عن أخطاء مالثوس وخوف البشرية من الانقراض

25 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 01:21 (توقيت القدس)
تتصدر الهند أعداد السكان، 11 يوليو 2025 (ناريندر نانو/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- قدم توماس مالثوس نظرية في القرن الثامن عشر تحذر من خطر النمو السكاني، مقترحًا وسائل طبيعية وغير طبيعية للسيطرة عليه، مما أثار جدلاً حول قسوته تجاه الفقراء.
- رغم خطأ أفكار مالثوس تاريخيًا، عادت المخاوف في الستينيات من "القنبلة السكانية"، لكن الآن تظهر مخاوف من "قنبلة التراجع السكاني" مع انخفاض معدلات الخصوبة.
- تقرير الأمم المتحدة يشير إلى أزمة خصوبة عالمية، مع توقعات بتراجع النمو السكاني بحلول 2060، مما يهدد الاقتصادات المتقدمة والتوازن الديموغرافي في العالم العربي.

لم يكن المفكر الاقتصادي البريطاني توماس مالثوس شريراً بالضرورة حين وضع نظريته عن السكان محذراً في نهاية القرن الثامن عشر من خطر النمو السكاني على مستقبل البشرية. كان سكان العالم وقتها يناهزون المليار نسمة، أي أقل من ثمن تعدادهم الراهن، رغم ذلك، استخلص مالثوس أن البشرية لكي تستمر بشكل صحي، لا بد أن تسيطر على الخلل بين الغذاء المتاح والأفواه التي تأكله، فالبشر يتضاعفون كل جيلين، بينما يزيد الغذاء بمعدل النصف، والنتيجة أن عدد الأفواه يفوق ما هو متاح من غذاء، ومن ثم يجب السيطرة على هذه الزيادة سواء بوسائل طبيعية، الحروب والمجاعة والأمراض، أو غير طبيعية مثل تأخير الزواج أو الامتناع عن الإنجاب. 

لكن مالثوس، الذي كان والده قساً تنويرياً وصديقاً للمفكر الفرنسي جان جاك روسو، اتخذ موقفاً أكثر ضراوة تجاه الفقراء والمعوزين الذين كانوا برأيه لا يستحقون الإحسان، لأنهم لا يساعدون أنفسهم، واستخلص أن من لا غذاء له لا مكان له على وليمة الطبيعة. ولأن نظريته جاءت قبل عام تقريباً من الثورة الفرنسية (1789)، وما أشاعته من أفكار الحرية والإخاء والمساواة وحقوق الفقراء، فكان طبيعياً أن يوصف بالرجل قاسي القلب، عدو فقراء الأرض، وسيصف كارل ماركس أفكار مالثوس لاحقاً بأنها "وصمة على جبين العرق البشري".

سيثبت التاريخ في القرنين التاسع عشر والعشرين خطأ أفكار مالثوس علمياً، فتعداد البشر واصل النمو وتقدم الطب فتراجع الموت بالأوبئة، وجاءت الثورة الصناعية وتطورت التكنولوجيا، فتوافر الغذاء بشكل أكبر، وعاش البشر في مدن أفضل بإنتاجية أكبر. ومع السلام والنماء الاقتصادي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، شهد العالم الغربي طفرة سكانية كبيرة، امتدت بدورها في ظل أنظمة الاستقلال إلى العالم النامي، حين تطورت أنظمة الرعاية الصحية، وتزايد السكان، وتراجعت وفيات المواليد. وفي أقل من مئة عام ومنذ عام 1950 تضاعف عدد سكان كوكبنا أكثر من ثلاث مرات.

كانت أفكار مالثوس قد اختفت أو تكاد تقريباً من علم الاقتصاد، لكن "المالثوسية" لم تختف تماماً مع تجدد الحديث عن "القنبلة السكانية" في ستينيات القرن الماضي، وضرورة التصدي لها، خاصة في العالم النامي (الثالث) أو شعوب الجنوب العالمي التي تنجب بكثرة. وقد سادت مجموعة متنوعة من المخاوف، تراوحت بين القلق من أن يؤدي فرط النمو السكاني إلى عرقلة التنمية وزيادة الفقر، وصولاً إلى افتراض أن المجاعة والموت الجماعي أمران لا مفر منهما. وتوقع العديد من القادة ومستشاري الهيئات الدولية، لا سيما في البلدان المتقدمة، حدوث "سباق نحو الفناء" ما لم تُنفذ إجراءات للسيطرة على خصوبة. وبالفعل شرع العالم المتقدم في مد يد العون للدول الفقيرة، لتنزع فتيل "قنابلها السكانية"، وغالباً ما جرى ذلك عبر ممارسات مثل الإكراه على استخدام وسائل منع الحمل والتعقيم أو الإجهاض القسري، وسياسات وطنية مثل سياسة الطفل الواحد في الصين.

لم يكن واضعو تلك السياسات من مالثوس وحتى العصور الحديثة، يدركون أن الخوف من القنبلة السكانية قد يفضي إلى النقيض تماماً، "قنبلة التراجع السكاني"، فالطبيعة كما يعتقد كثيرون لها قوانينها ودوراتها التي غالباً ما تفسد عندما يجعل البشر من أنفسهم آلهة ويهندسونها حسب رغباتهم. في الفترة نفسها التي كان يحقق فيها العالم نمواً بشرياً غير مسبوق، كان معدل خصوبة النساء يتراجع من 5 أطفال للمرأة في عام 1950 إلى 2.25 طفل في عام 2024 حسب إحصاءات الأمم المتحدة. 

