عمال البناء الفرنسيون بلا حماية من موجات الحرّ

23 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 02:03 (توقيت القدس)
موقع بناء بمدينة بوردو، فرنسا، 22 يونيو 2026 (كريستوف أرشامبو/ فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- يواجه عمال البناء والطرق في فرنسا تحديات كبيرة خلال موجات الحر، حيث تصل درجات الحرارة إلى مستويات خطيرة، مما يجعل معدات الحماية عبئًا إضافيًا ويزيد من صعوبة العمل في بيئة غير آمنة.
- تتفاقم المخاطر الصحية بسبب عدم كفاية فترات الراحة والنوم، ورغم وجود قوانين لتقييم المخاطر، يعتمد تنفيذها على تقدير صاحب العمل، مما يضع العمال في موقف ضعيف.
- تطالب النقابات العمالية بتحديد درجة حرارة قصوى لوقف العمل تلقائيًا، مع ضمان تعويض العمال وإعفاء الشركات من غرامات التأخير، لضمان سلامة العمال وتقليل المخاطر المالية.

واصل كثير من عمال البناء والطرق في فرنسا عملهم خلال موجات الحر الثلاث التي تعاقبت منذ نهاية مايو/ أيار الماضي، حتى حين قاربت الحرارة 40 درجة مئوية في الظل. ويقول فريديريك مو، رئيس هيئة الوقاية المهنية والمسؤول في نقابة عمال البناء بالكونفدرالية العامة للشغل، لـ"العربي الجديد"، إن الحرارة في الورش المكشوفة قد تصل تحت الشمس إلى نحو 55 درجة، فيما تجاوزت الحرارة في قياسات أولية أُجريت في يونيو/ حزيران الماضي 50 درجة تحت خوذات بعض العمال.

ويضيف أن معدات الحماية التي يفترض أن تقلل مخاطر المهنة صارت "تخنق العمال"، في غياب تدابير تقلّص مدة تعرضهم للحر، في صيف سجّلت فيه فرنسا أعلى درجات الحرارة على الإطلاق منذ بدء قياسات المناخ عام 1947. ورغم هذه الظروف، لم يكن التوقف عن العمل أو مغادرة الورشات المعرضة للحر الشديد خياراً سهلاً لكثير من العمال، ولا سيما مَن لا يملكون منهم عقوداً ثابتة. وقد اكتفى عمّال التقتهم "العربي الجديد" بإجابات مقتضبة، وتحدثوا عن ظروف عملهم المنهِكة بعيداً عن عيون مراقبي الورش وأصحاب العمل، خشية أن يحرمهم حديثهم إلى الإعلام استدعاءهم مرة أخرى إلى العمل.

ويفسّر فريديريك مو هذا التحفظ باتساع الاعتماد على التشغيل المؤقت والعمل عبر شركات ووكالات وسيطة، قائلاً إن "مَن يجرؤ على الكلام قد لا يعود في اليوم التالي". ولا يتطلب استبعاد العامل المؤقت قرار فصل، بل يكفي أن تتوقف وكالة التشغيل أو الشركة الوسيطة عن الاتصال به وإسناد مهمات جديدة إليه.

وهكذا تصبح ممارسة الحق في التوقف عن العمل أو الامتناع عن مزاولته عند وجود خطر جسيم ووشيك، وهو حق يكفله القانون، مجازفةً قد تتسبب بفقدان العامل شغله ودخله. ولا يبدّد تقديم موعد بدء العمل إلى الخامسة أو السادسة صباحاً الخطر في الورش التي اعتمدت هذا الإجراء، إذ لا تبدأ آثار الحر عند دخول العامل إلى الورشة.

ويوضح جان باسكال فرانسوا، الأمين العام لفرع البناء في الكونفدرالية العامة للشغل، لـ"العربي الجديد"، أن كثيراً من العمال ينامون في مساكن تبلغ حرارتها 30 أو 32 درجة، ثم يستيقظون عند الرابعة ويقضي بعضهم قرابة ساعة في الطريق قبل بدء عمل بدني شاق. ومع تعاقب الليالي التي لا يحصلون فيها على قسطٍ كافٍ من النوم، تتراجع درجة يقظتهم وانتباههم، وترتفع مخاطر السقوط من السقالات والأماكن العالية، كذلك ترتفع احتمالية الخطأ في استخدام الآلات، ما يؤدي إلى إصابات خطيرة وحالات وفاة لا تظهر في السجلات بوصفها ناتجة مباشرةً من الحر.

