عن خسائر مصر للألومنيوم وأخواتها

20 نوفمبر 2020
الصورة
ارتفاع سعر الكهرباء يضرب تنافسية الصناعة المصرية
+ الخط -

يتوالى الإعلان عن خسائر شركات قطاع الأعمال في مصر، لاسيما كثيفة استخدام الطاقة، حيث يعاني القطاع الصناعي كثيرا من تكاليف الإنتاج المرتفعة، التي انعكست بصورة واضحة على ارتفاع أسعار المنتجات النهائية، الأمر الذي أدى إلى تكبد الشركات للخسائر وانخفاض ملحوظ في تنافسية الصادرات، وهو الأمر الذي أجمع المصنعون على تبريره بارتفاع أسعار الطاقة التي تحتكر الدولة تقديمها. 

ومؤخراً أعلنت شركة مصر للألومنيوم، وهي واحدة من أكبر شركات إنتاج الألومنيوم في المنطقة العربية، عن خسائر كبيرة تكبدتها في العام المالي الماضي، فطبقا للقوائم المالية للشركة حققت صافي خسارة بلغ 1.7 مليار جنيه مقابل أرباح بقيمة 600 مليون جنيه خلال العام الأسبق، وبررت الشركة التحول إلى الخسارة بأسباب في مقدمتها زيادة تكلفة عناصر الإنتاج وخاصة أسعار الكهرباء التي تشكل 50% تقريبا من جملة التكاليف، بالإضافة الى تراجع سعر المعدن عالميا واضطراب الاقتصادات الدولية.
وشركة مصر للألومنيوم العريقة هي المحتكر للإنتاج في السوق المحلي، كما أنها تصدر 80% من إنتاجها إلى الخارج، ورغم ذلك اعتادت الشركة الخسائر خلال العشر سنوات الأخيرة، ولم يكن تحقيقها لربح في العام الماضي إلا لأسباب تتعلق بسعر الصرف بعد التعويم، ثم سرعان ما عاودت الخسارة بعد ذلك، خاصة مع رفع الدولة لأسعار الكهرباء أكثر من مرة.

كما أنه من الملاحظات على الميزانية الأخيرة للشركة انخفاض الايرادات من 12 مليارا إلى 9 مليارات جنيه فقط، وهو ما يشير إلى تراجع قدرة الشركة على تصريف منتجاتها في الداخل والخارج وهو ما يشير بوضوح إلى مشكلة تسعير منتجات الشركة.
ومع قرار الولايات المتحدة أحد المستوردين الرئيسيين لإنتاج الشركة غلق الأبواب أمام واردات الألومنيوم من دول العالم، نجد أن مستقبل ربحية الشركة يشوبه الكثير من عدم التفاؤل، خاصة في ظل ضعف الجهود المبذولة لاكتساب مساحات تسويقية جديدة واستثمار الاتفاقات والتكتلات التجارية لا سيما مع السوق الأفريقية الواعدة في تصريف المنتجات، والأهم مع استمرار مشكلة ارتفاع تكاليف الإنتاج.

وتشير التقارير الاقتصادية إلى أن الشركة تحصل على الكهرباء من الدولة بسعر هو الأعلى في العالم، حيث تشتري الكيلووات بسبعة سنتات مقارنة بسعر عالمي يعادل 3 سنتات، وطبقا لتصريح رئيس الشركة القابضة للصناعات المعدنية مدحت نافع فإن كل قرش زيادة في سعر الكهرباء يولد خسائر للشركة بقيمة 50 مليون جنيه، وأن السعر العادل للكهرباء والذي يحقق التعادل بين التكاليف والإيرادات لا يزيد عن 4 سنتات فقط، بما يعني أن الشركة يجب أن تحصل على الكهرباء بسعر أقل من ذلك، حتى تتمكن من تحقيق الأرباح.
المبالغة الحكومية الكبيرة في تسعير الكهرباء للشركات كثيفة استخدام الطاقة في مصر يفتح الباب للتساؤل حول هدف الحكومة من هذا التسعير، فليس من المعقول أن تهدف إلى التربح من هذه الشركات، فبعد أعوام من تراكم الخسائر من المؤكد توقف النشاط الإنتاجي، مما يهدد عشرات الألاف من العاملين.

