"عمى أرقام" يضرب الولايات المتحدة وكندا بسبب إغلاق الحكومة الأميركية
استمع إلى الملخص
- تسبب الإغلاق، الذي فرضه الرئيس ترامب بسبب تعثر المفاوضات حول التمويل الفيدرالي، في توقف عمل مئات الآلاف من الموظفين الحكوميين، مما وضع المستثمرين في "عتمة رقمية".
- كشفت الأزمة عن هشاشة الاعتماد المتبادل بين المؤسستين الإحصائيتين في أميركا الشمالية، مما زاد من الغموض في الأسواق وهدد ثقة المستثمرين في شفافية الاقتصاد.
في سابقة تاريخية تهزّ الدوائر الاقتصادية من واشنطن إلى أوتاوا، يتّضح أن إغلاق الحكومة الأميركية لا يقتصر على توقف الإدارات الفيدرالية، بل يمتد ليشلّ حركة البيانات نفسها التي تغذي الأسواق والمصارف وصنّاع القرار. فمع دخول إغلاق الحكومة أسبوعه الرابع، أعلنت البيت الأبيض أن بيانات التضخم لشهر أكتوبر لن تُنشر في موعدها لأول مرة في تاريخ البلاد، بينما سارعت هيئة الإحصاء الكندية إلى تأجيل تقريرها الشهري عن التجارة الخارجية بسبب اعتمادها على بيانات تصدير من الولايات المتحدة توقفت هي الأخرى بفعل الأزمة ذاتها.
هذا التجميد المتزامن للبيانات بين أكبر اقتصادَين في أميركا الشمالية يكشف هشاشة الاعتماد المتبادل بين المؤسستين الإحصائيتين، ويثير قلقاً واسعاً في الأسواق التي تعتمد على الأرقام الرسمية لقياس التضخم والنمو واتجاهات التجارة.
في واشنطن، أوضحت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت أن توقف تمويل الحكومة منع موظفي مكتب إحصاءات العمل (BLS) من الخروج إلى الميدان وجمع البيانات، ما يعني "حرماننا من معلومات حيوية" وفق تعبيرها، محمّلةً الحزب الديمقراطي مسؤولية استمرار إغلاق الحكومة لرفضه تمرير مشروعات الإنفاق المؤقتة من دون تمديد دعم التأمين الصحي. وأضافت ليفيت في منشور على منصة إكس (X) أن غياب تقرير التضخم سيترك "الأعمال والأسواق والأسر والاحتياطي الفيدرالي في حالة من الارتباك"، إذ يُعد هذا التقرير أحد أهم مؤشرات السياسة النقدية الأميركية التي يعتمد عليها البنك المركزي لتحديد مسار أسعار الفائدة.
Inflation came in below market expectations in September thanks to President Trump’s economic agenda.
— Karoline Leavitt (@PressSec) October 24, 2025
This is good news for American families, and it’s a shame the Democrats are using them as ‘leverage’ to fund health care for illegal aliens.
Democrats choosing to keep the…
والإغلاق الذي فرضه الرئيس دونالد ترامب بعد تعثر المفاوضات حول بنود التمويل الفيدرالي، أجبر مئات آلاف الموظفين الحكوميين على التوقف عن العمل أو ما يُعرف بـ"الإجازة الإجبارية"، ما شمل موظفين أساسيين في وكالات اقتصادية حساسة. ومع توقف نشر البيانات الاقتصادية الدورية، يجد المستثمرون والمحللون أنفسهم أمام "عتمة رقمية" تحرمهم من الإشارات المعتادة لقياس قوة الاقتصاد الأميركي في الربع الأخير من العام.
وفي الشمال، لم يكن صدى الأزمة أقل تأثيراً. فقد أعلنت هيئة الإحصاء الكندية تأجيل نشر بيانات التجارة الدولية للبضائع لشهر سبتمبر، التي كانت مقرّرة في الرابع من نوفمبر، مؤكدة أن إغلاق الحكومة الأميركية "يؤثر مباشرة على قدرتها على جمع ونشر بيانات التجارة الكندية الدولية، إذ لن تتلقى بيانات الصادرات إلى الولايات المتحدة طوال فترة الإغلاق". وقالت الهيئة في بيان رسمي إن هذا التعطّل سيؤثر أيضاً في حسابات الناتج المحلي الإجمالي للربع الثالث وميزان المدفوعات الدولية، إذ تعتمد هذه التقارير على أرقام التجارة أساساً لحساباتها. وأوضحت أن التقارير ستُنشر في موعدها، لكنها ستعتمد على "تقديرات خاصة" قابلة للمراجعة الكبيرة لاحقاً بمجرد توافر البيانات الحقيقية من الجانب الأميركي.
وتُعد هذه هي المرة الأولى منذ عام 2019، خلال فترة الإغلاق الحكومي الأولى في عهد ترامب، التي تُضطر فيها كندا إلى تعديل جدولها الإحصائي بسبب اضطرابات في واشنطن. غير أن تأثير الوضع الحالي يبدو أعمق، إذ تحوّلت البيانات الاقتصادية إلى رهينة مباشرة للتجاذبات السياسية داخل الكونغرس الأميركي. ويرى خبراء الاقتصاد في تقرير لبلومبيرغ أن تعطّل نشر الأرقام سيزيد من حالة الغموض التي تواجهها الأسواق العالمية، خصوصاً في مرحلة يحاول فيها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وبنك كندا اتخاذ قرارات حساسة بشأن أسعار الفائدة استناداً إلى مؤشرات التضخم والتجارة، ويشير محلّلون إلى أنّ "الاقتصادَين أصبحا يسيران مؤقتاً من دون عدّادات"، وهو تشبيه يعكس خطورة الوضع على مصداقية التوقعات الاقتصادية في الربع الأخير من 2025.
وفي المحصلة، لا يُعتبر هذا التوقف عن نشر البيانات حدثاً بيروقراطياً فحسب، بل أزمة بنيوية تمسّ ثقة المستثمرين في شفافية الاقتصاد الأميركي الكندي المترابط. فحين تتوقف الأرقام، تتوقف القدرة على التنبؤ، وحين يغيب التنبؤ، تُصاب الأسواق بالعمى المؤقت، في انتظار أن تُفتح أبواب واشنطن من جديد وتُستأنف الحياة الرقمية للأرقام التي تصنع القرار الاقتصادي في القارة بأكملها.