عجز موازنة الجزائر: اتجاه للحلول السهلة ما بين طباعة النقود والديون

عجز الموازنة الجزائرية: اتجاه للحلول السهلة ما بين طباعة النقود أو الاستدانة

14 مايو 2021
الصورة
تراجع سعر النفط عمّق الأزمة المالية (بلال بنسالم/ Getty)
+ الخط -

تواجه الحكومة الجزائرية صعوبة في إيجاد الموارد المالية لتمويل الموازنة التكميلية لسنة 2021. إذ تجد حكومة عبد العزيز جراد نفسها أمام تحدي الحسابات السياسية، التي تلقي بظلالها على إعداد قانون المالية. والامتحان صعب، حيث ضرورة الإبقاء على ميزانية الدعم لشراء السلم الاجتماعي، في مقابل صعوبة جمع الأموال، في ظل شح الموارد المالية.

وارتفع الإنفاق في الموازنة هذا العام، ما رفع حجمها إلى 64 مليار دولار، وتعدى العجز 20 مليار دولار. وتضيق الخيارات أمام الحكومة ورئيسها لإيجاد الموارد المالية الكافية لتمويل الموازنة الثانية للسنة الحالية، وسد ثغرة العجز، في وقت تعيش فيه الجزائر "عجزاً مركباً" على مختلف الأصعدة.

ويشير الخبراء إلى أن عجز الميـزانية هو انعكاس للرصيد السالب للميزانية العمومية للدولة، والناتج عن كون الإنفاق العام يفوق الإيرادات، حيث سيكون أمام الحكومة خيارات محدودة لتمويل هذا العـجز إما من خلال الاقتراض المحلي، مما يؤدي إلى تـزايد الـدين العام الداخلي أو الاقتراض الخارجي أو الـتـغـطية مـن الاحتياطي العام للدولة، فيما يجري الحديث عن احتمال اعتماد آليات مثل التمويل غير التقليدي، كما حدث بين عامي 2017 و2019، حين تمت طباعة ما يعادل 60 مليار دولار من العملة المحلية.

عقدة الأرقام

وحسب أرقام الحكومة الجزائرية، في موازنة 2021 الثانية، فـإن عجز الموازنة المتـوقـع يـقـدر بنحو 3310 مليارات دينار أو مـا يـعـادل 24.82 مليار دولار، وهو يفوق مستوى إيرادات النفط. فيما تقدر حكومة جراد عجز الخزينة العمومية بحوالي 4140 مليار دينار أو ما يعادل 31.04 مليار دولار، وتقدر حاجيات التمويل إجمالا بحوالي 3954 مليار دينار أو ما يعادل 29.64 مليار دولار.

ويشـكـل العجز في الميزانية أحد المحددات الهامة التي يتم مـراعـاتهـا في مؤشرات التوازنات المالية العامة، خاصة في ظل تـقـلبات الإيرادات وارتـفاع الانفاق، الذي تتوقعه الحكومة عند 8642 مليار دينار أو ما يعادل 64.78 مليار دولار، منها 5664 مليار دولار ميزانية نفقات تسيير أو مـا يعادل 42.46 مليار دولار و2978 مليار دولار ميزانية تجهـيز أو ما يعادل 22.33 مليار دولار.

ويعد الـتمويل غير التقليدي خيارا مـتاحا بنص قانوني يسمح " لبنك الجزائر لمدة خمس سنوات، بدءا من 2017، بشراء مباشر عن الخزينة، لـلسـندات المالية، مـن أجل المساهمة على وجه الخصوص في تغطية احتياجات تمويل الخزينة وتمويل الـديـن الـعمومي الداخلي وتمويل الصندوق الـوطني للاستثمار".

ويدعو الخبير الاقتصادي والمستشار لدى رئيس الحكومة عبد الرحمان مبتول "السلطات العمومية لفك شيفرة التعامل وإدارة أشكال العجز في الموازنة وبحث كيفية تغطية هذا العجز، فضلا عـن تحديد القيمة المتوقعة للحاجة إلى التمويل التي تقدر بنحو 3950 مليار دينار أو نحو 29 مليار دولار".

