طفرة بنمو استثمارات المحافظ الأجنبية في السعودية

24 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 07:12 (توقيت القدس)
لوحة تداول البورصة السعودية (فايز نور الدين/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت السعودية زيادة بنسبة 40% في استثمارات المحافظ الأجنبية خلال النصف الأول من 2025، نتيجة تحديثات قانون الاستثمار الأجنبي وفتح المدن الكبرى للتملك الأجنبي، مما عزز السيولة في السوق المالية.

- بلغت قيمة الاستثمارات الأجنبية في الأوراق المالية 1.244 تريليون ريال بنهاية 2024، مع تدفقات رئيسية من الولايات المتحدة وألمانيا والإمارات، مما يعكس ثقة المستثمرين في السوق السعودي، رغم أن الفوائد المباشرة للمواطنين تبقى محدودة.

- تساهم استثمارات المحافظ في استقرار الأسواق وزيادة السيولة، رغم أن أثرها على فرص التوظيف محدود، بينما تسعى السياسات الاقتصادية للحد من تكاليف المعيشة مثل قانون تثبيت الإيجارات.

قدم تسجيل السعودية زيادة غير مسبوقة بنسبة 40% في استثمارات المحافظ الأجنبية خلال النصف الأول من عام 2025 مؤشراً إلى تعزيز مكانة المملكة مالياً، والثقة المتنامية من المؤسسات المالية الدولية في بيئة الاستثمار المحلي بعد سلسلة إصلاحات تنظيمية وتشريعية. وسلط الضوء أيضاً على تأثير ذلك على فرص التوظيف والاستقرار الاقتصادي للمواطن السعودي وعلاقة ذلك بارتفاع تكاليف المعيشة أو العقارات.

ويعزو تقرير لشركة إكويفيتر (Equivator)، المتخصصة في تحليلات الاستثمار وأسواق الشرق الأوسط، هذا النمو بالأساس إلى تحديثات قانون الاستثمار الأجنبي وتسهيل دخول رؤوس الأموال الأجنبية، بالإضافة إلى فتح المدن الكبرى مثل الرياض وجدة ونيوم أمام التملك الأجنبي الكامل للأصول، ما منح تدفقات المحافظ الأجنبية نقاط دخول جديدة ومرونة تشريعية أعلى.
وترتبط زيادة استثمارات المحافظ الأجنبية عادة بتعزيز السيولة في السوق المالية السعودية، ما يدعم خطط الشركات الكبرى للتوسع ويدعم الطلب على المواهب المحلية، خاصة في القطاعات المالية، التقنية، والعقارات. ومع ذلك يشير تقرير لهيئة السوق المالية السعودية CMA إلى أن فوائد هذا النوع من الاستثمارات غالباً ما تذهب أولاً للمؤسسات المدرجة والمستثمرين الرئيسيين، فيما يعتمد تحويل المكاسب إلى فرص عمل أو إلى نمو دخل للأفراد على مدى نجاح الحكومة في استثمار السيولة المتاحة في مشروعات إنتاجية أو بنية تحتية توسّع قاعدة التوظيف وترفع مستويات الأجور.

تنويع مصادر الدخل
في هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي والمستشار المالي علي أحمد درويش، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن الاقتصاد السعودي يشهد تدفقاً متزايداً للاستثمارات الأجنبية عبر المحافظ المالية مدفوعاً بعدة عوامل، أبرزها الاستقرار السياسي والاقتصادي وتنويع مصادر الدخل بعيداً عن الاعتماد شبه الكلي على النفط.

