استمع إلى الملخص
- الوضع في غزة يُظهر أزمة إنسانية حادة مع استشهاد أكثر من 900 فلسطيني بسبب الجوع وسوء التغذية، نتيجة الحصار الإسرائيلي المتزايد منذ أكتوبر 2023، مما دفع الأمم المتحدة للتحذير من كارثة إنسانية.
- الدول العربية تُعتبر شريكاً في تجويع غزة عبر إغلاق المعابر ومنع المساعدات، رغم ثرواتها، مما يُظهر تواطؤاً وصمتاً على الجريمة الإنسانية بحق أهالي غزة.
في الفقه الإسلامي، أنه إذا مات أحدهم جوعاً بعلم جيرانه، فعلى كل هؤلاء من أهل الحي دفع ديته. وكذا من مات عطشاً. وأيما رجل مات جوعاً بين قوم أغنياء، فقد برئت منهم ذمة الله ورسوله. وبحسب فقه الإمام أحمد بن حنبل: "إذا مات شخص جوعاً، يلزم جيرانه بدفع ديته، وكأنهم قتلوه بشكل جماعي."
فما بالنا بمن مات جوعاً وعطشاً وبرداً وقتلاً وإبادة وحرقاً وردماً وتنكيلاً ومرضاً وذلاً وخذلاناً وخسة وخيانة من بني جلدته وأمته العربية والإسلامية، وما بالنا بشخص مات بعد أن تكون كل أنواع الميتات قد أصابته ونهشت ليس جسده الضعيف ونفسيته المرهقة فقط، بل بأهله وأولاده وجيرانه وكل من يعرف؟
وهذا ما يحدث حالياً لأهالي غزة الذين يواجهون خطر الجوع بشكل جماعي وبصورة لم تحدث في العصر الحديث، وعلى مرأى ومسمع من دول العالم وبعلم كل الدول العربية، سواء الثرية منها كدول الخليج، أو حتى الدول الفقيرة التي لدى شعوبها الاستعداد لتلبية احتياجات القطاع من مأكل وملبس ودواء وغيره، لكن ما باليد حيلة في ظل حصار خانق تفرضه دولة الاحتلال على غزة وبتواطؤ من حكومات معظم الدول العربية.
عشرات الأطفال في غزة يموتون جوعاً هذه الأيام أمام أعين أهاليهم في ظل المجاعة ونقص التغذية، وغياب الحليب، وانعدام الرعاية الصحية الأساسية
وبالأرقام فإن ما يزيد عن 900 فلسطيني استشهدوا في غزة، بينهم 71 طفلاً بسبب الجوع الشديد وسوء التغذية، إضافة إلى ستة آلاف مصاب من الباحثين عن لقمة العيش منذ بدء حرب الإبادة على القطاع قبل 22 شهراً، كما أن الأرقام الحديثة تقول إن عشرات الأطفال في غزة يموتون جوعاً هذه الأيام أمام أعين أهاليهم في ظل المجاعة ونقص التغذية، وغياب الحليب، وانعدام الرعاية الصحية الأساسية.
والواقع يقول إن الجوع وسوء التغذية في القطاع بلغا مستويات غير مسبوقة في ظل انهيار كامل لمنظومة الغذاء، ولذا خرجت تحذيرات للأمم المتحدة من كارثة إنسانية تطاول عشرات الآلاف من النساء والأطفال الذين يحتاجون إلى غذاء وعلاج عاجل.
والمسؤول هنا عن تجويع أهالي غزة بالدرجة الأولى هو العدو الإسرائيلي المجرم الذي يمارس حرب إبادة جماعية لا هوادة فيها منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ويقطع الغذاء والمياه والكهرباء والوقود والدواء ومواد البناء وكل سبل الحياة والمعيشة عن أهالي غزة المحاصرين منذ سنوات طويلة، بهدف قتلهم وتجويعهم أو دفعهم نحو الهجرة ومغادرة أراضيهم.
كما تسبب حصار الاحتلال وحربه في حدوث كارثة إنسانية بإغلاق المعابر في وجه شاحنات الأغذية والمساعدات القادمة إلى القطاع، وفي مقدمتها معبر رفح الذي دمره جيش الاحتلال بشكل كامل ثم احتله ومحور صلاح الدين (فيلادلفي)، ثم حاجز بيت حانون (معبر إيرز الشمالي)، ومعبر المنطار (كارني الشرقي) المستخدم في عبور السلع والبضائع، وهناك معابر بضائع أخرى أغلقها الاحتلال في وجه المساعدات لغزة مثل معبر كرم أبو سالم الواقع على الحدود مع مصر ومعبر صوفا شمالاً. كما يحاصر الاحتلال غزة من جهة البحر المتوسط، ويمنع حتى وصول سفن الإغاثة وكسر الحصار.
الحكومات العربية شريك في تجويع أهالي غزة، بالصمت على الجريمة والمساهمة المباشرة في الحصار والحيلولة وصول السلع والأدوية للقطاع المحاصر، وفتح موانئها لتلبية احتياجات إسرائيل
أيضاً تأتي الدول العربية، سواء المجاورة لغزة أو التي لا تمتلك حدوداً مباشرة معها، لتساهم في تجويع غزة وحصارها وإبادتها، حيث تشارك بعض تلك الدول بشكل مباشر في حصار أهالي غزة وتحول دون وصول الشاحنات ومواد الإغاثة الإنسانية للجوعي وسيارات الإسعاف والمواد الطبية والأدوية للجرحي داخل القطاع المحاصر، وتغلق حدودها لشهور طويلة في وجه المساعدات.
بل هناك دول عربية تمد يدها للكيان وجيش الاحتلال بكل أنواع السلع والأغذية والمعدات والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج، والأسلحة والعتاد، وتفتح موانئها ومطاراتها وأسواقها أمام كل أنواع البضائع التي تلبي احتياجات الأسواق الإسرائيلية، في الوقت الذي تغلق المعابر وتمنع وصول حتى شربة ماء أو رغيف حاف للجوعى في قطاع غزة.
جريمة تجويع أهالي غزة لا تكمن في ضعف القدرة المالية اللازمة لشراء كل أنواع السلع لأهالي القطاع، ولا تكمن في الاستطاعة، فشعوب العالم الحر أبدت استعدها لإرسال كل ما يحتاجه القطاع من سبل الحياة، ودول الخليج لديها ثروات تريليونية مكدسة في بنوك وبورصات الغرب وصناديق سيادية تزيد أصولها عن خمسة تريليونات دولار، وبعضها قادر على سداد كلفة تلبية احتياجات أسواق غزة من كل أنواع السلع ولمئات السنوات، وقد حدث ذلك في بداية الحرب على غزة، ووقت كان معبر رفح مفتوحاً، لكن المشكلة تكمن في إغلاق الأبواب أمام المساعدات المقدمة لغزة عن طريق البر والمعابر أو البحر.
الحكومات العربية شريك أساسي في تجويع أهالي غزة، شريك بالصمت على الجريمة والمساهمة المباشرة في الحصار والحيلولة وصول السلع والأدوية للقطاع المحاصر، شريك بفتح أسواقها أمام السلع الإسرائيلية، وفتح موانئها لتلبية كل احتياجات إسرائيل.