ويضيف مبتول في حديث مع "العربي الجديد" قائلا إن "قيمة العجز والحاجة إلى التمويل بالمليارات، لذا نرى ضرورة أن تطمئن السلطات العمومية المواطنين والمتابعين حول كيفية تغطية القيمة لأنه ليس مبلغا صغيرا ويحتاج إلى مـورد واضح".

ويشرح أنه بالنسبة للبدائل فإن العودة إلى التمويل غير التقليدي أي طباعة النقود، متاحة لأن الرخصة القانونية لا تزال قائمة إلى غاية 2022 "وسبق أن نـبهـنا إلى ضرورة قيام البرلمان بتعديل الرخصة، كبديل عن الاستدانة الداخلية التي تم تجريبها ولم تؤد إلى نتائج على غرار القرض السندي لأن الأمر يتعلق بالحاجة إلى موارد عـاجلة".

ويلفت مبتول إلى أن خيار التقشف وشد الحزام مستبعد في ظل ضغط الجبهة الاجتماعية وتبعات الأوضاع المتصـلـة بالجائحة، "إذ لا يمكن المساس بميـزانـيـة الـتسيير الـتـي تتمثل في كتلة الأجور، لذا وجب توضيح الأمـور حـول آليات تغطية العجز وكما رأينا في السابق فـإن تجربـة الـقـرض السـنـدي تـعـكس صعوبة تجنيد موارد داخلية".

وأمام الوضعية المالية التي تعيشها الجزائر، وما ينتظرها من تحديات اقتصادية وسياسية، لم تعد العودة إلى الاستدانة الخارجية من المحظورات والممنوعات في الخطاب الرسمي الجزائري، بعدما ظلت تستبعدها الحكومة لسنوات طويلة.

توجه نحو الاستدانة وحسب عبد النور مكيدة، مدير التخطيط في الوكالة الجزائرية لتطوير الاستثمار (حكومية)، فإن "الجزائر ليست تحت تهديد صندوق النقد الدولي، إذ يجب أن نفرق بين الاستدانة الخارجية لسد العجز في الخزينة، أو الإنفاق العام وبين الاستدانة الخارجية تحت غطاء التمويل الخارجي للمشاريع الاستثمارية".

ويضيف مكيدة في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن "المديونية الخارجية لا تتجاوز الواحد في المائة من الناتج الداخلي الخام، وهو رقم مريح، هناك العديد من المشاريع معطلة بسبب التمويل، يمكن الاستعانة في القريب العاجل بالأموال الخارجية لبعثها، وهي آلية تعمل بها حتى كبرى الدول عالميا، وبالتالي يجب عدم التهويل في هذا الموضوع".

بدوره، يعتبر الخبير الاقتصادي والمستشار السابق لدى رئاسة الجمهورية الجزائرية، مالك سراي، أن استدانة الحكومة من الخارج باتت أمراً حتمياً، وإن كان يستبعد توجه الجزائر إلى نادي باريس أو لندن أو حتى صندوق النقد الدولي، على اعتبار أن الجزائر تملك مجموعة من الخيارات في قائمة من يريد إقراضها.

ويؤكد لـ"العربي الجديد"، أن الاستدانة ليست بالضرورة "شراً"، ولكن يجب ألا تكون الخيار الأول، "ألمانيا مثلا لديها ديون خارجية، وحتى الولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي العبرة ليست في الاستدانة بل في كيفية إنفاق الأموال".

مخاوف على الاحتياطي

وتتزايد المخاوف في الجزائر من التآكل السريع لاحتياطي النقد الأجنبي واتساع العجز في بلد يعتمد نمطاً تقشفياً منذ 5 سنوات، فآخر الأرقام الحكومية الرسمية كشفت عن تهاوي الاحتياطي إلى 47 مليار دولار، مقابل 72.6 مليار دولار في شهر إبريل/ نيسان 2019.

وتتوقع حكومة تبون أن يستمر التبخر لاحتياطي الصرف الأجنبي ليستقر عند 41 مليار دولار نهاية السنة الحالية، وتلخّص الأرقام التي توقّعتها الحكومة لاحتياطي البلاد من النقد الأجنبي، امتداداً للوضعية الحرجة لاقتصاد الدولة العضو في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) للسنوات القادمة، في ظل شحّ الموارد المالية، وخاصة إيرادات النفط التي تمثل 94 في المائة تقريباً من عائدات البلاد.

المساهمون