عندما تصبح الرفاهية جزءاً من معادلة حكم إسبانيا

26 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 03:33 (توقيت القدس)
سيارات في أحد شوارع العاصمة الإسبانية، مدريد، 30 نوفمبر 2024 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أطلقت حكومة بيدرو سانشيز في إسبانيا نظام سفر جديد بأسعار مخفضة للقطارات ووسائل النقل العام، بهدف جعلها خياراً مستداماً وجذاباً، مع توفير نحو 750 يورو سنوياً للمسافرين العاديين.

- خصصت الحكومة 878 مليون يورو لدعم التنقل المستدام في 2025، ضمن حزمة إجراءات اجتماعية لمواجهة التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، مستهدفة نحو مليوني شخص، خاصة الطلبة والعاملين.

- تتماشى هذه السياسات مع نهج سانشيز الاقتصادي لحماية الطبقة الوسطى والفئات الهشة، مما ساعد إسبانيا على تحقيق نمو اقتصادي وتوظيف أفضل من متوسط منطقة اليورو.

تتجه حكومة رئيس الوزراء إسبانيا بيدرو سانشيز إلى تخفيف أعباء المعيشة عن المواطنين عبر خطوة لافتة تمثّلت في إقرار نظام جديد للسفر بالقطارات ووسائل النقل العام، بأسعار شبه رمزية، يُنتظر أن يدخل حيّز التنفيذ نهاية يناير/كانون الثاني القادم. وقد قُدّمت هذه الخطوة في الخطاب الرسمي بوصفها "هدية أعياد" للمواطنين، غير أنها تعكس في جوهرها مساراً اقتصادياً واجتماعياً متكاملاً انتهجته حكومة سانشيز منذ سنوات.

وبموجب النظام الجديد، ستُطرح بطاقة سفر شهرية موحّدة تتيح استخدام القطارات والحافلات الإقليمية ومتوسطة المدى بشكل مفتوح مقابل نحو 60 يورو للبالغين، و30 يورو للشباب دون سن 26 عاماً. وتراهن الحكومة على أن تجعل بطاقة النقل العام هذه خياراً جذاباً واقعياً، ليس فقط بسبب انخفاض الكلفة، بل أيضاً بوصفه بديلاً مستداماً يخفف الضغط البيئي ويحدّ من الاعتماد على السيارات الخاصة. وبذلك مددت الحكومة دعم التخفيضات على النقل العام بنسبة 40% حتى عام 2026، مع بطاقة 60 يورو الجديدة التي تُعد "رهاناً على التنقل المستدام وقوة الشراء للطبقة الوسطى"، وقد تُوفّر نحو 750 يورو سنوياً للمسافر العادي.

وأشار تقرير اقتصادي إلى تخصيص الحكومة نحو 878 مليون يورو لدعم التنقل المستدام في 2025، لتشمل خفض كلفة النقل العام، وتفعيل تسهيلات لركاب القطارات والحافلات، وتوسيع دعم دراجات المدن.

وأكد سانشيز أن العمل بالبطاقة سينطلق رسمياً مع نهاية الشهر الأول من العام المقبل، ضمن حزمة إجراءات اجتماعية تهدف إلى التخفيف من آثار التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة. وتقدّر السلطات أن يستفيد من البطاقة نحو مليوني شخص، لا سيما من الطلبة والعاملين الذين يعتمدون على التنقل اليومي بين المدن. ولم تُحسم بعد مسألة استفادة السياح أو المقيمين الأجانب، كما أوضحت الحكومة أن العرض لا يشمل قطارات المسافات الطويلة.