ويعكس هذا التوجه نجاح "رؤية 2030" في تحقيق أهدافها التنموية خلال السنوات الأخيرة، لا سيما في بناء بيئة استثمارية جاذبة ومستقرة، حسبما يرى درويش، لافتاً إلى أن البيانات المتاحة سجلت قيمة لإجمالي الاستثمارات الأجنبية في الأوراق المالية، مثل الأسهم والسندات والمحافظ الاستثمارية، بنحو 1.244 تريليون ريال سعودي بنهاية عام 2024، وهو رقم كبير يدل على نشاط ملحوظ في هذا النوع من الاستثمارات (الدولار = نحو 3.75 ريالات).
وخلال الربع الأول من عام 2024 وحده، جاءت التدفقات بشكل رئيسي من دول مثل الولايات المتحدة وألمانيا والإمارات العربية المتحدة، ما يعكس ثقة المستثمرين الدوليين في السوق السعودي مقارنةً بأسواق أخرى تشهد تقلبات حادة، حسب تقدير درويش، لافتاً إلى أن هذا التدفق من شأنه أن يؤدي إلى تحسين السيولة في الشركات المدرجة، خاصة الكبرى منها، إذ يوفر لها موارد مالية تُساهم في تعزيز أدائها وتوسيع عملياتها.
ويعزو درويش جزءاً من هذا الجذب إلى استقرار نسبي في أسعار الأسهم السعودية مقابل التقلبات الكبيرة التي تشهدها الأسواق العالمية، ما يجعلها وجهة أكثر أماناً وجاذبية للمستثمرين الباحثين عن عوائد مستقرة مع درجة مقبولة من الأمان.
غير أن درويش يلفت إلى أن انعكاس هذه الاستثمارات على المواطن السعودي، سواء من حيث تكاليف المعيشة أو سوق العقارات، لا يكون مباشراً، فالمستفيد الأول من هذه التدفقات هي الشركات الكبرى وصناديق الاستثمار والمحافظ المالية، إضافة إلى القطاع المصرفي من خلال الودائع التي ترفع مستويات السيولة في النظام المالي، ومع ذلك فإن هذه السيولة قد تتحول لاحقاً إلى فرص عمل غير مباشرة، إذ تدفع الشركات المدعومة مالياً إلى التوسع في مشاريعها، وهو ما يستدعي توظيف أيد عاملة جديدة وزيادة رقعة النشاط الاقتصادي.
وفي ما يتعلق بسوق العقارات، يرى درويش أن ارتفاع السيولة يساهم في دفع الطلب ورفع الأسعار، لكن هذا التأثير يبقى محدوداً بفعل برامج الدولة الداعمة، خاصة القروض الميسرة التي توفرها الجهات الحكومية لتمكين المواطنين من امتلاك الوحدات السكنية بأسعار معقولة.

الثقة بالسوق المحلية
يؤكد الخبير الاقتصادي ربيع بدواني مخلوف، لـ"العربي الجديد"، أن ارتفاع استثمارات المحافظ الأجنبية في السعودية يعكس تزايد الثقة الدولية في الأسواق المحلية ومسار الإصلاحات الاقتصادية التي تنتهجها البلاد، لافتاً إلى أن بيانات الهيئة العامة للإحصاء أوردت أن صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في الربع الأول من عام 2025 بلغ نحو 22.2 مليار ريال سعودي (أي ما يقارب 5.9 مليارات دولار)، بزيادة تبلغ 44% على أساس سنوي.

كما تمثل استثمارات المحافظ الأجنبية حوالي 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي حتى نهاية 2024، بحسب بيانات الهيئة، وهو ما يراه مخلوف دليلاً على جاذبية السوق السعودية للمستثمرين الدوليين، معتبراً أن هذه التدفقات المالية تساهم في تعزيز استقرار الأسواق من خلال زيادة السيولة وعمق السوق، غير أن أثرها المباشر على فرص التوظيف أو على الأوضاع المعيشية للمواطنين يبقى محدوداً نسبياً.
فالمحافظ المالية، بخلاف الاستثمارات المباشرة، لا تنشئ عادة مشاريع إنتاجية جديدة، إذ تتركز على الأسهم والسندات أكثر من الأصول المنتجة، ولذا فإن منافعها المباشرة على المدى القصير تبقى محدودة، رغم أنها تعزز الثقة وتدعم تمويل الخطط الحكومية، بحسب تحليل مخلوف.
وعلى صعيد سوق العمل، يبين مخلوف أن البيانات ذاتها أظهرت أن معدل البطالة في السعودية انخفض إلى نحو 7% بنهاية 2024 مقارنة بـ12.8% عام 2018، وهو تراجع واضح يعكس أثر الإصلاحات في هيكلة سوق العمل.
ومع ذلك، تشير تقديرات أخرى إلى أن السعودية ستحتاج إلى خلق ما يقارب 920 ألف وظيفة جديدة بحلول 2030 لمواكبة نمو القوى العاملة وتحقيق أهداف "رؤية 2030"، ومن هنا تتضح أهمية توجيه جزء من استثمارات المحافظ نحو القطاعات الإنتاجية القادرة على توليد فرص عمل حقيقية، حسب مخلوف.
وفي ما يتعلق بتكاليف المعيشة، يرى مخلوف أن تدفق رؤوس الأموال الأجنبية إلى الأسواق السعودية يمكن أن يحدث آثاراً مزدوجة، فهو يساهم من جهة في تنشيط الاقتصاد وتحسين السيولة في النظام المالي، وقد يؤدي من جهة أخرى إلى ارتفاع أسعار الأصول، خاصة في قطاع العقارات.
وهنا يلفت مخلوف إلى أن أسعار المساكن في المملكة سجلت ارتفاعاً بنسبة 3.1% على أساس سنوي حتى نهاية 2024.
غير أن السياسات الاقتصادية الحديثة تسعى للحد من هذه الضغوط، إذ أقرت الرياض في سبتمبر/ أيلول الماضي قانون تثبيت الإيجارات الذي يمنع زيادة إيجارات العقارات السكنية والتجارية لمدة خمس سنوات داخل الحدود الحضرية للمدينة.

المساهمون