفي المقابل وقفت الدولة أمام خيارين أحلاهما مرّ: الاستدانة الخارجية من مؤسّسات دولية مثل صندوق النقد الدولي، وهو الخيار الذي تمَّ رفضه جملة وتفصيلاً، أو اللّجوء إلى الاستدانة الداخلية عبر طباعة النقود، وهو الخيار المعتمد. ويعدّ هذا المسار الأخير بمثابة الشرارة التي تطلق العنان لموجة تضخُّمية جامحة، إذ تتحوَّل أيّ مبادرات لزيادة المنح والأجور إلى قوّة دافعة تلهب أسعار السوق الموازية في الحال.

وتثير هذه السياسة "الشعبوية"، كما يصفها البعض، الكثير من المخاوف بشأن الانزلاق إلى منحدر خطير، على خطى تجارب دولية بائسة كفنزويلا، والتي تتصدَّر دول العالم باحتياطيها النفطي الهائل، بينما تتردَّى في هوّة الفقر بسبب انهيار اقتصادي ناجم عن سياسات مماثلة.

أمام هذا المشهد، يطفو على السطح سؤال محوري ينتظر إجابة واضحة: هل يغيب عن بال الخبراء الاقتصاديين في الجزائر حجم الكارثة التي تجرُّها هذه السياسة، أم أنّ الصمت هو لغة الخطاب المُتَّبعة خشية الإفصاح عن حقائق مُرّة؟ وفي صلب هذه الأزمة، تشعّ بؤرةُ خطرٍ لا يمكن التغاضي عنها تتمثَّل في الكتل النقدية الهائلة التي تتراكم لدى المتهرِّبين من الضرائب وسالكي طرق الثراء غير المشروع والتي تشكِّل عبئاً يدفعهم لتحويل أموالهم إلى عملة صعبة وتهريبها للخارج، ممّا يولِّد طلباً غير مسبوق على اليورو والنقد الأجنبي في السوق السوداء.

في الواقع، تتهافت القرارات الرسمية في مسعىً حثيث لاحتواء الالتهاب، غير أنّ محصِّلة هذه الجهود كثيراً ما تأتي بنتائج عكسية، فبدلاً من أن تخفِّف من حدّة الأزمة، تزيدها اشتعالاً. خير مثال على ذلك التعليمة الأخيرة للبنك المركزي التي شملت تشديد الرقابة على تداول العملات المشفّرة وحركة الأموال في الحسابات البريدية، والتي كان أثرها المباشر والمفاجئ ارتفاعاً حادّاً في أسعار العملات الصعبة بالسوق الموازية، حيث غذّى المضاربون هذا الارتفاع تحسُّباً لمزيد من الإجراءات التقييدية.

اقتصاد عربي
التحديثات الحية

ولمواجهة تداعيات هذا الوضع المتأزِّم، صدر قرار وزاري، في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قيَّد استيراد السيارات السياحية الأقلّ من ثلاث سنوات، وجعله حكراً على المقيمين مرّة واحدة فقط كل ثلاث سنوات مع منع عملية بيعها خارج النطاق القانوني، بهدف كبح جماح السوق الموازية. بيد أنّ جذر الداء لم يُعالج؛ فاستمرار منع وكلاء العلامات العالمية من الاستثمار في الجزائر خلق طلباً متعطِّشاً للسيارات، ممّا حوَّل الاستيراد الفردي من أوروبا والصين إلى قناة رئيسية، زادت من الضغط على سعر اليورو في السوق السوداء.

وهكذا، يظلّ ملف السيارات العالق منذ عقدٍ من الزمان نموذجاً صارخاً لسياسة "الفشل المُؤسّس"، إذ تغيب الحلول الهيكلية لصالح إجراءات ترقيعية تكرِّس الأزمة عوض أن تحلّها. تستدعي معالجة هذه الأزمة الوطنية نهجاً شاملاً يتجاوز الحلول التقييدية الضيِّقة ويرتكز أساساً على إصلاح اقتصادي عميق يعيد هيبة الدينار ويوفِّر العملة الصعبة عبر القنوات النظامية.

وتبرز الأولوية الملحّة في تعميم مكاتب الصرف لامتصاص فائض السيولة من السوق الموازي. ولكي يكون هذا الحلّ مستداماً، لا بدّ من تعزيز مصادر العملة الأجنبية عبر تنشيط الصادرات والسياحة، حمايةً للاحتياطي الوطني الأجنبي من الاستنزاف وتفادياً للاقتراض الخارجي المصحوب في أغلب الأحوال بالذلّ والهوان. وفي الاتِّجاه ذاته، تأتي ضرورة تسهيل حصول المستوردين على احتياجاتهم من العملة عبر القنوات المصرفية الرسمية، ممّا يحاصر السوق السوداء.

ولكي تُؤتي هذه الإصلاحات ثمارها، لا بدّ أن تكلَّل بحلقة حاسمة تكمِّلها، وهي تضييق الخناق على المضاربة عبر رقابة سوقية تستهدف حيتان السوق السوداء. خلاصة القول، تمثِّل هذه الأزمة جرس إنذارٍ صارخٍ يهزّ ضمير الحكومة الاقتصادي ويُلِحّ عليها بالإسراع في التحوُّل من اقتصادٍ قائمٍ على طباعة النقود والتحكُّم الإداري إلى اقتصادٍ منتجٍ يرتكز على الصناعة والتصدير والسياحة، وتجاهل هذا الإنذار لن يؤدي إلاّ إلى إعلاء صوت "السكوار" في الساحة الاقتصادية لسنوات عديدة مقبلة.

المساهمون