عام على تحرير سورية... تحول معيشي واسع واختفاء طوابير الذل

08 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 14:50 (توقيت القدس)
أسواق سورية/ دمشق 10-2-2024 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت سوريا تحولاً اقتصادياً واجتماعياً كبيراً بعد خروجها من قبضة نظام الأسد، حيث تحررت الأسواق من القيود الأمنية وأصبح الدولار جزءاً من الحياة اليومية، مما ساهم في استقرار الأسعار وتحسين القدرة على التخطيط المالي.
- تحسنت الخدمات العامة بشكل ملحوظ، حيث اختفت طوابير المحروقات وعاد قطاع النقل العام للعمل بانتظام، مما سهل حركة المواطنين وعكس تحولاً في الحياة اليومية للسوريين.
- ساهمت عودة المهجرين في انتعاش المهن مثل البناء والنجارة، مما خلق حركة عمرانية واسعة، وعكس التحسن الاقتصادي والاجتماعي خروج سوريا من أنقاض النظام القديم نحو بناء نظام جديد.

بعد عام واحد فقط على خروج سورية كاملة من قبضة نظام الأسد، بدأت ملامح مشهد اقتصادي واجتماعي جديد تتشكل في كل زاوية من شوارع المدن السورية، كأن البلاد تستيقظ من سبات طويل كان فيه الاقتصاد موجهاً أمنياً، والأسواق مقطعة بالجمارك والحواجز، والمعيشة محكومة بانهيار الليرة وبطاقة ذكية تتحكم بالغاز والبنزين والمازوت والخبز، وحتى الأرز والسكر. التحول الذي حصل منذ وصول الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، بدا سريعاً وعميقاً، إلى حد جعل السوريين يشعرون بأنهم يعيشون في زمن آخر لا يشبه ما كان عليه الحال حتى العام الماضي.

تحرير الأسواق

في الشوارع، كما في البيوت، تتردد الجملة نفسها على ألسنة الناس: "البلد تغير، ليس الوضع الأمني فقط، حتى المعيشة أصبحت مفهومة". العبارة التي يكررها شادي شنيرة، الموظف الأربعيني في إحدى المؤسسات الخدمية في دمشق، تختصر شعور آلاف السوريين الذين يقارنون يومياً بين وضعهم اليوم ووضعهم خلال سنوات النظام السابقة، حين كانت الأسواق غارقة في الغلاء، والرواتب منهارة، والناس يركضون خلف أسطوانة غاز أو عشرة ليترات مازوت تأتي عبر رسالة غامضة من تطبيق "تكامل". يقول شنيرة لـ"العربي الجديد" إن دخله اليوم يصل إلى ما يقارب 500 دولار، بعدما كان راتبه لا يتجاوز 30 دولاراً في آخر سنوات حكم الأسد. ويرى أن الفرق الأساسي ليس في قيمة الراتب فقط، بل في قدرته على التخطيط المالي. فالدولار، الذي كان التعامل به يعد جريمة، أصبح اليوم جزءاً من الحياة اليومية، سواء في التسعير أو في المدفوعات أو في العقود، ما سمح للأسواق بأن تستقر على أسعار مفهومة.

وترى منى الأسعد، موظفة في وزارة التعليم العالي، أن حياتها تحسنت، رغم أن الأسعار لم تنخفض كما حلم الجميع. فدخلها يقارب 100 دولار، لكنها تؤكد أن الأسعار "واضحة" مقارنة بما كان يحدث في السابق. وتضيف أن السلع الأجنبية، خصوصاً التركية والأوروبية، انخفضت أسعارها بشكل ملحوظ بسبب فتح الحدود وإلغاء الاحتكار، بينما بقيت السلع المحلية مرتفعة لأن المواد الأولية ما زالت مكلفة، ولأن الصناعة السورية تحتاج سنوات لتتعافى من دمار الحرب. هذا التناقض بين الأسعار هو بالضبط ما يصفه الخبير الاقتصادي مروان الحسين بأنه "موجة انتقال طبيعية لاقتصاد خرج من السيطرة الأمنية إلى اقتصاد حر". ويشرح الحسين لـ"العربي الجديد" أن الأسواق السورية اليوم باتت تتعامل وفق آلية العرض والطلب بعد عقود من هيمنة الأجهزة على التجارة، وأن انخفاض أسعار السلع المستوردة لا يعني بالضرورة انخفاض السلع المحلية، لأنها تحتاج إعادة بناء خطوط الإنتاج وتوفير الكهرباء والمشتقات النفطية بأسعار تتيح المنافسة.

