العالم يضم عدداً قياسياً من المليارديرات.. التكنولوجيا والميراث يقودان القفزة الكبرى
استمع إلى الملخص
- تركز الثروة يثير تساؤلات حول تأثيره على الاقتصاد العالمي، مع تراجع جاذبية أميركا الشمالية وارتفاع الاهتمام بأوروبا وآسيا، مما يوسع الفجوة بين الأثرياء والطبقات الوسطى ويزيد الضغوط على السياسات الضريبية.
- صعود المليارديرات الجدد يعكس تحولاً نحو الثروة المستندة إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مع دعوات لفرض ضرائب تصاعدية لتقليص الفوارق الاجتماعية، مع التركيز على الابتكار لتحقيق نمو مستدام.
ارتفع عدد المليارديرات في العالم إلى مستوى غير مسبوق خلال عام 2025، مدفوعاً بالانتعاش القوي في أسواق الأسهم وارتفاع تقييمات شركات التكنولوجيا، وفق تقرير جديد صادر عن مصرف "يو بي إس" السويسري. وأوضح التقرير أن نحو 2,900 ملياردير يملكون اليوم ثروة إجمالية تقارب 15.8 تريليون دولار، مقارنة بنحو 2,700 ملياردير بلغت ثرواتهم المجمعة نحو 14 تريليون دولار قبل عام واحد فقط.
ويُعزى هذا الارتفاع إلى ثاني أكبر زيادة سنوية في عدد المليارديرات الجدد منذ بدء "يو بي إس" تتبّع هذه البيانات عام 2015، إذ أُضيف 287 مليارديراً جديداً خلال عام واحد، وهو رقم لم يتجاوزه سوى عام 2021، حين أدت سياسات التحفيز الحكومي وانخفاض أسعار الفائدة إلى تضخيم أسعار الأصول بشكل استثنائي، بحسب "وول ستريت جورنال".
وقال جون ماثيوز، رئيس إدارة الثروات الخاصة في "يو بي إس" بالولايات المتحدة: "لقد شهدنا تسارعاً لافتاً في نمو عدد المليارديرات، والمثير أن هذا النمو يأتي من مختلف المجالات الاقتصادية، سواء عبر ريادة الأعمال أو من خلال الميراث". وأشار التقرير إلى أن ارتفاع الأسواق خلال الأشهر الاثني عشر المنتهية في 4 نيسان/ إبريل 2025 عزز المكاسب في الثروة، رغم أن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما يُعرف بـ"تعرفة يوم التحرير" تسبب حينها في تراجع مؤقت بالعوائد قبل أن تعود الأسواق إلى الصعود لاحقاً.
ومن بين المليارديرات الجدد الذين صنعوا ثرواتهم بأنفسهم هذا العام:
- بن لام، مؤسس شركة Colossal Biosciences المتخصصة في التكنولوجيا الحيوية
- مايكل دوريل، الشريك المؤسس لشركة Stonepeak Partners للاستثمار في البنية التحتية.
- الأخوان زانغ، مالكا سلسلة Mixue Ice Cream and Tea الصينية.
- جاستن سَن، رجل الأعمال المعروف في عالم العملات المشفّرة.
في المقابل، ورث 91 مليارديراً ثرواتهم، بينهم 15 عضواً من عائلتين ألمانيتين تعملان في صناعة الأدوية. وقال ماثيوز: إننا "نشهد الآن انتقالاً فعلياً للثروة بين الأجيال، حيث تنتقل في البداية إلى الشركاء الباقين على قيد الحياة، وغالباً الزوجات، قبل أن تصل إلى الجيل التالي". وأضاف: "نحن الآن في الشوط الثاني من مباراة بيسبول مكوّنة من تسعة أشواط، أي في منتصف مرحلة التحوّل الكبرى للثروة العالمية".