والخوف الذي يتملك العلماء والباحثون في علم السكان الآن هو احتمال انخفاض هذا المعدل إلى أقل من 2.1 طفل بحلول عام 2050 وهو معدل الإحلال، أي العدد الذي يكفي بالكاد لكي تجدد البشرية نفسها وتواصل إعمار الأرض. سيجادل كثيرون بأن الحد من السكان هو ما جنب بقاعاً كثيرة في العالم الفقر والمرض، وسيرد آخرون بأن تغير السكان بين نمو ونقصان كان يحدث دائماً على كوكب الأرض لأسباب طبيعية ودون "هندسة" مقصودة، قد يكون لكلا الرأيين وجاهته، لكن ما تخشاه البشرية الآن هو شيء أشبه بالانقراض، الذي لن يحدث بالتأكيد بين يوم وليلة.

لقد أظهر تقرير الأمم المتحدة عن حالة السكان في العالم، الصادر في يونيو/حزيران الماضي، أن ملايين البشر محرومون من الأبوة والأمومة لأسباب اقتصادية بحتة، أكثر من نصف من شملهم المسح في 14 دولة قالوا إن الأسباب الاقتصادية وعدم ضمان العمل تمنعهم من إنجاب العدد الذي يودون من الأطفال، فتكاليف المعيشة تجعل من الإنجاب عبئاً يود كثيرون ألا يحملوه. لا يخفي التقرير أن العالم يعيش أزمة خصوبة، هكذا يقول عنوانه "أزمة الخصوبة الحقيقية"، وهي أزمة تزعج الاقتصادات المتقدمة أكثر مما تزعج تلك التي في طور النمو، فتتعامل معها بأسلوب المحفزات لزيادة السكان دون أن تعالج أسبابها الحقيقية. لكن الأخطر أيضاً هو أن التقرير يناقض تقييمات سابقة وضعتها الأمم المتحدة في عام 2017 وتوقعت فيها أن يزيد تعداد السكان بمعدل مطرد حتى عام 2100 لتصل البشرية لأكثر من 11 مليار نسمة، أما التقديرات الحديثة فترجّح أن يستمر النمو حتى عام 2060 فقط ليصل تعداد البشرية إلى 9.5 مليارات نسمة ثم يعاود الانحدار.

حين حذّر مالثوس من الزيادة السكانية، وحين تحرك العالم في النصف الثاني من القرن العشرين للجمها، فقد فعلوا ذلك لأسباب اقتصادية، وها هي الأرض تدور دورتها ويسود فزع عالمي -في غياب مالثوس هذه المرة- من التراجع السكاني للأسباب ذاتها. فمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (أويسيد) تحذر من أنه بحلول عام 2060 سينخفض عدد من هم في سن العمل في الشمال المتقدم بنسبة 8%، فماذا يعني ذلك؟ يعني أن نسبة من هم على التقاعد إلى العدد الإجمالي للسكان سترتفع إلى 52% مقابل 31% في عام 2023. وفي دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية وبولندا وإيطاليا ستكون نسبة المتقاعدين 73% إلى عدد السكان. فماذا يعني ذلك؟ يعني ببساطة توقف عجلة الإنتاج، وتدهور دولة الرفاه، فالذين يموّلون معاشات التقاعد وبرامج الإنفاق الاجتماعي والصحي في المجتمعات المتقدمة هم من يعملون وليسوا المتقاعدين. ومن ثم قد يجد المواطن في هذه الدول نفسه في مكان عمله حتى الموت أو إلى سن متقدمة تقترب من الثمانين لتعويض هذا الفاقد.  

من الصعب حصر أسباب التراجع السكاني العالمي في حزمة واحدة، فالواقع أن عوامل كثيرة تضافرت وتضاربت أحياناً فأوصلت العالم إلى هذه النتيجة، من السياسات التدخلية للحكومات، إلى تراجع مفاهيم العائلة والزواج بوصفها نمطاً اجتماعياً سائداً، وأدوات منع الحمل، وعمل المرأة، والتوجه المادي للعلاقات. لذلك يجد الباحثون أنفسهم حائرين في تفسير الظاهرة، فدولة تفرض أقسى القوانين المناهضة للإجهاض مثل كوريا الجنوبية تتساوى في تدني معدل الخصوبة مع مجتمعات وفرة تشجع الإنجاب بقوة مثل روسيا. لكن الحاصل أن التراجع تسلل إلى كل العالم تقريباً، حتى المناطق التي كانت تصنف بالفتيّة سكانياً في أفريقيا جنوب الصحراء، وفي بطء.

في العالم العربي، تراجع معدل الخصوبة من 7 أطفال للمرأة في الستينيات إلى 3.6 أطفال في عام 2000، بل إن هناك بعض المناطق في العالم العربي تعاني ومنذ سنوات من معدل خصوبة يقل عن معدل الإحلال أي 2.1 طفل لكل امرأة، وهو المصير نفسه الذي يواجه نصف المنطقة العربية بحلول عام 2050. الفارق أننا غير واعين بالمشكلة، أو نجهل تداعياتها على مستقبل العيش والتوازن الديموغرافي، وتلك مصيبة أكبر.