هل يمكن أن يؤدي عجز بـ 200 مليار جنيه إسترليني إلى سقوط الحكومة البريطانية؟

01 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 15:24 (توقيت القدس)
مقر الحكومة البريطانية، لندن، 5 مارس 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه المملكة المتحدة عجزًا ماليًا كبيرًا يبلغ حوالي 200 مليار جنيه إسترليني، مما يعكس ضعف الطلب على سندات الخزانة وارتفاع تكلفة الاقتراض، وقد تضطر الحكومة لاتخاذ إجراءات تقشفية.

- ارتفع الدين العام البريطاني بشكل ملحوظ منذ 2008، ومن المتوقع أن يصل إلى 104% من الناتج المحلي بحلول 2025، مما يزيد من هشاشة الاقتصاد أمام تقلبات الأسواق العالمية.

- يعاني الاقتصاد البريطاني من ركود في الإنتاجية وارتفاع البطالة، مع تزايد الضغوط المعيشية وارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة، مما يثير القلق بشأن قدرة بريطانيا على المناورة عالميًا.

قال رئيس استراتيجية الأسهم في كافنديش، روجر لي، في بودكاست "Merryn talks money"، إنه يعتقد أن الأرقام تروي قصة مقلقة. استنادًا إلى أحدث أرقام الاقتراض، فإن المملكة المتحدة في طريقها إلى تحقيق عجز يقارب 200 مليار جنيه إسترليني (268 مليار دولار) هذا العام، أي حوالي 7% من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا أعلى بكثير مما يعتبره معظم الاقتصاديين مستدامًا.

وأضاف أن الطلب على سندات الخزانة البريطانية أضعف بالفعل مما يرغب به صانعو السياسات، وتدفع بريطانيا أكثر من أي دولة أخرى في مجموعة السبع (G7) مقابل الاقتراض. وحذر من أنه ما لم ترتفع الإيرادات الضريبية بشكل حاد أو تنخفض الإنفاق الحكومي بشكل كبير - وكلاهما يبدو غير مرجح - فإن الضغط سيزداد فقط. 

وذكر متسائلاً، ماذا سيحدث عندما تطالب الأسواق بعوائد أعلى لإقراض المملكة المتحدة؟ قد ترتفع عائدات السندات الحكومية، مما يجبر بنك إنكلترا على الدخول في جولة أخرى من التيسير الكمي. وقد تضطر الحكومة عندئذ إلى فرض تخفيضات طارئة في الإنفاق، وهي تخفيضات من المتوقع أن يقاومها العديد من نواب حزب العمال بشدة. ومثل هذا السيناريو ينذر بالسوء للحكومة العمالية التي تحملت مسؤولية "الثقب الأسود" المالي الذي خلفته الحكومة المحافظة السابقة، وللمكانة الدولية لبريطانيا وللمستثمرين. واقترح لي أن الاستجابة الحكيمة قد تكون الاحتفاظ بنقد أكثر من المعتاد.

منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008 يشهد الاقتصاد البريطاني مسارًا متصاعدًا في المديونية، حتى باتت من أبرز التحديات التي تواجه السياسات الاقتصادية والمالية. فالدَّين العام السيادي، أي التزامات الحكومة المركزية داخليًا وخارجيًا، ارتفع من نحو 40% من الناتج المحلي قبل الأزمة إلى ما يقارب 104% في عام 2025، أي ما يعادل 3.2 تريليونات جنيه إسترليني (4.28 تريليونات دولار)، بحسب بيانات المكتب الوطني للإحصاءات.

وتواصل أرقام الاقتراض الحكومي تأكيد هذا المسار؛ إذ بلغ صافي الاقتراض في الربع الأول من السنة المالية 2025/2026 نحو 57.8 مليار جنيه إسترليني (77.5 مليار دولار)، بزيادة 7.5 مليارات مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. أما ديون الأسر والشركات غير المالية، فقد تخطت 117% من الدخل المتاح، أي ما يعادل 3.16 تريليونات جنيه إسترليني (4.23 تريليونات دولار)، مع متوسط دخل سنوي للأسرة يقدر بنحو 36.7 ألف جنيه (49 ألف دولار تقريبًا). وبذلك، تمثل ديون الأسر 76% من الناتج المحلي، فيما تبلغ ديون الشركات غير المالية 61%، ليصل مجموع مديونية القطاع الخاص إلى 137% من الناتج المحلي.

وفي ما يخص الانكشاف الخارجي، يُقدَّر الدين الخارجي لبريطانيا بنحو 8 تريليونات جنيه (10.7 تريليونات دولار) عام 2025، أي ما يفوق ثلاثة أضعاف الناتج المحلي، ويشمل التزامات البنوك والمؤسسات المالية والشركات إلى جانب جزء من الدين السيادي الخارجي. وتشير رويترز إلى أن هذا الرقم يعادل نحو 11 تريليون دولار، وهو ما يزيد هشاشة الاقتصاد أمام تقلبات أسعار الفائدة العالمية وأسواق المال.

كما ارتفعت كلفة خدمة الدين بشكل ملحوظ؛ فمن 41 مليار جنيه (55 مليار دولار) عام 2019 قفزت إلى أكثر من 106 مليارات (143 مليار دولار) في 2025، بما يقارب 9% من إجمالي الإنفاق الحكومي، مع توقعات بتجاوزها 122 مليارًا (163.5 مليار دولار) بحلول 2030. ووفق تقديرات المكتب الوطني للإحصاءات، ستبلغ الفوائد وحدها في السنة المالية 2025/2026 نحو 111 مليار جنيه (148 مليار دولار)، ما يضغط على الموارد المخصصة للاستثمار والخدمات العامة.