اختفاء طوابير الذل

أكبر فارق يلاحظه السوريون اليوم، اختفاء طوابير الذل، فالغاز متوفر، والمازوت موجود طوال العام، والبنزين لم يعد مرهوناً برسائل البطاقة الذكية، رغم أن الأسعار لا تزال مرتفعة مقارنة بالدخل. يقول عصام الجندي، رب عائلة من ريف دمشق لـ"العربي الجديد"، إن الحصول على الغاز اليوم "مسألة شراء فقط"، بعد أن كان ينتظر ثلاثة أشهر وأحياناً أربعة للحصول على أسطوانة واحدة. أما المازوت، الذي كان ينتظر له شتاءً كاملاً في عهد الأسد، فهو متوفر في الأسواق، وإن كان سعر الليتر أعلى من قدرة الفئات الأقل دخلاً، لكنه على الأقل متاح لمن يستطيع الدفع. ويضيف: "الغلاء شيء… والذل شيء تاني. اليوم ندفع بس ما عم ننذل".

وبعيداً عن المحروقات، عاد قطاع النقل العام ليعمل بانتظام، بعدما اختفت مشاهد الماراتون اليومي الذي كان يعيشه سكان دمشق وحلب وحمص والساحل للظفر بمقعد في "سرفيس" (حافلة نقل صغيرة). يقول طالب الجامعة عيسى ديب إن طريقه إلى الكلية من منطقة عرطوز بريف دمشق إلى كلية الحقوق بمنطقة البرامكة لم يعد يستغرق ساعتين من الانتظار كما كان يحدث سابقاً، وإنه "لأول مرة يشعر أنه يعيش في بلد طبيعي".

عودة المهجرين تنعش الأسواق

التغيرات لم تقتصر على الشوارع والمحروقات، بل وصلت إلى المهن التي انتعشت بشكل غير مسبوق. فعودة مئات آلاف المهجرين إلى بيوتهم المدمرة جزئياً أو كلياً، خلقت حركة عمرانية واسعة أعادت للحياة مهن البناء والنجارة والحدادة والألمنيوم، ودفعت بورَش الطاقات الشمسية إلى الواجهة، بوصفها الحل الأكثر انتشاراً، في ظل اعتماد السوريين على الطاقة البديلة بعد سنوات من انقطاع الكهرباء لساعات طويلة. يقول محمد عبيدو، النجار الخمسيني من محافظة حمص، إن عمله لم يزدهر بهذه الطريقة منذ 2011. فالطلب على الأبواب والنوافذ وأعمال المطبخ ارتفع ثلاثة أضعاف، لأن الناس، كما يقول، "عم ترجع تعمر حياتها، مو بس بيوتها".

ويشير إلى أن الأسعار ارتفعت قليلاً بسبب ارتفاع أسعار الخشب، لكنها بقيت مقبولة قياساً بالطلب الكبير. أما فنيّ الطاقة الشمسية خالد رجوب، فيؤكد أن عمله بات "موسماً دائماً". ويقول إن الأسر السورية، بعد أن تخلّصت من انتظار أمبيرات المولدات وأسعارها المتوحّشة، أصبحت ترى في الطاقة الشمسية استثماراً طويل المدى بعد انخفاض سعرها للنصف تقريباً. ويضيف أن دخله ازداد بشكل ملحوظ، وأن سوق الطاقة البديلة باتت إحدى أهم المهن النشطة في مرحلة ما بعد التحرير.

الخدمات العامة والنظافة

رغم التحسّن الواضح في الحياة الاقتصادية، بقي ملفّ النظافة واحداً من أكثر الملفات حساسية في المدن الكبرى، إذ ما زالت البلديات تواجه صعوبة في جمع النفايات يومياً، بسبب ضعف الإمكانات وقلة الشاحنات والآليات. في بعض الأحياء، وخصوصاً المكتظة بالسكان العائدين حديثاً، تتكدس القمامة لساعات طويلة قبل وصول الشاحنات، ما يخلق شعوراً بأن البنية التحتية لم تصل بعد إلى سرعة التعافي الاقتصادي.
يشرح موظف بلدية دمشق، أبو محمد، قائلاً إن "المشكلة ليست في غياب الرغبة أو التنظيم، بل في نقص الشاحنات والوقود وتعدد المناطق التي يجب تغطيتها يومياً، بعد أن أصبحت المدن تنبض بالحياة من جديد". ومع ذلك، يؤكد السكان أن الوضع أفضل مما كان عليه في عهد النظام، حين كانت النفايات تُترك لأيام كاملة دون جمع بسبب الإضرابات أو نقص الوقود أو غياب الرقابة، لكنهم يشددون على أن تحسين النظافة يجب أن يكون من أولويات المرحلة المقبلة، لما له من تأثير مباشر بالصحة العامة وصورة المدن.