وفي مايو الماضي، توفي عامل بناء في التاسعة عشرة من عمره بعد إصابته بوعكة في أثناء عمله فوق سطح في إقليم دروم، جنوب شرقي البلاد، مع اشتباه المحققين في ارتباط وفاته بالحر. ويقدّر فريديريك مو عدد الوفيات التي قد تكون مرتبطة بالحر خلال الموجات الأخيرة بما بين 13 و14 وفاة في مختلف القطاعات، لكنه يشدد على أن هذا التقدير يستند إلى بلاغات نقابية ولا يمثل إحصاءً رسمياً.

أما آخر حصيلة سنوية مكتملة، فسجلت 9 حوادث عمل قاتلة يُحتمل ارتباطها بالحر في صيف 2025، وقعت 6 منها في قطاعات البناء والأشغال العامة والزراعة. وعلى الرغم من هذه الحصيلة، لا يحدد قانون العمل الفرنسي درجة حرارة قصوى يتوقف عندها العمل تلقائياً.

فمنذ يوليو/ تموز 2025، يفرض مرسوم على أصحاب العمل تقييم المخاطر عند إعلان الإنذار الأصفر أو البرتقالي أو الأحمر، وهي مستويات تعتمدها هيئة الأرصاد بحسب شدة موجة الحر، كما يلزمهم بتعديل ساعات العمل وزيادة فترات الراحة وتوفير الماء والظل والمعدات المناسبة. وفي الورش التي لا تتوافر فيها صنابير مياه شرب، يجب على أرباب العمل توفير 3 ليترات ماء على الأقل لكل عامل يومياً. غير أن تحديد ما إذا كانت هذه التدابير تحمي العمال فعلاً، ثم اتخاذ قرار وقف العمل، يظلان في يد صاحب العمل وحده.وقد دافع وزير العمل جان بيير فاراندو عن ذلك بقوله إن البلاد لا يمكن أن تتوقف عن العمل كلّما بلغت الحرارة 30 درجة.

لكن النقابات ترفض هذا المنطق، إذ ترى أن صاحب العمل، الذي يتحمل كلفة توقف الورشة، لا ينبغي أن ينفرد بتقرير ما إذا كانت سلامة العمال تستدعي تعليق العمل. ويقول فريديريك مو إن نظام التعويض لا يضمن للعامل دخله كاملاً حين تتوقف الورشة لحمايته من الحر. فإذا قرر صاحب العمل وقف العمل في إقليم خاضع لإنذار برتقالي أو أحمر، يتقاضى العامل 75% من أجره عن ساعات التوقف، ولا يُعوَّض عن الساعة الأولى من كل يوم، كذلك يُشترط أن يكون قد عمل 200 ساعة على الأقل خلال الشهرين السابقين.

وتأخذ الشركة على عاتقها دفع التعويض أولاً، ثم تسترد جزءاً منه من صندوق تموّله شركات القطاع. ويعني هذا أن العامل يدفع ثمن الابتعاد عن الخطر وتطبيق القانون من أجره الشخصي، وتتحمل الشركة جزءاً من الكلفة، فيما يظل قرار التوقف خاضعاً لحساباتها المالية. وأمام هذا الواقع، تطالب الكونفدرالية العامة للشغل بأن يتوقف العمل في الورش الخارجية عندما تبلغ الحرارة 28 درجة في الظل، إذ تكون الحرارة تحت الشمس أعلى من ذلك بكثير.

ويقول فريديريك مو إن نحو ثلاثة أرباع مشاريع الأشغال العامة تُنجز لحساب جهات حكومية، ضمن مواعيد محددة تترتب على تجاوزها غرامات مالية. وإذا لم تمدد هذه الجهات مواعيد التسليم خلال موجات الحر، تدفع الشركة غرامة التأخير عند توقف الورشة، فيما يخسر العامل جزءاً من أجره. ولذلك، يرى مو أن تحديد درجة حرارة تتوقف عندها الورش لا يكفي، ما لم يقترن بتعويض العمّال بالكامل وإعفاء الشركات من غرامات التأخير، حتى لا يتحول وقف العمل إلى مخاطرة وخسارة مالية للطرفين.