عن تجاهل إعلام مصر أزمات الناس المعيشية

07 يونيو 2026   |  آخر تحديث: 01:30 (توقيت القدس)
ثلث المصريين تحت خط الفقر وفق إحصائيات رسمية (محمد الشاهد/فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- يعاني الإعلام المصري من انفصال عن الواقع المعيشي، حيث يركز على موضوعات سطحية بدلاً من معالجة الأزمات الاقتصادية التي تؤثر على حياة المواطنين، مما يعكس عدم اهتمامه بمشاكل الناس الحقيقية.

- تقلصت مساحة الحرية في الصحافة المصرية، مما أدى إلى خوف الصحافيين من تناول القضايا الحساسة بسبب الاعتقالات، وأصبحت الصحافة تفتقر إلى الجرأة وتعكس السردية الرسمية فقط.

- تدهور الكفاءة المهنية في الإعلام المصري بسبب الإقصاء المستمر للكفاءات، مما أفقده مصداقيته ودفع المواطنين للاعتماد على وسائل إعلام عربية أخرى.

بات الإعلام المصري في واد والشعب في واد آخر... إذا نظرت إلى عناوين الصحافة المصرية وبرامج القنوات الفضائية فستجد أنها تركز على قضايا فرعية في ما يخص اهتمامات الناس الحياتية. ولا يخفى على أي متابع مختص بالإعلام أو غير مختص أن الإعلام المصري يتجاهل بشكل كبير قضايا الناس المعيشية ليحل محلها موضوعات غاية في السطحية.
ومع ذلك لم يعد المواطن المصري في حاجة إلى قراءة نشرات الأخبار ليعرف أن الأسعار تلتهم ما تبقى من لحم حي في جسد الطبقة المتوسطة والفقراء، ولم يعد في حاجة إلى تقارير إحصائية ليتحقق من أن كلفة طهي وجبة غداء بسيطة باتت تدور حول أرقام فلكية، خاصة مع تسارع معدلات ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والنقل التي انعكست على أسعار السلع الضرورية. الناس يعيشون الأزمة، في المعاناة مع كل فاتورة كهرباء، ويدفعون ثمنها من كرامتهم اليومية في تدبير شؤون من يعولون.
وفي ظل كل هذا الأنين المعيشي تجد وسائل الإعلام مصابة بالانفصام عن الواقع فباتت تغزل قصصاً حول حكايات الفنانين والفنانات، وشطارة الحكومة التي انتشلت مصر من الضياع وتحسن مؤشرات التضخم والبطالة رسمياً، وغيرها من القصص التي تؤكد أن الإعلام في واد والشعب الغلبان في وادٍ آخر.

تصدر المشهد جيل من "الموظفين" لا الصحافيين، جيل لا يعرف كيف يجري حواراً اقتصادياً


فلماذا يتجاهل الإعلام المصري أزمات الناس المعيشية؟ السبب الأول هو تقلص مساحة الحرية للصحافة والقنوات التلفزيونية، بل السوشيال ميديا أيضاً، فهناك معارضون اعتقلوا لمجرد أنهم تحدثوا عن بعض السلبيات السياسية أو الاقتصادية، ومنهم خبراء اقتصاد مثل عبد الخالق فاروق مؤلف كتاب "هل مصر بلد فقير حقاً؟".
في هذا المناخ، أصبح الحديث عن الغلاء، أو انتقاد السياسات النقدية، أو فتح ملف الديون الخارحية، بمثابة "خط أحمر" يتجاوز السقوف المسموح بها. الصحافي الذي كان يمتلك الشجاعة للنزول إلى الأسواق ونقل صرخات الباعة والمشترين، بات يخشى على لقمة عيشه وحريته، بعدما تحولت "مخالفة السردية الرسمية" إلى تهمة جاهزة بتكدير السلم العام وبث الإحباط. لقد استبدلت السلطة الصحافة الحقيقية التي تناقش قضايا الناس ومشاكلهم ومطالبهم بالبيانات الصحافية الجاهزة التي تنقل وجهة نظر واحدة.

كل هذا يؤكد أن الإعلام المصري بات صناعة تهاوت أركانها. فعلى مدار سنوات من الإقصاء، جرى تجريف المؤسسات الصحافية من الكفاءات التي تستهدف البحث عن الحقيقة وتنحاز إلى الناس.
بدلاً من هؤلاء، تصدر المشهد جيل من "الموظفين" لا الصحافيين، جيل لا يعرف كيف يجري حواراً اقتصادياً، ولا يملك أدوات التحقيق الجريء الذي يتناول كل جوانب القضية التي يطرحها، بل يكتفي بنقل ما يُملى عليه. النتيجة هي عجز مهني فادح يجعل الإعلام عاجزاً عن معالجة الأزمات المعقدة كالتضخم والدين الهيكلي، حتى لو رغب في ذلك.

لم يعد المواطن في حاجة إلى قراءة نشرات الأخبار ليعرف أن الأسعار تلتهم ما تبقى من لحم حي في جسد الفقراء


إن تجاهل الصحافة المصرية لأزمات الناس لا يعني أن الأزمات ستختفي، بل يعني فقط أن الإعلام يفقد ما تبقى له من مصداقية ضئيلة. العجيب أن أجيالاً متعاقبة من خريجي كليات الإعلام والكليات الإنسانية المرموقة دخلوا عالم الإعلام خلال العقد الأخير، ولم تتضح لهم بصمة في ما يخص تطور الصحافة والقنوات التلفزيونية بما درسوه حول ضرورة حمل الصحافي رسالة محددة إلى المتلقين وضرورة التعبير عن أوجاع الناس وقضاياهم بمختلف الأشكال الصحافية من مقال وتقرير وخبر وتحقيق وحوار من مصادر موثوقة ومن أفواه الناس في الشارع.
انفصام الإعلام المصري عن الشارع لم يعد بفائدة على الوطن، بل أفقد هذه القوة الناعمة تأثيرها محلياً وعربياً، حيث أدى تآكل مساحات الحرية وضعف الصحف والقنوات التفلزيونية إلى اعتماد ملايين من المواطنين على قنوات وصحف عربية صعدت بسرعة الصاروخ في عالم الإعلام العربي والعالمي.