عن الاقتصاد والمواطنة بانقلاب تركيا الفاشل

15 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 16:33 (توقيت القدس)
محاولة الانقلاب في تركيا، 21 يوليو 2016 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- في 15 يوليو 2016، أفشل الشعب التركي محاولة انقلاب عسكري بقيادة جماعة فتح الله غولن، حيث تصدى المواطنون للدبابات والطائرات في إسطنبول وأنقرة، مدافعين عن مكتسباتهم من الحرية والعيش الكريم.

- لعب الاقتصاد التركي القوي، بناتج محلي يتجاوز 1.6 تريليون دولار ونمو سنوي 3.4%، دوراً مهماً في تحفيز الشعب للدفاع عن مكتسباته، مع ارتفاع حصة الفرد من الناتج المحلي إلى أكثر من 19 ألف دولار سنوياً.

- رغم التحديات الاقتصادية والسياسية، تظل تركيا تسعى لتحقيق القانون ورفاهية الشعب، مستندة إلى تاريخ طويل من الاعتزاز بالهوية التركية منذ تأسيس الجمهورية.

سؤال: من أفشل الانقلاب في تركيا في 15 يوليو/تموز 2016، رغم التحضير الدولي والدعم الإقليمي والتخطيط الدقيق من جماعة فتح الله غولن، حتى محاولة اعتقال الرئيس أو قتله؟

الجواب: الشعب التركي أولاً، وكل ما جاء بعده من تعاون دولي وإقليمي، ووفاء بعض القوات المسلحة، وحتى جرأة الرئيس رجب طيب أردوغان ومواجهته الموت وعودته من مرمريس إلى إسطنبول ومكالمته الشهيرة عبر "فيس تايم"، يأتي ثانياً وثالثاً ولاحقاً.

لماذا أفشل الشعب التركي الانقلاب، وتصدى للموت، واستلقى أمام الدبابات على جسر "15 تموز" وفي شوارع الفاتح وأمام بلدية إسطنبول، وفي العاصمة أنقرة، رغم السيطرة والطيران وقصف البرلمان؟ ببساطة، ليدافع عن مكتسباته من الحرية والعيش الكريم والمواطنة التي ينعم بها، ولم يكن يحلم بها مجرد حلم خلال حكم العسكر وانقلاباته المتعددة.

قصارى القول: قليلا ما تتخدر الشعوب بالشعارات الكبيرة والأماني العريضة النظرية لفترات طويلة، وستخرج عن صمتها والتزاماتها إن أوغلت الأنظمة في انتهاك حرياتها ومدّ اليد على مصادر رزقها ومستوى معيشتها. وسنرى، كما رأينا في دول كثيرة، والربيع العربي مثالاً، خروج احتجاجات إلى الشوارع أو ثورات تقتلع الأنظمة المستبدة من جذورها، أياً كان عمق تلك الجذور ومستوى الارتباط والتبني الخارجي للأنظمة الظالمة.

والعكس صحيح؛ فبحالة كفاية الشعب، ومنحه الحرية والعدالة الاجتماعية واقتسام الثروة، سيكون هو الحامي للوطن والمدافع في وجه أي تهديد، داخلياً كان أم خارجياً، ويستمر في عمله وحلمه وسعيه لتحقيق الهدف الكبير الذي سينعكس عليه معيشةً ورفاهية، ولا يذهب إلى الحاكم وآله وعصاباته.

ولعل ما حدث في تركيا ليلة 15 تموز، دليل على دفاع الشعب، ليس عن الوطن فحسب، لأن الانقلابيين أتراك أيضاً ويدّعون الوطنية، بل عن رفاهيته ومستوى حريته ومعيشته، وعن الحكم المدني التعددي.

وبقليل من الأمثلة الرقمية، يمكن تبرير مواجهة الشعب التركي لآلة الانقلاب العسكرية، أو تفهّم حجم تلك التضحية، وإفشال مخطط اشتُغل عليه طويلاً، داخلياً ممن كانت تُسمى الدولة العميقة، وخارجياً من دول لم يرقْ لها مسار تركيا الاقتصادي والعسكري وربما الأيديولوجي.

يبلغ الناتج المحلي لتركيا أكثر من 1.6 تريليون دولار، ونسبة النمو السنوية 3.4%، رغم التراجع عن نسبة 7% كانت وصلت إليها خلال السنوات السابقة، في حين تزيد الصادرات عن 273 مليون دولار، وبلغت عائدات السياحة العام الماضي مثلا، 65 مليار دولار، وصادرات السلاح أكثر من 11 مليار دولار، بعد أن دخلت تركيا نادي الدول العشر الكبرى في هذا المجال.

والمهم في هذه الأرقام هو كيفية انعكاسها على المواطن التركي، حتى خرج إلى الشارع وواجه الآلة العسكرية والموت، وهو الذي عانى قبل عام 2003 من الفقر والحاجة و"المافيا"، وكان يتمنى توفير مستلزمات حياته ويتهافت على السلع من الدول المجاورة، بما فيها الألبسة المستعملة، قبل أن تتبوأ بلاده مراكز متقدمة عالمياً، وتغدو المنتجات والألبسة التركية علامات عالمية مسجلة.

وتصل حصة الفرد التركي من الناتج المحلي هذا العام إلى أكثر من 19 ألف دولار سنوياً، وهذا الرقم ليس نظرياً ناتجاً من تقسيم الناتج على عدد السكان فحسب، بل واقعي يتقاضاه التركي الذي لا يقل الحد الأدنى لأجره في القطاع الحكومي عن 1500 دولار، وفي القطاع الخاص عن 650 دولاراً.

نهاية القول: تركيا ليست الدولة المثالية بلا شك، على صعيد الاقتصاد ومعيشة مواطنيها التي اختلفت كثيراً بين عام الانقلاب واليوم، بعد أن وصل التضخم إلى 32%، ولا حتى على صعيد السياسة والحريات، بواقع إغلاق وسائل إعلامية واعتقالات مستمرة، لكنها بلد ينشد القانون ورفاهية الشعب والتعددية، وربما ما يُقال في مؤتمرات أحزاب المعارضة، حتى في حق رئيس الدولة واتهامه بالفساد ورفع دعاوى قضائية عليه، دليل ومؤشر على صحة الدولة.

وبذا، فالاقتصاد والمواطنة، ركنا الانتماء الأهم لأي شعب، يدفعانه طائعاً ليدافع عن وطنه وعلم بلاده ومكتسباته. وهذا إن لم نأتِ على حالة الأتراك الوطنية التراكمية واعتزازهم بتركيتهم، التي بدأت مع تأسيس الجمهورية على يد مصطفى كمال أتاتورك عام 1923، وتعززت في العقدين الأخيرين، حين بدّلت التطورات والتنمية والقوة العسكرية صورة الأتراك إقليمياً ودولياً.