ثروات تتركز وطبقات تتآكل
أثار التقرير تساؤلات عن تداعيات تركّز الثروة على الاقتصاد العالمي، في وقت تؤكد فيه بيانات شركة Altrata المتخصصة في استخبارات الثروة الاتجاه ذاته، إذ قدّرت أن 3,508 أشخاص يملكون مجتمعين 13.4 تريليون دولار، وأن ثلثهم تقريباً في الولايات المتحدة، تليها الصين بـ321 مليارديراً يملكون نحو 10% من الثروة العالمية. ويستند تقرير "يو بي إس" إلى قاعدة بيانات مشتركة مع شركة PricewaterhouseCoopers، ويشمل مقابلات مع 87 مليارديراً ضمن نسخته السنوية الحادية عشرة بعنوان طموحات المليارديرات.
ويشير التقرير إلى تراجع جاذبية أميركا الشمالية لكونها أفضل وجهة استثمارية قصيرة الأمد من 81% إلى 63%، في مقابل ارتفاع الاهتمام بأوروبا الغربية ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ باستثناء الصين الكبرى. وبحسب الدراسة، عبّر المليارديرات الآسيويون عن قلقهم الأكبر من الرسوم الجمركية والتعريفات التجارية، فيما ركز المليارديرات الأميركيون على مخاطر التضخم والاضطرابات الجيوسياسية.
تداعيات اقتصادية أوسع لتركيز الثروة
تضاعف عدد المليارديرات يعكس في جوهره اتساع الفجوة بين من يملكون القدرة على الاستثمار في أسواق المال والتكنولوجيا، ومن يعتمدون على الأجور الثابتة في ظلّ تضخم متزايد وأسعار فائدة مرتفعة. فبينما تضخمت ثروات الأثرياء بفضل ارتفاع قيم الأصول، فقدت الطبقات الوسطى في معظم الاقتصادات قدرتها الشرائية، ما يهدد بتراجع الاستهلاك المحلي ويزيد الضغوط على الحكومات لإعادة النظر في سياساتها الضريبية والاجتماعية. والتركيز المفرط للثروة في أيدي قلة من الأفراد يخلق تشوهاً في بنية الاقتصاد العالمي، إذ يتجه جزء كبير من رؤوس الأموال نحو الأصول المالية بدلاً من الاستثمار في الإنتاج أو الابتكار الحقيقي، ما يحدّ من خلق فرص العمل المستدامة ويُضعف معدلات النمو في المدى الطويل.
ضريبة الثروة بين العدالة والاستثمار
تتزايد في المقابل الدعوات إلى فرض ضرائب تصاعدية على الثروة باعتبارها أداة لتقليص الفوارق الاجتماعية وتعزيز العدالة الاقتصادية. غير أنّ هذه المقترحات تثير جدلاً واسعاً، إذ يحذّر بعض الخبراء من أن فرض ضرائب مرتفعة على كبار المستثمرين قد يدفع رؤوس الأموال إلى الهجرة نحو ملاذات ضريبية، في وقت تحتاج فيه الاقتصادات إلى جذب الاستثمارات للحفاظ على وتيرة النمو. وفي هذا السياق، يرى محللون أن الحلّ يكمن في موازنة دقيقة بين تحفيز ريادة الأعمال وضمان توزيع عادل للعوائد، من خلال إصلاحات مالية تضمن مساهمة أكبر للثروات الكبرى في تمويل الخدمات العامة والبنية التحتية دون كبح النشاط الاقتصادي.
اقتصاد تحكمه البيانات والتكنولوجيا
من ناحية أخرى، يشكّل صعود المليارديرات الجدد مؤشراً على تحوّل بنيوي في مصادر الثروة، إذ باتت القيمة تُخلق اليوم من البيانات والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية أكثر مما تُخلق من الصناعة التقليدية أو النفط. ويعني ذلك أن الاقتصادات التي تستثمر في المعرفة والابتكار ستكون الرابح الأكبر في العقد المقبل، بينما ستتراجع أهمية الاقتصادات الريعية المعتمدة على الموارد الطبيعية وحدها. هذا التحوّل يعيد رسم موازين القوى الاقتصادية عالمياً، ويفتح الباب أمام عصر جديد من رأسمالية المعرفة، حيث يتحوّل المبرمج أو العالم أو المستثمر في الذكاء الاصطناعي إلى لاعب مؤثر في الاقتصاد العالمي، يقف في مصافّ أثرياء النفط والصناعة في القرن العشرين.