خلال العقدين الماضيين توسعت سوق السندات الحكومية بشكل كبير؛ فارتفعت قيمتها من 414 مليار جنيه (555 مليار دولار) عام 2006 إلى نحو 2.57 تريليون جنيه (3.54 تريليونات دولار) في يوليو/تموز 2025، أي بزيادة تتجاوز 600% في عشرين عامًا. أما العوائد، فقد سجلت قفزات لافتة: إذ ارتفع عائد السندات لأجل 10 سنوات من 3.95% في 2024 إلى 4.74 – 4.77% في أغسطس/آب 2025، فيما بلغ عائد السندات لأجل 30 عامًا 5.6%، وهو الأعلى منذ 1998. واللافت أن العوائد البريطانية باتت تفوق نظيرتها اليونانية، ما يعكس تنامي قلق الأسواق من استقرار المالية العامة في المملكة المتحدة وارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي.

الإيرادات الضريبية وضغوط الموازنة

تشكل الضرائب العمود الفقري لتمويل المالية العامة، حيث بلغت الحصيلة الضريبية في 2024/2025 نحو 1.02 تريليون جنيه (1.36 تريليون دولار)، أي ما يعادل 35–36% من الناتج المحلي البالغ نحو 2.9 تريليون جنيه (3.8 تريليونات دولار). وتشمل هذه الحصيلة ضريبة الدخل (42%) والقيمة المضافة (19%) وضرائب الشركات (8.1%)، إضافة إلى ضرائب ورسوم أخرى. ورغم هذه الإيرادات، لا تزال المالية العامة تحت ضغط العجز الذي بلغ 152 مليار جنيه (204 مليارات دولار) في 2024/2025 (5.3% من الناتج المحلي)، مقابل أقل من 50 مليارًا قبل جائحة كورونا. وتبحث الحكومة خيارات مثل إصلاح ضرائب العقارات أو فرض ضرائب على الثروات الفاخرة لزيادة الإيرادات.

وأظهرت بيانات اتحاد الصناعات البريطانية تراجعًا في مبيعات التجزئة خلال أغسطس/آب 2025 إلى قراءة -32 نقطة، ما يعكس ضعف القوة الشرائية للأسر. وسجّل معدل التضخم السنوي 3.8% في يوليو/تموز، وارتفع المؤشر الأشمل بما في ذلك تكاليف السكن إلى 4.2%، مدفوعًا بأسعار الغذاء والطاقة. كما سترتفع فواتير الطاقة إلى نحو 1755 جنيهًا (2350 دولارًا) سنويًا اعتبارًا من أكتوبر/تشرين الأول، مما يفاقم ضغوط المعيشة.

الإنتاجية وسوق العمل

دخلت بريطانيا في حالة "ركود إنتاجي"، إذ لم يتجاوز نمو الإنتاجية خلال العقد الأخير 1% مقارنة بـ2% قبل الأزمة المالية، وهو ما ضاعف أثر التضخم على الدخول الحقيقية. ورغم أن معدل البطالة الرسمي استقر عند 4.7% في الربع الثاني من 2025 (1.67 مليون عاطل)، فإن نحو 6.5 ملايين شخص يتلقون إعانات البطالة والدعم الاجتماعي، أي ما يقارب 15% من السكان في سن العمل. كما تعاني قطاعات مثل الضيافة والمطاعم من إغلاقات متزايدة وتراجع في نيات التوظيف إلى أدنى مستوياتها منذ الجائحة.

ويتسع مفهوم انعدام الأمن المعيشي في بريطانيا ليشمل الدخل والسكن والصحة والعمل والغذاء. ففي 2023/2024 واجه 11% من السكان انعدامًا غذائيًا، وارتفعت النسبة لاحقًا إلى 13.6% من الأسر في منتصف 2024. ومع ارتفاع أسعار الغذاء 4.2% في أغسطس/آب 2025، باتت بعض الأسر تنفق ما يصل إلى 70% من دخلها على الطعام. وتشير الإحصاءات إلى أن نحو نصف السكان يفتقدون الأمان المالي أو الصحي أو السكني بدرجات متفاوتة، مما يضعف الإنتاجية ويهدد الاستقرار الاجتماعي.

في السياق، سجل ميزان التجارة البريطاني عجزًا يعادل 1.1% من الناتج المحلي في 2024 (32.3 مليار جنيه)، مع تراجع الصادرات إلى الولايات المتحدة 14.5% منتصف 2025 واستمرار العجز مع الاتحاد الأوروبي. ويغطي الإنتاج المحلي نحو 60% فقط من احتياجات الغذاء، ما يترك الاقتصاد عرضة للصدمات الخارجية.

هذه المؤشرات تعكس أزمة متعددة الأبعاد: دين عام متفاقم، إنتاجية متراجعة، ضغوط معيشية متزايدة، وانكشاف خارجي واسع. ويأتي ذلك في وقت تحذر مؤسسات دولية مثل صندوق النقد من أن استمرار هذه الاتجاهات قد يقيّد قدرة بريطانيا على المناورة في ظل بيئة عالمية ضبابية. وهو مشهد يعيد إلى الأذهان أزمة 1976 حين اضطرت الحكومة لطلب دعم الصندوق، مع فارق أن الظروف الحالية أكثر تعقيدًا في ظل تشابك العوامل الاقتصادية والاجتماعية والجيوسياسية.

المساهمون