علاوة على الاضطرار إلى الاستيراد من الخارج لسد احتياجات السوق المحلية، وهو ما يعني المزيد من الضغط على موارد النقد الأجنبي الشحيحة، والتي تعاني عجزا مزمنا، أصبح مرشحا للتزايد، لاسيما مع استمرار تداعيات كورونا وبعد توقعات عودة نسبة لا يستهان بها من العاملين المصريين في الخارج والتي تشكل تحويلاتهم الرقم الأهم من بين موارد النقد الأجنبي للدولة.
المبالغة في التسعير الحكومي للطاقة لا تتوقف عند الكهرباء فقط، بل تمتد كذلك إلى الغاز الطبيعي وهو أحد مكونات التكاليف الرئيسة لإنتاج الكهرباء، والذي تحتكر الدولة بيعه للشركات بسعر 4.5 دولار للمليون وحدة حرارية، وهو سعر يزيد عن ضعف السعر العالمي الذي يقل عن 2 دولار للمليون وحدة حرارية منذ بداية العام الحالي، وهو الأمر الذي يتسبب في خسائر فادحة للشركات كثيفة استخدام الطاقة مثل الحديد والصلب والأسمنت والسيراميك وغيرها، ومن المنطقي ان الخسائر تقوض أي أمل للمنافسة الخارجية، وبالتالي ربحية الشركات المستقبلية، وربما يتوقف بعضها عن العمل تحت وطأة تراكم الخسائر.
وزاد من مشكلة سعر الغاز الاتفاقية المبرمة لاستيراد الغاز من الكيان الصهيوني، والتي على الرغم من التكتم على السعر المتفق عليه حتى الآن من الجانب المصري، إلا أن مناقشات سابقة لمجلس النواب الأردني حول اتفاقية أردنية مماثلة لشراء الغاز من الكيان في نفس توقيت الاتفاقية المصرية، انتهت بهجوم حاد من النواب على الاتفاقية للمبالغة الشديدة في السعر والذي حدد بنحو 6 دولارات للمليون وحدة حرارية، أي بثلاثة أضعاف المتوسط العالمي أثناء فترة التعاقد.
المشكلة الرئيسية التي تواجه الدولة المصرية في تسعير منتجات الطاقة تكمن في ارتفاع أسعار تكاليف الإنتاج المصرية، فمن ناحية توجد التكاليف التمويلية لمشروعات الكهرباء والتي اقترضتها الدولة من الخارج وتحاول حاليا جمع الأموال لسدادها، ومرة أخرى فإن سعر الغاز المستخرج من الحقول المصرية حاليا أعلى من سعر بيعه عالميا، حيث تبلغ تكلفة استخراج المليون وحدة حرارية من حقل ظهر 4 دولارات للمليون وحدة، ويعني بيع الدولة بأقل من هذا السعر للمصانع تحملها للخسارة لا سيما في ظل وجود الشريك الأجنبي وهي الشركات المستخرجة، والتي اتفقت على بيع حصتها للحكومة المصرية.

كما أن التكاليف تزداد بعد تحميل الفائض الإنتاجي لمحطات الكهرباء الجديدة التي أنشأتها الدولة مع شركة سيمنز الألمانية والتي يفيض انتاجها عن حاجة السوق المحلية، وتضطر الدولة لرفع الأسعار لتعويض التكاليف المهدرة جراء هذا الفائض، والذي حذر منه الخبراء حين الإعلان عن إنشاء تلك المحطات، علاوة على تحميل التكاليف بتكلفة فوائد القروض التي حصلت عليها مصر لإنشاء المحطات، وهو ما يبين مقدار استهانة الدولة بالدراسات المتعلقة بمشروعاتها في ما يتعلق بمدى الحاجة إلى هذا الحجم الكبير من الإنتاج وبجدواه الاقتصادية كذلك، كما يظهر بوضوح الكوارث التي يقع فيها جميع الاطراف الدولة والمصانع والافراد بسبب غياب هذه الدراسات.
الغريب أن سعي مصر للاعتماد على مصادر الطاقة البديلة مثل إنشاء محطة بنبان للطاقة الشمسية والتي من المقدر أن تنتج حوالي أربعة آلاف ميغاوات بمتوسط تكلفة 10 سنتات للكيلووات مقارنة بتكلفة من 4-6 سنتات في المحطات العالمية، يعني أن هذه المصانع الخاسرة لن تعتمد على هذه المصادر، لأن السعر الحكومي الحالي لتوريد الكهرباء 7 سنتات للكيلووات أقل من تكلفة تلك المحطات، والأكثر غرابة هو تجاهل الحكومة تبرير تلك التكلفة المرتفعة للإنتاج المحلي مقارنة بالعالمي، والتي يعزوها بعض الخبراء إلى الاعتماد على معدات ومحطات متقادمة تكنولوجيا.
المشكلة الكبرى الآن أن الدولة أصبح لديها تخمة في إنتاج الكهرباء لم تنجح في تصريفه، وتخمة في إنتاج واستيراد الغاز، وكلها بأسعار مرتفعة عن نظيراتها العالمية، وهو ما يضيف أعباء تكاليف ضخمة على المستهلك المصري سواء الأفراد أو الشركات، والمضطرين لدفع أسعار أعلى بكثير من الأسعار العالمية للحصول على المنتج.

وفي ظل ظروف اقتصادية عالمية بالغة التعقيد بسبب تداعيات فيروس كورونا على الاقتصاد العالمي، فمن المتوقع استمرار خسائر الشركات المصرية كثيفة استخدام الطاقة، ليس لضعف قدراتها الإنتاجية والإدارية والتسويقية، ولكن لتحملها تبعات أخطاء السلطة المصرية الكارثية في مشروعات إنتاج واستيراد الطاقة.

المساهمون