مقارنة غير عادلة

الخبير الاقتصادي باسل سلامة، يعلق على تلك التطورات الإيجابية، قائلاً إن المقارنة بين الاقتصاد في عهد الأسد والاقتصاد في عهد الشرع "غير عادلة من حيث الأساس"، لأن النظام السابق كان يقوم على التحكم المطلق في التجارة والتسعير والقطع الأجنبي، وحتى في حركة النقل. ويضيف أن الميزات التي ظهرت خلال العام الأخير مثل فتح الحدود، واستخدام الدولار، وإلغاء الاحتكار، وتحرير التجارة سمحت للسوق بأن تستعيد توازنها أسرع مما كان متوقعاً. ويشير سلامة لـ"العربي الجديد" إلى أن الاقتصاد السوري الجديد يتجه نحو نموذج السوق المفتوحة، على غرار التجربة الكردية شمالي العراق أو النموذج التركي في التسعينيات، لكنه يحتاج سنوات لضبط الضرائب وتحفيز الصناعة المحلية.

ويقول إن ارتفاع أسعار السلع الوطنية ناتج من ضعف الإنتاج وارتفاع الكلفة، لا من احتكار، كما كان يحدث مع شبكات رجال الأعمال المرتبطين بعائلة الأسد. ومع أن التغيير لم يصل إلى كل الفئات بالتساوي، فإن الحجم العام للتحسن في مستويات المعيشة واضح، بحسب فيصل النابلسي، الموظف في قطاع الاتصالات، الذي يرى أن دخله البالغ 260 دولاراً يكفيه لتأمين احتياجات أسرته الأساسية، وإن بقيت بعض السلع "فوق القدرة"، مثل اللحوم وبعض الفواكه. لكنه يقول إنه على الأقل يفهم اليوم لماذا ترتفع الأسعار، ولماذا تنخفض، بعد أن كان يعيش في اقتصاد أشبه بالصندوق الأسود.

الكرامة أهم من الغلاء

المقارنة بين اليوم والأمس، هي الأكثر حضوراً في حديث السيدات اللواتي يروين قصص انتظار ساعات لركوب "سرفيس"، أو شهور للحصول على غاز، أو سنوات من العيش على ضوء الشموع. تقول ميس الفاروق، معلمة من اللاذقية، إن الفرق بين اليوم وعهد النظام "مو بس فرق اقتصاد… فرق كرامة"، مضيفة أن السوريين اليوم قادرون على اتخاذ قراراتهم اليومية دون خوف من فقدان مادة أو تلاعب مسؤول أو احتكار تاجر محسوب على السلطة. شكل كثير من سكان المنطقة مقاربتهم للوضع الحالي بناءً على ما عاشوه قبل عام فقط. كانت الأسعار قبل التحرير ترتفع أسبوعياً، وكانت الليرة السورية تفقد قيمتها باستمرار، وكانت الضرائب "غير الرسمية" تنهش أرباح التجار والمستهلكين على حد سواء.

اليوم، رغم وجود غلاء في جوانب معينة، فإن وتيرة الارتفاع باتت أبطأ، والأسعار أكثر استقراراً، والبضائع أكثر تنوعاً وجودة. ليس لأن المعابر باتت مفتوحة فقط، بل لأن الشبكات الأمنية والمالية التي كانت تتحكم بالتجارة لم تعد موجودة. يقول أبو رحيم، صاحب محل مواد غذائية، إنه "في عام واحد تغيّر كل شيء. لم أعد أتعامل مع فروع أمن أو لجان تموينية تحتكر السكر والزيت، ولم أعد مجبراً على شراء بضاعة رديئة لأن البدائل ممنوعة من الدخول". ومع أن تكلفة المعيشة لا تزال مرتفعة قياساً بمتوسط الرواتب، إلا أن السوريين يرون أن الفارق الأساسي يكمن في انعدام الفساد الإداري والأمني الذي كان يرفع الأسعار دون مبرر. كذلك فإن الاقتصاد المفتوح سمح بقياس الأسعار على أساس عالمي، وليس على أساس مزاجي، كما كان يحدث في ظل اقتصاد منهك ومغلق.

بعد عام على التحرير، تبدو سورية وكأنها تخرج من أنقاض منظومة قديمة لتبني نظاماً اقتصادياً واجتماعياً جديداً، رغم الآلام والتحديات. فالأسواق فعّالة، والمهن مزدهرة، والمحروقات متوفرة، والدولار يتحرك بحرية، والرواتب ارتفعت، والأهم أن السوريين يشعرون بأنهم استعادوا القدرة على التخطيط لحياتهم، بعدما عاشوا عقوداً في ظل اقتصاد يفكّر نيابة عنهم ويتحكم حتى في طريقة طبخهم. ومع أن الطريق لا يزال طويلاً، فإن العام الأول بعد التحرير قدّم للسوريين نموذجاً جديداً من المعيشة صعباً لكنه مفهوم، مكلفاً لكنه بلا إذلال، وهو ما يجعل كثيرين يشعرون بأنهم يعبرون نحو مرحلة تستحق الانتظار.

المساهمون