غير أن هذه الخطوة لا يمكن فصلها عن السياسات الاقتصادية الأوسع التي تبناها سانشيز، والتي ركّزت على حماية الطبقة الوسطى والفئات الأكثر هشاشة. فمنذ توليه رئاسة الحكومة، رفع الحد الأدنى للأجور عدة مرات، وزاد المعاشات وربطها بمعدلات التضخم، ووسّع برامج الدعم الاجتماعي، في محاولة واضحة لتحصين القدرة الشرائية في مواجهة الأزمات المتلاحقة. ويتماشى هذا النهج مع استراتيجية خفض تكلفة المعيشة التي انتهجتها الحكومة الإسبانية عبر مجموعة من السياسات التصاعدية بدلاً من إجراءات تقشفية فقط، كما ورد في تحليلات اقتصادية مقارنة.

وخلال جائحة كورونا، ثم أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب في أوكرانيا، اختارت مدريد نهجاً تدخلياً توسعياً، مستفيدة من المرونة التي وفّرها الاتحاد الأوروبي. فتم الحفاظ على ملايين الوظائف عبر برامج دعم الأجور، ومنع موجات تسريح واسعة، فيما خفّفت الحكومة من صدمة ارتفاع أسعار الطاقة على الأسر. ونجحت إسبانيا، في تلك المرحلة، في تحقيق معدلات نمو وتوظيف أفضل من متوسط منطقة اليورو، وهو إنجاز استثمره سانشيز سياسياً.

في المقابل، حرص رئيس الحكومة على تقديم نفسه اشتراكياً براغماتياً لا زعيماً يسارياً راديكالياً. فقد سعى إلى تحقيق توازن دقيق بين توسيع دور الدولة الاجتماعية وعدم إخافة المستثمرين أو الأسواق، مستفيداً من أموال التعافي الأوروبية لتحديث البنية التحتية، وتسريع التحول الرقمي، والاستثمار في الاقتصاد الأخضر. هذا التوازن ساعد إسبانيا على الحفاظ على جاذبيتها الاستثمارية رغم المناخ الدولي المضطرب.

وتكتسب مبادرة تخفيض كلفة النقل بعداً سياسياً إضافياً في ظل مشهد برلماني هش واستقطاب حاد. فرغم الأزمات والفضائح التي طاولت بعض المقربين من الحكومة، نجح سانشيز في تقديم نفسه ضامناً للاستقرار النسبي، وحاجزاً أمام صعود اليمين المتطرف، مستنداً إلى سياسات اجتماعية ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

وتعيد التجربة الإسبانية إلى الأذهان نماذج أوروبية أخرى، أبرزها ألمانيا بعد جائحة كورونا، حين أطلقت برلين بطاقة سفر شهرية بسعر رمزي بلغ تسعة يورو لتشجيع العودة إلى النقل العام، قبل أن ترفع السعر لاحقاً إلى 49 يورو ثم إلى نحو 63 يورو حالياً، مع استمرار إتاحتها للسياح. كما تختلف النماذج الأوروبية بين دول مثل البرتغال التي توفر بطاقة شهرية منخفضة الكلفة للمقيمين فقط، وسويسرا التي تُعد من الأغلى في أسعار النقل، والنمسا التي طرحت "تذكرة المناخ" السنوية لدعم التحول الأخضر.

وفي المقابل، تبرز دول مثل الدنمارك بوصفها مثالاً على ارتفاع كلفة النقل العام، رغم الخطاب الرسمي الداعم للتحول البيئي، ما يسلط الضوء على التباين بين الشعارات والسياسات الفعلية داخل أوروبا.

في المحصلة، تكشف "هدية الأعياد" الإسبانية أن حكومة سانشيز لا تنظر إلى النقل العام بوصفه قطاعاً معزولاً، بل جزءاً من معادلة رفاهية أوسع تربط الاقتصاد بالقيم الاجتماعية والبيئية. فسياساته لا تُقدَّم بوصفها أرقاماً في الموازنات، بل أدوات لحماية الاستقرار الاجتماعي في زمن أزمات عالمية متلاحقة. وهو ما يفسّر، إلى حد بعيد، قدرة سانشيز على الحفاظ على شعبيته نسبياً رغم كل التحديات السياسية التي تحيط بحكمه.

المساهمون